رغم الاجراءات التي يتم اتخاذها من قبل الجهات الحكومية لمواجهة تاثيرات الازمة المالية والاقتصادية العالمية على القطاعات الاقتصادية في المنطقة الا ان هذه المعالجات مازالت تركز على النتائج التي خلفتها الازمة وليس الاسباب التي ساهمت في ظهورها الى السطح خلال المرحلة الماضية.

ولعل استمرار شح السيولة التي تعاني منه اسواق الاسهم والبنوك والعقار يعطي دلالة واضحة على ان الاموال ضرورة مراجعة الآليات التي يتم اتباعها للتغلب على هذه المشكلة التي من المتوقع ايضا استمرارها حتى في ظل ضخ المزيد من الاموال في الجهاز المصرفي الذي اصبح اكثر تشددا في عمليات الاقراض تجنبا لتحمل خسائر خلال الفترة القادمة.

ومن هنا فقد بدأت اصوات بعض المختصين بالمطالبة بضرورة معالجة الاسباب التي ادت الى ظهور مشكلة شح السيولة في الاسواق وعدم التركيز على النتائج التي ادت اليها الازمة المالية العالمية وما لحقتها من تأثيرات على القطاعات الاقتصادية الوطنية وفي مقدمتها العقار والبنوك واسواق الاسهم خاصة في ظل الحديث عن ان وتيرة تاثير الازمة ربما ترتفع خلال العام الجاري في مختلف دول العالم.

ويؤكد المختصون أن الإجراءات التي ركزت على معالجة النتائج واهملت معالجة الأسباب تكرر نفس الخطأ الذي وقعت فيه الولايات المتحدة الاميركيه عندما قامت بضخ السيولة في المصارف دون معالجة تراجع الأصول العقارية المتعثرة.

فالاجراءات التي اتبعتها الاجهزة المعنية عالجت المخاطر النظامية في المصارف وأمنت الودائع والقروض ما بين المصارف وتم توفير التسهيلات الائتمانية للجهاز المصرفي ولكننا لا نزال نشكو من شحة السيولة التي تبدو واضحة في اسواق الاسهم المحلية على وجه الخصوص وهو ما ساهم في تراجع احجام التداولات الى مستويات غير مسبوقة مما ادى الى التراجعات القياسية التي سجلتها ولا تزال اسعار غالبية الشركات المدرجة في الاسواق وهو ما انعكس سلبا في ثقة المتعاملين التي اصبحت غائبة تماما حاليا.

اكد الدكتور همام الشماع المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية انه مع استمرار تراجع آفاق الحلول البديلة للأزمة، لم تعد وسائل المعالجة التقليدية المستنسخة من المعالجات المتبعة في الولايات المتحدة وأوروبا، مجدية في الحد من تفاقم الأزمة.

فلم يعد بالإمكان الاقتراض لإعادة تدوير القروض المستحقة كما تراجعت فرص استقطاب السيولة سواء من الصناديق السيادية أو من ودائع الأفراد الخليجيين أو حتى من مستثمرين أجانب كانوا يرون في ارتفاع الفائدة على الدرهم المرتبط بالدولار فرصة استثمارية لاستثمار أرصدة دولارية وحتى بعملات أخرى. والتي بدورها أدت إلى تراجع فرص الاستفادة من دعم الدولة للمصارف وللمخاطر النظامية من خلال قراراتها بضمان الودائع وضمان القروض ما بين المصارف. كما تراجعت أيضا فرص الدعم.

وأوضح الشماع انه لابد من الانتقال إلى مرحلة جديدة في المعالجات تنصب على السبب وليس على النتيجة. فالأزمة ابتدأت عندما بدأت أسعار الأصول بالتراجع في العقارات والأسهم مما دفع البنوك التي تحملت وزر خروج سيولة ساخنة كبيرة تزامنت مع تراجع قيم الأصول العقارية والأسهم، للتشدد في سياستها الاقراضية.

الأمر الذي ولد علاقة سببية لولبية هابطة بين شحة السيولة في المصارف واستمرار أظهار المزيد من التشدد في الإقراض وبين تراجع قيم الأصول. وقد يكون من المفيد هنا أن تستعرض التاريخ القريب للأزمة في الولايات المتحدة ونتتبع الإجراءات التي اتخذت ومدى فاعليتها حيث سيظهر أن ضخ السيولة في الجهاز المصرفي واستنفاذ الفائدة كوسيلة لزيادة السيولة ، لم تؤد إلى النتيجة المنشودة .

وهي تجنب الركود الناجم أساسا عن توقف وتشدد المصارف في الإقراض والتي بدورها تقف وراء تراجع الطلب الاستهلاكي ومن ثمة تسارع تسريح اليد العالمة واستمرار تراجع قيم الأصول لينعكس ذلك مرة أخرى على المصارف والمؤسسات المالية مكونة علاقة دائرية مغلقة لا يمكن كسرها إلا من خلال شراء الأصول المتراجعة وبما يعمل على تثبيت الأسواق.

ففي أواخر 2006 بدأت ملامح الأزمة الاقتصادية الشديدة التي يواجهها العالم حاليا في التشكل في تسلسل زمني واضح على النحو التالي:

في نهاية 2006 وصلت طفرة السوق العقارية الأميركية طويلة المدى إلى نهايتها وبدء تراجع أسعار المنازل. وفي بداية 2007 تزايدت الضغوط على سوق التمويل العقاري في ظل تنامي عجز ذوي الدخل المنخفض على سداد القروض العقارية المستحقة عليهم في السوق الأميركية.

وفي يوليو 2007 حذر رئيس مجلس الاحتياط الاتحادي الأميركي من أن أزمة القروض عالية المخاطر في قطاع التمويل العقاري يمكن أن تضر بنمو الاقتصاد الأميركي. وفي أغسطس من العام 2007 ساد الاضطراب أسواق المال العالمية بسبب التكهنات بخسائر جسيمة في قطاع البنوك.

وفي العاشر من أغسطس بدأ مجلس الاحتياط الاتحادي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي وبنوك مركزية أخرى بضخ مليارات الدولارات إلى النظام المصرفي لمواجهة أزمة السيولة النقدية. بدأ بعد ذلك مجلس الاحتياط الاتحادي رحلة خفض سعر الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية من أعلى مستوى 75. 5 في المائة. لتصل إلى آخر المطاف في نهاية 2008 عند ما بين 25. 0 وصفر بالمائة.

في نوفمبر ضخ مجلس الاحتياط الاتحادي سيولة نقدية جديدة إلى الأسواق بعد أن تكبدت سيتي جروب خسارة 11 مليار دولار معلنة بذلك بدأ مسلسل شطب ديون حيث قام بنك مورجان ستانلي الاستثماري الأمريكي يشطب 4. 9 مليارات دولار من محفظته وتتبعه سيتي جروب مرة أخرى التي سجلت خسائر بقيمة 8. 9 مليارات دولار وشطبت 18 مليار دولار من محفظة قروضها.

وهكذا انطلقت البنوك المركزية الكبرى في العالم حملة منسقة لضخ المئات من المليارات في المصارف. ومنذ ذلك التاريخ بدأت البورصات العالمية في تسجيل الخسائر المتلاحقة . كما بدا بعد ذلك بظهور انتقال تدريجي للآثار السلبية إلى الاقتصاد الحقيقي حيث تمثل ذلك بارتفاع معدل البطالة في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوى له منذ سبتمبر 2005.

واليوم وفي أوائل العام الجديد يطالعنا بن برنا نكي بتحذير من أن الدعم المالي الذي تقوم به الحكومة الأميركية و الخطة التي سيقوم الرئيس الجديد أوباما بتطبيقها كفيلة بدعم النمو ولكن ليس على المدى الطويل، ولهذا هنالك الحاجة إلى اتخاذ إجراءات أخرى مثل شراء الأصول المتعثرة من أجل تقديم دعم للشركات حتى تستطيع تقوية نفسها وهكذا ستضمن الولايات المتحدة تحقيق الدعم للاقتصاد على المدى الطويل وإنقاذ الاقتصاد من أسوأ أزمة ائتمانية تمر عليه من الكساد الأعظم.

وإذا ما أعدنا قراءة تصريح برنا نكي قراءة لما بين السطور وبعيدا عن لغة التهذيب والمجاملة لخطة الرئيس المنتخب ، فأننا سنراه يقول إن خطة الرئيس والتي لا تتضمن شراء الأصول المتعثرة لن تنقذ الاقتصاد الأميركي من أزمته ببساطة لأنها لا تتضمن شراء الأصول المتعثرة. وقال إذا كان هذا هو الحال في الولايات المتحدة واعتبر ان المشكلة هي أن السيولة الإضافية التي يتم ضخها تمتصها تراجعات الأصول في سوقي الأسهم والعقار.

ولفت إلى ان العلاقة مترابطة بين مكونات أسواق المال الثلاثة أنفة الذكر والتدخل لدعم احدها أو بعضها دون أخرى سوف يخلق خللاً يضيع اثر هذا الدعم. واليوم نعيد التأكيد على أن دعم المصارف، والذي لا نشك بضرورته، إنما لا يستطيع وحده أن يعالج المشكلة ناهيك عن أن هذه الدعم سيضيع أثره ويتبخر مع استمرار تراجع الأصول.

واضاف انه في المجال العقاري فان القروض التي كانت قدمتها المصارف للتمويل العقاري سوف تسبب استمرار خسائر البنوك إذا ما استمر تراجع العقارات ونفس الشيء ينطبق على الأسهم. الأمر الذي سيزيد من تعقيدات المشكلة كون البنوك ستزيد من تشديد قبضتها على القروض بما سينعكس مجددا على أسعار العقارات والأسهم. ولهذا السبب نرى العديد من الخبراء والمحللين لا يزالون يتحدثون عن عدم كفاية السيولة التي تم ضخها في الجهاز المصرفي حتى الآن.

وقال الشماع نحن نعتقد أن السبب الرئيس لما يبدو من عدم كفاية السيولة التي تم ضخها هو أنها لم تتمكن من تثبيت أسعار الأصول مما لم يمكن المصارف من أرخاء قبضتها على سياسة الإقراض التي لا تزال متشددة، مما يحول دون استقرار الأسواق المالية بشقيها سوق الأسهم وسوق العقارات. وهكذا نكون أمام حلقة مفرغة من العلاقة السببية والتي لا يمكن سوى للسلطات الاقتصادية العامة كسرها.

ابوظبي ـ ناصر عارف