«الناس لن يتوقفوا عن الإنفاق. علينا ألا نجزع، بل أن نراقب أين سيتوجه هذا الإنفاق في الفترة المقبلة، ونرافق هذا التوجه». حين تصدر عبارة مماثلة عن جوزيف غصوب، الرئيس والرئيس التنفيذي ل«المجموعة القابضة» (THG)، التي تتعامل مع أكثر من 260 زبونا موزعاً في 14 دولة في المنطقة، فهذا يعني أن صناعة الإعلانات في المنطقة «متفائلة».

لكن الرجل، الخارج لتوه من مظلة رئاسة الجمعية الدولية للإعلانات، يعرف الكثير عن أهمية التفاؤل وقت الأزمات، عن الفرص الموازية، حتى لو تحدث كثيرا عن تباطؤ في إنفاق الشركات، وتحديدا العقارية. والأهم من ذلك كله، ارتداء «الملابس الرياضية»، في الوقت الذي يتحدث فيه الناس عن «ركود»، و.. الاستعداد لانطلاق السباق!لوهلة، قد تشعر، كونك صحافيا مهتما بمعرفة طبيعة «الدواء» الذي يوصف عادة في وقت الأزمة، والموعد الملحّ «لطرحه في السوق».. تشعر وأنت في حضرة غصوب بأنك «حائر»: »أعتب على الإعلام في هذه الفترة لهاثه وراء البحث عن العناوين المثيرة للظلمة والظلام، وانتكاسة الاقتصاد.. وغيرها من الكلمات الرنانة، التي إن تجاوزتها لقراءة المقالة أو التمعن في التقرير التلفزيوني، سرعان ما تكتشف أن الأمر ليس على هذا السوء».

لا يكتفي غصوب، بالتحليل فقط، فهو، في الأساس، من متبعي نظرية:» ليتوقف التحليل، ويتابع الناس أعمالهم. الإنتاج في وقت الأزمات هو ما نحتاج إليه، لا الوقوف خلف خط السباق والتنظير حول مزايا الشلل والجمود». مستعد لتقديم أمثلة حية، مدعمة بالأرقام، هدفها التأكيد على أن صناعة الإعلانات «بخير».

فهو يؤكد أن صناعة الإعلان في المنطقة لن تشهد تراجعا هذا العام، على عكس ما يتخيّل «محبو الفشل»، بل ستشهد تصحيحا طفيفا. يقول:» سوف تنخفض معدلات النمو بنسب ضئيلة، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى إعادة بعض الشركات، وخاصة العقارية، موضعة استراتيجياتها في الإنفاق».

وردّ غضوب، السبب إلى ترقب المنفقين للمرحلة المقبلة، معتبرا أن الأزمة المالية «قد تخلق فرصا موازية بالنسبة إلى صناع الإعلانات». يستند إلى خبرة عقود أمضاها في المنطقة يواجه الأزمات:» قطاع الإعلانات حيوي وعلى قدر عال من الحساسية، كونه يرافق الاقتصاد الذي يتأثر في حالة الحروب والكوارث الطبيعية وغيرها.. أتذكر حرب الخليج الأولى والثانية. كنا في كل مرة نستيقظ من النوم ونكتشف فجأة أن أعمالنا تعطلت. لكن الأزمة كانت تمر، وفي مرات كثيرة، كنا نتوسع بعد الأزمات مباشرة ونحقق نموا أكبر، في نهاية المطاف، كل الأزمات تمر ويبقى الإعلان».

ويعتقد، مستندا على خبرته في مجال فلسفة «العلامات التجارية» (براندينغ)، أن المبالغة في تضخيم حجم الأزمة في بعض مدن الخليج المتطورة، وعلى رأسها دبي، مرده أن هذه المدن قد تحولت إلى علامات تجارية بحد ذاتها، وأصبحت مرتبطة بمستهلك عالمي، ومكشوفة على العالم أجمع، كونها مرتبطة بهذا العالم، لذلك من البديهي أن يصوّر الأمر وكأن «كارثة ما تحصل»، في الوقت الذي لا يتجاوز فيه التأثر في هذه المدن، مستواه في مدن أخرى، بل يكاد يكون أقل بكثير مما يحصل في الولايات المتحدة وأوروبا.

إلا أنه، في المقابل، يكشف، في حديثه إلى «البيان الاقتصادي»، أن هناك انتعاشا حاليا «مذهلا» في قطاعات إعلانية غير تقليدية مثل «الديجتال» و»العلاقات العامة» وغيرها، مقابل تراجع طفيف بالنسبة إلى الوسائط الإعلانية التقليدية مثل إعلانات الشارع. ويقول إن مجموعته، مستمرة في تحقيق النمو، وإن قدر تراجعا نسبته 15% حتى منتصف نوفمبر الماضي، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي التي وصلت إيراداتها إلى أكثر من 4, 1 مليار دولار.

ويعتبر أن هناك تضخيما لحجم تأثر القطاع بالأزمة المالية، معتبرا أن «بعض المشتغلين في صناعة الإعلان في المنطقة اعتادوا على تحقيق نمو سنوي بنسبة تفوق 28%، فإذا انخفض النمو إلى 25% فهذا لا يعني أن هناك أزمة حقيقية طالما أن النمو لا يزال مضمونا».

ويرى غصوب أن هناك جملة من الأخطاء قد يصاب بها قادة الصناعة الإعلانية في المنطقة، في هذا الوقت، بسبب حالة الذعر التي تشيع. ويحدد أحد الأخطاء الذي يعتبره على مستوى عال من الخطورة، وهو التضحية بالعنصر البشري ذات الكفاءة:» ستنتهي الأزمة عاجلا أم آجلا، ويبدأ السباق من جديد، ويكتشف البعض أنهم خسروا كفاءات وظيفية من الصعب تعويضها، في الوقت الذي كان بوسعهم فيه أن ينجزوا خططا فعالة تضمن الإبقاء على تلك العناصر». ولطالما كان نقص العنصر البشري في المجال الإبداعي لوكالات الإعلانات هو التحدي الأكبر الذي يواجه الصناعة لسنوات، وذلك بسبب:» وجود طلب كبير على هذه النوعية من الوظائف من قبل الشركات في قطاعات نامية مثل المال والعقارات، في الوقت الذي كان فيه المعروض قليلا.

كانت حركة انتقال الموظفين من الوكالات لدينا إلى الشركات العقارية سريعة جدا، تحكمها رواتب مغرية تقدم إليهم من قبل تلك الشركات. اليوم، هناك استقرار لتلك الظاهرة». وفي السياق ذاته، يعتبر أن الحديث عن «تصيّد» الخبرات الأجنبية في هذا الوقت يجب أن يشوبه نوع من الحذر:» علينا أن نتنبه إلى أن الأجنبي الذي يغادر سوقه، في هذا التوقيت، بسبب الأزمة، سيعود متى تنتهي هذه الأزمة. علينا أن نراهن أكثر على الكفاءات التي تتمتع بدراية والتزام تجاه بيئتنا المحلية».

صنّاع الإعلانات في العالم: «لا تفزعوا»

* الدكتور دانيل هوراد، أستاذ التسويق في مدرسة كوكس للأعمال في ساوثرن ميثودست يونيفرسيتي في دالاس: «ما أنصح به الشركات هو ألا تفزع». ويضيف: «الشركات التي تحافظ، أو تزيد من نفقاتها على التسويق فعلياً تكسب حصة سوقية في وقت الأزمات، وذلك هو أكثر الأساليب فاعلية لهزيمة منافسيك».

* لاورا لانج، الرئيسة التنفيذية لديجيتاس Digitas، الوكالة التفاعلية التابعة لمجموعة التسويق الفرنسية ببليسيس Publicis: هناك دروس لابد من تعلمها بشأن معرفة كيفية العودة بقوة أكبر إلى السوق. و بوجود ميزانيات أصغر فإن على الدولارات أن تؤدي العديد من المهام. وهذا كل ما تحتاج إليه أي شركة لتحسن وضع علامتها التجارية.

* كلارك كوكيتش، الرئيس التنفيذي لرازرفيش Razorfis، وهي وكالة تسويق رقمي مقرها في سياتل: الجميع يعود إلى الاستفادة من دروس أزمة الدوت كوم مع بداية هذا العقد، التي عملت على قلب صناعة التسويق الرقمي حديثة الولادة رأساً على عقب. أحد أكبر الأخطاء التي رأيتها حينها، كان العمل على تقليص كل شيء إلى حدٍ ما.

من الأفضل بكثير أن تكون قاسياً بشأن تحديد الأولويات، وأن تقوم ببعض الأمور على نحوٍ استثنائي بصورة جيدة إن معرفة ما عليك أن تصب تركيزك عليه ليس بالأمر السهل. نحن في خضم أكبر تحول تسويقي لم يسبق أن شهدناه من قبل. الناس ينخرطون ويتفاعلون بصورة مختلفة. والعودة ببساطة إلى الأساليب التي نجحت في حالات الانكماش الماضية ربما لا تكون الخيار الأمثل.

* ألسياندرو مانفريدي، نائب رئيس علامة دوف التجارية العالمية في يونيليفر: بينما تتقلص عوائد الإعلان في معظم وسائل الإعلام، فإن التسويق الرقمي والبحثي (وهو استخدام محركات البحث لتوجيه الزبائن إلى المنتجات)، لا يزال يتزايد. ويعود جانب من ذلك إلى أن الإنفاق يمكن أن يتغيّر حالياً بناءً على معدلات الاستجابة.

ولابد من حجز إعلانات التلفزيون قبل أسابيع. إن استخدام فرق العلاقات العامة لوضع المقاطع المصوّرة على مواقع الفيديو، أو تعيين كاتبي مدونات ليتحدثوا عن المنتج الجديد، يمكن أن يكون أرخص بكثير من شراء المقاطع التلفزيونية القصيرة. كانت حملة دوف Dove «للجمال الحقيقي» أرخص بكثير من حملات دوف الأخرى، كما تخصص دوف نحو 15 في المئة للعلاقات العامة، لكن حملات فيروسية (تلك التي تعتمد على إشاعة المعلومات في مواقع الدردشة على الانترنت) قليلة فقط، مثل حملة دوف، أو كادبوري جوريلا، نجحت. ويبقى الأسلوب المتبع أمراً صعب القياس. واستنتج بعض المسوقين أن الحل هو التعاطف مع المستهلكين الذين يعانون من ضائقة مالية.

*أيه جي لافلي، الرئيس التنفيذي لبروكتر آند جامبل: نعمل على تصعيد قيمة الرسالة الموجّهة في الإعلانات التجارية حول الصحون قليلة العمق، والمنظفات، ورغوة الحلاقة. وتتحول الإعلانات التي داخل المتاجر إلى صورة أكثر بروزاً ضمن ذلك المزيج. ففي نمط يتسم بمزيد من الركود في البيئة المحيطة، تتخذ المزيد من القرارات في المتجر، وعلينا أن نكون منافسين أقوى في المتجر».

* السير جون هيجارتي، رئيس مجلس الإدارة، والمدير الإبداعي لوكالة الإعلانات بي بي إتش BBH: الحقيقة المطلقة للكساد هي أنها تضاعف ما ترمز إليه العلامة التجارية.

على خبراء الإعلانات أن يحاربوا الاندفاع القوي لتجنب المجازفة بالمخاطر، والحملات المتطورة هي التي يمكنها أن تجتاز الكآبة الاقتصادية. وتنطبق النصيحة حتى على الشركات التي بدت تنفق طوال أعوام على تعزيز علامة تجارية بالغة التطوّر. إن آخر شيء ينبغي على علامة الرفاهية التجارية أن تقوم به هو الجزع والقول: إننا رخيصون. فالناس لا يريدون أن يتذكروا أنهم يعيشون في ركود. علينا أن نرّوج للتفاؤل.

%1089

النمو المتوقع للقطاع الإعلاني في الإمارات بين 2006 و2009 بحسب التقرير الأخير الصادر

عن «زنيث اوبتيميديا» مقارنة بسوق أميركا

الذي نما بمعدل 2.5%

عام 2008

%13.1

أشارت دراسة «غروب أم» أن معدلات الإنفاق الإعلاني في الشرق الأوسط وأفريقيا نمت بمعدل

13.1% عام 2008

ما يعتبر أحد أعلى معدلات النمو في الصناعة على مستوى العالم.

300

ارتفع الإنفاق في 2008 على قطاع الإعلانات التلفزيونية إلى 300 مليون دولار على مستوى المنطقة وهو نمو يقدر بـ 19% مقارنة بـ 2007 ويتجاوز معدل النمو العام للإنفاق عبر كل الوسائط والمقدر بـ 17.2%.

دبي ـ إبراهيم توتونجي