واصلت أسعار النفط تأرجحها أمس وظل الخام الخفيف دون 40 دولارا للبرميل في التعاملات الآسيوية بعد ان هوت 1.5% في الجلسة السابقة في جو من الترقب والانتظار. وقال محللون ان احتمالات كئيبة للطلب على النفط بسبب المخاوف من كساد اقتصادي طويل الامد في الولايات المتحدة اكبر مستهلك للطاقة في العالم أبقت اسعار النفط دون 40 دولارا. وفي إحدى مراحل التداول ارتفع الخام الخفيف للعقود تسليم مارس 41 سنتا عند 39.97 دولاراً للبرميل بعد ان أغلق في الجلسة السابقة منخفضا 61 سنتا الى 39.56 دولاراً. وصعد خام القياس الاوروبي مزيج برنت 31 سنتا الي 46.33 دولاراً للبرميل.
وقال عبد الله البدري الامين العام لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) إن المنظمة قد تخفض انتاج النفط مجددا لمواجهة تدهور الطلب. وتنتظر الاسواق أحدث بيانات اسبوعية للمخزونات البترولية في أميركا والتي من ستصدر اليوم الاربعاء. واشار استطلاع إلى انه من المرجح ان تظهر البيانات زيادة قدرها 2.5 مليون برميل في مخزونات النفط الخام الاسبوع الماضي. وهوت أسعار النفط من ذروة قياسية فوق 147 دولارا كانت سجلتها في يوليو مع انهيار الطلب على الوقود بسبب التباطوء الاقتصادي العالمي. وقال أديسون أرمسترونج مدير أبحاث السوق لدى تراديشن انرجي في ستامفورد بولاية كونيتيكت الأميركية (تميل الكفة لصالح صورة تدني الطلب، جدل الركود يفوز مرة بعد أخرى. وفيما يتعلق بتخفيضات أوبك فقد بدأنا نلحظها لكن لا يزال أمامها طريق لتقطعه. وعلى صعيد تأثير حزمة التحفيز فانه لن يظهر في الاقتصاد الحقيقي حتى الربع الثالث أو الاخير من 2009 على أقرب تقدير).
وفي وقت سابق تلقت أسعار النفط دعما من تصريحات للأمين العام لأوبك قال فيها إن المنظمة قد تخفض انتاج النفط مجددا لمواجهة تدهور الطلب. لكن وزير الطاقة الجزائري شكيب خليل توقع أن تنحسر الضغوط على منظمة اوبك لخفض انتاجها النفطي اثناء اجتماعها القادم في منتصف مارس اذا ظل سعر الخام الخفيف قرب مستواه الحالي البالغ 40 دولارا للبرميل.
وأوضح (40 دولارا للبرميل سعر جيد في الوقت الحالي)، مضيفا ان هبوطا حادا لاسعار النفط عن 40 دولارا سيجعل خفضا انتاجا لاوبك مرحجا بشكل أكبر. وقال خليل ايضا انه لا يعتقد ان الطلب العالمي على النفط في 2009 سيهبط بشكل كبير عن التوقعات الحالية وتكهن بأن يرتفع سعر النفط الى 60 دولارا للبرميل بحلول نهاية العام.
وفي الجانب الآخر ألقى انخفاض الأسعار بظلاله على اقتصادات البلدان المنتجة وأثر بشكل مباشر على مستويات الاستثمار في المشروعات الجديدة. وقال عبد الله البدري الامين العام لأوبك إن أعضاء المنظمة أجلوا 35 مشروعا لتعزيز انتاج النفط في خضم التراجع الكبير في اسعار الخام الذي قلص عائداتهم وتراجع الطلب بسبب الازمة المالية. وأضاف أن المنظمة مستعدة لخفض مزيد من الانتاج خلال اجتماعها في مارس للمساعدة في دعم الاسعار.
وقال البدري ان أوبك خسرت دخلا يبلغ 356 مليار دولار خلال الفترة من بلوغ الاسعار ذروتها الى الشهر الماضي. واضاف (الاسعار الحالية تهدد استمرارية الاستثمارات المزمعة). وتابع (ستنخفض عائداتنا هذا العام بنسبة 50 بالمئة). وتقول ادارة معلومات الطاقة الأميركية ان أوبك التي تضخ ثلث الانتاج العالمي من النفط جنت ما يقرب من تريليون دولار في العام الماضي.
وحتى الآن كانت المشروعات النفطية الاكثر عرضة للمخاطر خارج أوبك التي تضم 12 عضوا وحيث تكاليف الانتاج أعلى أيضا. ودفع تراجع الطلب عالميا أوبك الى خفض الانتاج بواقع 4.2 ملايين برميل يوميا منذ سبتمبر لتحفيز الاسعار مما رفع طاقة الانتاج غير المستغلة الى حوالي ثمانية ملايين برميل يوميا حسبما قال البدري.
ولا يترك هذا حافزا يذكر بالنسبة لكثيرين في اوبك للاستثمار في امدادات غير ضرورية حاليا في وقت يتراجع الطلب العالمي على الوقود للمرة الاولى منذ نحو 30 عاما. واضاف البدري أنه حتى الخطط المؤكدة من جانب أوبك لزيادة الامدادات بواقع خمسة ملايين برميل يوميا بحلول 2012 قد تواجه بعض التأخير.
وقال (لا يزال من المتوقع تأخر مواعيد بدء تشغيل كثير من المشروعات). وكان معالي محمد بن ظاعن الهاملي وزير الطاقة قد قال ان أسعار النفط بمستوياتها الحالية عند 40 دولارا للبرميل تعادل نحو نصف السعر اللازم لجذب استثمارات كافية في امدادات جديدة. وأضاف من الواضح أنه اذا ظلت أسعار النفط منخفضة لفترة أطول كثيرا فان الموقف السلبي من الاستثمار سيتفاقم الى درجة تنشأ معها أزمات نقص كبيرة في الامدادات عندما تتلاشى المتاعب الاقتصادية الحالية.
ورأى أنه لايزال يتعين على اوبك خفض نحو 900 الف برميل يوميا لكي تصبح ملتزمة تماما بالتخفيضات المتفق عليها. وقال مشيرا الى اجتماع اوبك في فيينا المقرر له يوم 15 مارس اذا رأينا أننا لا نزال بحاجة لمزيد من العمل فأنا واثق أن المؤتمر سيتخذ اجراءات أخرى لاشاعة التوازن في السوق. وكان رئيس أوبك ووزراء نفط العراق وفنزويلا وايران اعضاء المنظمة قد طرحوا جميعا احتمال خفض اوبك الانتاج بشكل أكبر اذا تقلص الطلب على النفط واستمرت الضغوط على الاسعار بسبب التباطؤ الاقتصاي العالمي.
وعلى مستوى تدفق الإمدادات قالت مصادر ان السعودية ستحافظ على استقرار امدادات الخام الى مشترين آسيويين كبار في مارس مما يشير الى أن أكبر بلد مصدر للنفط في العالم ربما ينتظر لمعرفة ما اذا كانت تخفيضات ثلاثة أشهر كافية لتعزيز الاسعار. وقالت مصادر تجارية لدى ست شركات تكرير في اليابان وكوريا الجنوبية انه بعد خفض الشحنات الى شركات التكرير الاسيوية في كل شهر منذ ديسمبر أخطرت أرامكو السعودية كبار زبائنها في اسيا مطلع الاسبوع أن امدادات مارس لن يطرأ عليه تغير يذكر عن الشهر السابق.
وهذه مفاجأة نوعا ما لكثير من المتعاملين في اسيا الذين كانوا يتأهبون لخفض رابع في وقت تقود الرياض جهود منظمة أوبك لدعم أسعار النفط. وفي حين أن أوبك لم تتفق على أي تخفيضات جديدة للمعروض منذ بدء سريان أكبر خفض لها على الاطلاق من أول يناير الا أن كثيرا من المتعاملين يتكهنون بأن المملكة قد تتحرك بمفردها لكبح الامدادات كما فعلت عدة مرات في الشهور الاخيرة.
وقال مصدر في شركة تكرير (كنا نظن أننا قد نحصل على خفض أكبر بقليل). وقالت أربعة مصادر بالصناعة طلبت عدم نشر أسمائها نظرا لسرية المعلومات ان أربع شركات تكرير رئيسية في أنحاء اسيا ستحصل على ما يقل سبعة الى 15 في المئة عن الكميات المتعاقد عليها الشهر القادم وهو نفس مستوى فبراير.
وقال خامس ان شركته ستحصل على امدادات أقل عشرة بالمئة مقابل امدادات أقل تسعة بالمئة في الشهر السابق في حين قال مصدر سادس ان شركته ستحصل على خفض في حدود 13 أو 14 بالمئة في مارس وذلك بزيادة طفيفة عن امدادات فبراير عندما كانت نسبة الخفض 14 الى 15 بالمئة.
وقال مصدر لدى مشتر أوروبي للخام السعودي ان شركته ستحصل على معروض مستقر في مارس. وطلبت شركة تكرير أخرى نفس كمية الخام السعودي لشهر مارس ولا تتوقع تخفيضات. وأوضح المصدر الذي طلب عدم كشف هويته (لا يوجد تغيير كبير. نحصل على ما أردناه. لكن يبقى أن المملكة قد تقرر خفض الامدادات بدرجة أكبر الى الولايات المتحدة).
وارتفعت شحنات السعودية من النفط الخام للصين بنحو 40 بالمئة العام الماضي ومثلت خمس النفط الجنبي المستهلك في الصين ثاني أكبر مستهلك للطاقة في العام. وعوضت الواردات المنتظمة للصين جزئيا تراجع امدادات السعودية لشركات النفط العالمية وللولايات المتحدة حيث تراجع الطلب على النفط بسبب الارتفاع القياسي في اسعاره في فصل الصيف الماضي والازمة المالية العالمية. وتقول مصادر من قطاع النفط ان واردات الصين قد تنمو بمعدل كبير هذا العام بسبب النمو الاقتصادي القوي وبدء مشروع مصفاة تملك ارامكو السعودية حصة 25 بالمئة فيه.
ويبدأ الرئيس الصيني هو جين تاو أول جولة عالمية يقوم بها في عام 2009 بزيارة السعودية مما يؤكد الاهمية الاستراتيجية للحفاظ على علاقات طويلة الامد مع أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم بالنسبة لبكين المعتمدة على الواردات.
وكان تراجع أسعار النفط والازمة المالية العالمية قد جذبا الانتباه بعيدا عن امدادات النفط منذ زيارة هو السابقة للمملكة قبل ثلاث سنوات. وتعتمد العلاقات بين الرياض وبكين على الصفقات طويلة الاجل لتوجيه الاحتياطيات السعودية الكبيرة الى أسواق الصين المتعطشة للطاقة. وقال جيف براون كبير الاقتصاديين في مجموعة فاكتس للطاقة (لكل طرف عامل قوة لكني أعتقد على الرغم من التغيرات في الاسواق ان قوتهما النسبية لم تتغير كثيرا).
وأضاف (الآن السعوديون يتطلعون لخفض الانتاج وعلى مدى العامين المقبلين قد لا يولون اهتماما كبيرا لدخول اسواق جديدة. وكذلك فان الطلب الصيني لا ينمو بالمعدلات التي كان ينمو بها من قبل). ولم تتحدث الصين صراحة عن اتفاقات نفطية متوقعة خلال الزيارة.
(الوكالات)
