هل يمكن محاسبة «شركات التدقيق المحاسبي»؟ طرح هذا السؤال لأول مرة في بداية العقد. بين العامين 2000 و2001 تحديدا، وفي الولايات المتحدة الأميركية، هزت فضائح شركات «إنرون» و«ورد كوم»، أعمدة «الهيكل المالي». وجهت الأصابع آنذاك، حاملة صنوف التهم كافة، إلى كل الجهات. تقارير شركات التدقيق على الحسابات، تم وضعها، بمزيج من التشكيك والحذر، تحت المجهر.
ثم، لم تمر السنوات السبع، قبل أن تعطب أزمة مالية جديدة الاقتصاد الأميركي، والعالمي، في الصلب. شهرت الأصابع مجددا. «هيا بنا نستحوذ.. ولكن لنقرأ التقارير أولا»، تحمس بعض رؤساء الشركات في المنطقة الذين وجدوا في السوق العالمي «فرصا رخيصة». التقارير؟ ارتفعت الأصوات تدعو إلى.. رقيب على «الرقباء».تلك الهالة التي كانت تحيط بشركات التدقيق، منذ بزوغ مفهومها بالمعنى المؤسسي الحديث، في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، حين «احتفل» المحاسبون بانضمامهم إلى تحالفات عالمية وثيقة..تلك هالة تبدو اليوم على درجة من الوهن، تجعلها مهددة فعلا بالانطفاء. تجدد الجدال حول المسؤولية «الأخلاقية»، وحتى الموضوعية، التي تقع على عاتق كبرى شركات التدقيق، وتورطها في أنواع من «المراعاة» و«المحاباة» و«تضارب المصالح».. أدت إلى قيامها ب«طلاء» التقارير المالية والإدارية للشركات بالزهري، في الوقت الذي كانت فيه نتائجها الحقيقية، تنذر، قبل حلول الأزمة بكثير، بليل حالك السواد.
وحده ذلك الرجل الذي يحتفظ بطابع العراقة الانجليزية، والذي يرمق بنظرة ثاقبة، يبدو مصرا حتى النهاية على الدفاع «بشراسة» عن المدققين المحاسبيين كونهم «بريئين من مسؤولية الأزمة»: «لقد تفاجئوا كما الجميع. حصل كل شيء بسرعة مدهشة».
نظرة ثاقبة
إنه دايفيد فورست، رئيس هيئة المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز ةءط. انها الهيئة التي ترأسها العديد من الآباء المؤسسين لأكبر أربع شركات محاسبة في العالم. نتحدث هنا عن آرثر كوبر، ويليام ديلويت، إدوين واترهاوس، وليام بيت، وفردريك يونغ. يعمل 36% من بين أعضاء الهيئة البالغ عددهم 132 ألف في مهنة المحاسبة مباشرة و42% في الصناعة والتجارة و3% في القطاع العام. في واقع الأمر، يحمل فورست مظلة يحتمي تحتها أعضاء ثلثا الرؤساء التنفيذيين المؤهلين محاسبيا في قائمة المائة شركة المدرجة على مؤشر فورست للمملكة المتحدة، كما أن 55% من مجموع شركات التدقيق في بريطانيا مسجلة لديها.
هل هذا يجعله «كامل الجاذبية» في هذا الوقت العصيب؟ ليس تماما. فقبل أسابيع من وصول فورست إلى منطقة الخليج، لتأسيس مكتب يروج لخدمات الهيئة، كان خبر انتقال صلاحيات الهيئة التي كانت منوطة بها لعقود إلى هيئة جديدة، هي «مجلس الإقرارات المالية»، قد تصدر عنوان الصحف البريطانية والعالمية.
لقد عد ذلك دليلا على تغيير قواعد اللعبة. فمنذ البدء مثل تضارب المصالح مشكلة أزلية لقطاع المحاسبات. يبدو هذا غريبا، فهيكل القطاع هو، بحد ذاته، نتاج نضال طويل من محاولات حل تلك المشكلة أصلا. لكن بول جورج، رئيس مجلس الإقرارات المالية لا يبدو مكترثا تماما لنضال عتيق. لقد انتقد تقريره أكبر سبع شركات تدقيق ومحاسبة في بريطانيا، بما فيها الأربع الكبار مثل E&Y و KPMG hPWC hDeloitte.
يقول: «أتساءل إلى أي مدى بوسع شركات التدقيق أن تكون مستقلة، في الوقت الذي تسعى فيه إلى عقود استشارية مربحة من الشركات التي تقوم بتدقيق حساباتها». يرد فورست: «لم يكن دور المحاسبين القانونيين في الاقتصاديات العالمية أكثر أهمية مما هو عليه اليوم، إذ يحتاج صانعو القرارات المالية ليس فقط إلى المعرفة والإرشاد بناء على أعلى المعايير الفنية والأخلاقية، وإنما أيضا إلى الثقة في كفاءة وحياد مستشاريهم وزملائهم الماليين».
جودة التقارير
ينكر فورست، الذي زار دبي مؤخرا بهدف استكشاف فرص افتتاح مكتب اقليمي يدير عمليات الخليج، ومن بينها السوق القطري، هذا التداخل: «من السهل على هيئة خارجية تراجع تقارير المحاسبين أكثر من 5 مرات، وتعمل بتروي، خارج ضغوطات الوقت والتكلفة، أن توجه هذا الانتقاد حين تكتشف بعض الأخطاء».
لكن الأمر ليس بهذه البساطة فعلا، مع بروز تساؤلات حول ما إذا كان الشركاء الأفراد يمكن أن يكونوا موقع شك عندما يعملون في التدقيق المالي في نفس الشركات عاما تلو الآخر.
وقد هددت تلك المخاوف سلامة الثقة في السوق لأن المستثمرين يعتمدون على شركات التدقيق في توفير مصدر مستقل من التطمين على أن التدقيق المالي والمحاسبي سليم. وكان رد الكونجرس الأميركي، على سبيل المثال، هو إقرار قانون إصلاح الشركات وتشكيل هيئة جديدة هي مجلس الإشراف على محاسبات الشركات العامة. لكن فورست لا يزال يعتقد أن هناك الكثير من التهويل يحيط بهذا الأمر: «الإعلام يحب تهويل الأمور. الأخبار السيئة تبيع أكثر».
«نحن نحقق في جودة التقارير، خاصة تلك التي تتعلق بكبرى الشركات المدرجة في السوق المالي»، يقول جورج في تقريره مثيرا المخاوف بشأن تضارب المصالح الأخلاقية، ومحرضا الشركات على توفير مزيد من الأدلة الكتابية لدعم النتائج الرئيسية التي توصلت إليها في تقاريرها عن أداء الشركات وأنظمتها.
ويقول جورج أن «مجلس الإقرارات المالية» مهتم أيضا بمراقبة بعض شركات المحاسبة من التي تمنح لمحاسبيها المتخصصين الحق ببيع خدماتهم لعملاء عملوا في تدقيق حساباتهم من قبل. وخص التقرير بالذكر شركة بي دبليو سي التي قالت إنها اختصمت الحكم وأن «على المجلس أن يتحمل مسؤولية تغيير لوائح أساسية في العمل المحاسبي الدولي إذا كان يتجه بالفعل إلى التدخل بمثل تلك الأمور». لكن «البحصة» قد رميت فعلا في البركة الراكدة.
وبالنسبة إلى الأربع الكبار، فإن تلك النوعية من التدقيق تشكل أكثر من ثلث حجم العمل لديها، رغم انه يختلف من شركة إلى أخرى، علما بأن بي دبليو سي تحصل على 45% من دخلها تلك الطريقة.
أما النسبة الباقية، فتأتي من أعمال غير التدقيق مثل تمويل الشركات والاستشارات الضريبية أو الخاصة بإعادة الهيكلة وتكون لحساب عملاء مدققين وشركات أخرى. لكن فورست يرفض التشكيك بروحية تقارير المحاسبين، معترفا بأخطاء على مستوى «الآلية» في بعض المرات.
يقول:« إن ICAEW هي أكبر هيئة محاسبة مهنية في أوروبا وبالتالي فإن أعضائها في وضع يسمح لهم بتقديم إرشادات واضحة وشاملة ودفع الناس والمنظمات إلى التفكير والعمل بطريقة مختلفة. وتوفر الهيئة بيئة داعمة يتم من خلالها تطوير مهارات أعضائها والاعتراف بها وتقديرها، إذ تنشأ بعد التأهيل العلمي علاقة تستمر مدى الحياة من خلال تقديم خدمة التطوير المهني المستمر».
مهمة غير مستحيلة
لا يثني هذا الجدل في سوقي الولايات المتحدة وبريطانيا فورست عن مهمته الشرق أوسطية. في الوقت الذي نصبت فيه حكومات الغرب مجالس جديدة تقوم بدور الرقيب على هيئات المحاسبين القانونيين، فإن حكومات المنطقة لا تزال في مرحلة سابقة هي عدم فرضها نماذج محاسبية محددة وموحدة: «هناك الكثير من العمل الذي يقتضي فعله هنا. ينظر برنامج الفكر القيادي للهيئة إلى الأمام في تعامله مع القضايا طويلة المدى التي تهم القطاع المالي وهو يساعد على بلورة التفكير الحكومي في مجالات التشريع والسياسات الضريبية كما أنه يطور ويروج سياسة فنية لتعزيز البيئة الدولية التي يعمل فيها أعضاء الهيئة».
ولا تبدو مهمة فورست صعبة كثيرا، إذ إن الساحة تبدو خالية، للاعبين جدد من الخارج، حتى مع وجود المجمع العربي للمحاسبين القانونيين. ولمن لا يعرف، فإنه منذ تأسيس المجمع العربي للمحاسبين القانونيين، فقد انضم المجمع إلى عضوية الاتحاد الدولي للمحاسبين (IFAC) وحصل على عضوية كل من اللجنة الدولية لمعايير المحاسبة (IAS) واللجنة الدولية لممارسة أعمال التدقيق (IAPC) .
حيث شارك بفعالية في نشاط الهيئات الدولية المذكورة وبنفس توجه تلك الهيئات بادر إلى وضع منهاج التأهيل المهني وأعد المراجع العلمية لكافة مواد التأهيل وبادر إلى عقد امتحانات التأهيل المهني على نطاق العالم العربي وترجم إلى العربية كل من المعايير الدولية للمحاسبة الدولية للقطاع العام .
كما ترجم إلى العربية قواعد السلوك المهني الصادرة عن اللجان الدولية سابق الإشارة إليه، وأصدر أول مجلة مهنية محاسبية.. لكن لا يزال أمام هذا المجمع مهمة كبيرة تقتضي بتوحيده معايير ممارسة المهنة على مستوى الوطن العربي ورفد السوق العربي بالمحاسب المهني الذي لا يقل مستوى تأهيله عن المستويات المهنية الدولية.
في هذا الوقت، يشير فورست إلى أن 500 عضو، نصفهم من الشركات والنصف الباقي من الأفراد، في الخليج، هم منتسبون تحت مظلته. ويمضي متحدثا عن «منتجات جذابة للسوق الخليجي»: «صممنا شهادة التمويل والمحاسبة والأعمال في منطقة الخليج للأشخاص العاملين أو الطامحين للعمل في هذا المجال في الشركات أو كمحاسبين محترفين مستقلين».
رمز الشهادة الجديدة ئء، ويتطلب الحصول عليها الحصول على شهادة محاسب قانوني مشارك ءء، وهو المؤهل الأعلى في مجال التمويل والمحاسبة: «تعتبر منطقة الخليج سوقاً مهمة بالنسبة لهيئة المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز، وإتاحة الحصول على شهادة CFAB فيها تمثل خطوة مهمة ضمن إستراتيجية الهيئة».
وتتألف الشهادة من ست وحدات هي الأعمال والتمويل، القانون، المعلومات الإدارية، المحاسبة، التأمين، مبادئ الضرائب.« تتطلع الهيئة في السنوات المقبلة إلى تعزيز وجودها في المنطقة من حيث الخدمات والدعم المتوفرين لأعضائها ومن حيث التأهيل والشهادات المتاحة لهم. وقد أطلقت الهيئة شهادة محاسب قانوني مشارك ءء في الخليج عام 2007، ويمارس مئة طالب عقودهم التدريبية حالياً».
من هو؟
دايفيد فورست هو رئيس هيئة المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز ةءط. وقد انضم إلى الهيئة عام 1973 كعضو، واختير في العام 2002 «شريكاً أول لمجموعة المؤسسات من الفئة أ». كما يشغل دايفيد منصب رئيس مجلس إدارة شركة هورواث كلارك وايتهيل ذ.م.م. وهو رئيس مجموعة الممارسات المهنية في الشركة.
وكان في السابق الرئيس التنفيذي للشركة، وقبلها كان الشريك الممول. كما أنه عضو في مجلس إدارة هورواث إنترناشيونال. يركز دايفيد في عمله مع العملاء على تقديم الاستشارات الإستراتيجية والإدارية للشركات العاملة في المجال. وكان أحد الأعضاء المؤسسين لجمعية ممارسي الشراكات Association of Partnership Practitioners وهو حالياً عضو في اللجنة الفرعية للممارسة متعددة المجالات فيها.
ما هي؟
يعمل أعضاء ةءط في مختلف حقول الاقتصاد ويستخدمون خبراتهم في مجالات المحاسبة والأعمال والقطاع العام. ومن بين أعضائها قادة أعمال يعملون في بعض من أنجح الشركات العالمية. وفي عام 2008 ضمت 84 % من مجالس الإدارة شركة المدرجة على مؤشر فوتسي أعضاء في ةءط، كما تضم عضوية الهيئة أكثر من 700 مختص مرخص للعمل في مجال إفلاس الشركات وأكثر من 4300 شركة تدقيق مسجلة، مما يجعل ةءط أكبر هيئة في بريطانيا من حيث العضوية.
وقد تم تصميم برنامج الشهادة العلمية الرئيسية التي تمنحها الهيئة وهي شهادة ءء بحيث تزود الطلاب المتدربين بالمهارات التي يحتاجونها ليصبحوا مستشارين محترفين في مجال الأعمال. ويشتهر هذا البرنامج التدريبي باستقطاب الكفاءات من خلفيات مختلفة. ففي عام 2008 كان حوالي 89% من طلاب الهيئة في برنامج ءء من خريجي الجامعات وحوالي 87% منهم من الحاصلين على شهادة الدرجة الأولى 21 (او الشهادة المعادلة لها دوليا).
وفي عام 2006 اختارت المفوضية الأوروبية هيئة المحاسبين القانونيين في انجلترا وويلز لمراجعة أثر معايير تقديم التقارير المالية العالمية في مختلف دول الإتحاد الأوروبي، وكانت ةءط هي هيئة المحاسبة الوحيدة التي تم اختيارها لهذه المهمة. وقد أنجزت الهيئة هذه الدراسة بنجاح عام 2007. وفي نفس العام تعاونت الهيئة مع البنك الدولي وحكومة بنغلاديش للعمل على رفع مستوى مهنة المحاسبة في بنغلاديش.

