حين يتنقل في مطارات طوكيو ونيويورك وشنغهاي والدوحة ودبي، يحلم الناس بسرقة حقيبة سفره. ففي حقيبته أسرار ناطحات السحاب الخضراء. مبان ذكية تشتغل بالطاقة الذاتية.
تجمع بين فرادة البناء والتصميم ومتانته وديمومته. متواضع رغم أنه صمم أطول أبراج العالم. مهتم بالناس رغم أن حجارة المباني التي صممها باتت تعد من تحف التراث المعماري. انه الأيقوني أدريان سميث، معجب بديناميكية المدن الخليجية واهتمامها بتصاميم عمرانية تعلي من القيم الإنسانية. يتحدث سميث عن ناطحات السحاب صديقة البيئة والتي يسميها بالـ «العمالقة الخضر»، بكثير من الثقافة والالمام بفلسفة والتاريخ العمراني والإنساني لهذا النوع من البناء الذي لطالما كان حلما في كتابات البشر الأولين، ولغزا وابهارا في عصرنا الحديث.بعد أكثر من 40 عاماً، على العمل في مجال الهندسة المعمارية، أصبح اسم سميث في موسوعة «ويكيبيديا» الالكترونية يوصل إلى برج جين ماو في شنغهاي بالصين، وميناء راوز في بوسطن بولاية ماساشوستس، و«برج دبي» في الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى مقر شركة «مصدر»..
وهو، الزميل الفخري في جمعية المعماريين الأميركيين وعضو الجمعية الملكية للمعماريين البريطانيين، يحادثك عن فلسفته بتواضع المهندس وحكمة الملك: «أمتلك حساسية عالية تجاه البيئة الحقيقية وأراعيها. أدرس كل مشروع بشكل متكامل، آخذاً بالاعتبار اتجاه الموقع والطقس والجغرافيا والمؤثرات الثقافية والاجتماعية، من أجل تقديم تصاميم عالية الاستدامة، وبالتالي تحقيق السياق المطلوب ضمن البيئة العالمية».
يقوم سميث بتصميم مبان تتميز بالخواص الآتية: الاعتماد على أكبر منظومة مدمجة من الألواح الكهروضوئية في العالم. وأيضا الحرص على أن يكون المبنى الأقل استهلاكاً للطاقة بالمتر المربع قدر الإمكان. ثم يستخدم أضخم أنظمة للتبريد وإزالة الرطوبة تعمل بالحرارة الشمسية، وفي بعض المرات قد يجعل المبنى ينتج الطاقة الخاصة لتشييده، باعتماد استراتيجية بناء السقف على مراحل، وذلك قبل تشييد بقية المبنى.
ويعتقد سميث، من خلال تجربته في المنطقة التي أودت به إلى تأسيس شركة مع مهندس آخر هو جوردون جيل، أن الاستلهام من البيئة العربية التقليدية، وتحديدا في منطقة الخليج، ومن فن العمارة البسيط والعفوي الذي ساد لعقود، وركز على مزج نسيج البناء بعناصر الطبيعة المسيطرة، ضمن توائم سلس، هي أكثر الأمور التي تدفعه للتأمل في مستقبل مشرق للعمارة الخضراء في مدن مثل دبي وأبوظبي وغيرها.. تستهوي سميث 4 مبادئ رئيسية في فلسفة عمله، يشرح عنها بحماسة..
التحكم بالطاقة
«حين نتحدث عن مبان نصفها بالذكية، فهذا يعني المباني التي تمتلك قدرة كبيرة على التحكم باستهلاك الطاقة بطريقة ذاتية. وهنا يكون الاعتماد على الشمس كمورد طبيعي للضوء والطاقة، والتصميمات الذكية التي توزع تلك الطاقة على كافة أرجاء المبنى، بطريقة التغذية والتغذية المضادة..
هذا يعني أن المبنى الذي يستخدم طاقة أقل في فترات معينة من اليوم، مثل مبنى المكاتب خلال فترة الليل، سوف يهب طاقته إلى المبنى السكني، المتصل به، أو جزء الفنادق والنشاطات المختلفة، والتي تحتاج إلى طاقة أكثر في فترة الليل».
هي إذا عودة حقيقية إلى قيم الجيرة. أنت لا تتشارك فقط المبنى مع إنسان آخر وينتهي الأمر عند هذه الحدود، بل أنت تتشارك مع جارك قيمة الحياة نفسها، والتعاضد في دعم أسلوب الحياة الخاص بك وبه وبالآخرين في الوقت ذاته.
الحياة الأفقية
فلسفة أخرى يطبقها سميث وشريكه في تصميماتهما الهندسية، وهي ما يمكن تسميته «بالحياة الأفقية في مبنى عامودي»، وهذا يعني أن يتم ربط مجموعة من الأبراج بجسور (قد تحتوي هذه الجسور نفسها على طوابق عدة) معلقة، الأمر الذي يضفي على فضاء المدينة العمراني الشكل الأفقي الذي تلغيه الأبراج عادة».
«أشعر دوما بحساسية كبيرة للدمج بين البناء وعناصر الطبيعة على وجه ملائم»، يقول. كأن يمر الماء في أسفل برج، ويمر الهواء من مقاطع مفرغة في برج آخر، وتغذي الشمس المظلة الخضراء لبرج ثالث.
الارتباط بالبيئة
يحرص سميث على أن يكون البناء مرتبطا ببيئته. «البرج ابن بيئته، مثل الإنسان». لذلك قد نلاحظ في مشاريعه بناء انسيابيا يشبه حركة سطوع الشمس وتحركها في مدار متقوس حتى غيابها. بينما قد يستوحي في بناء آخر تصميمه من تاريخ المكان، كأن يربطه بالغوص والتنقيب عن اللؤلؤ.
كما أن لعنصر الطبيعة الأخضر وجود حقيقي في مباني سميث التي يكتسي بعضها بحدائق معلقة. أما الماء، سيرة حياة المدن وشريانها النابض، فقد يجعله بوابة رئيسية ومعبراً لبعض المباني، وعنصراً جمالياً لمبانٍ أخرى.
ولكن، في غمرة الحديث عن المفاهيم الجديدة الخضراء، يطرح الناس السؤال عن البدايات الأولى التي أودت إلى هذا الأمر. بدأ كل شيء في آسيا. «في الصين تحديدا»، يقول سميث، الذي يبدو معجبا بالتجربة الآسيوية في عالم ناطحات السحاب، هو الذي له أثره الباقي هناك.
إذ، ومنذ عام تقريبا، أدت طفرة الإنشاءات في الصين إلى كل أنواع القصص التي تبدو تنبؤية عن نقص رافعات الأبراج وعن أسعار الحديد والأسمنت المسلح التي تصل إلى عنان السماء، لكن الأمر أثبت بعد فترة أنه ليس تنبؤياً. ففي هونج كونج، توجد حالياً ناطحات سحاب أكثر بنسبة 50 في المئة من المدينة التي ما زال البعض، إلى الآن، يعتقد بأنها البيت الروحي للعمارة البارزة، أي نيويورك، على الرغم أن بناء واحدا فقط يعتبر في الولايات المتحدة من أعلى البنايات العشر في العالم، وهو مبنى سيرز تاور في شيكاغو.
أصبحت ناطحات السحاب في آسيا مختبرات للهندسة المعمارية، حيث إن حرية وسرعة وحجم التطوير تعطي المهندسين المعماريين فرصة لاحداث ابتكارات حقيقية وراديكالية.
ربما لم يكن هنالك وقت كهذا. الأفق يتغير يومياً بينما تسابق المدن الزمن في محاولة تعريف نفسها من خلال الهندسة المعمارية، لإيجاد رموز من ناطحات السحاب لديها.
إن أقرب مقارنة تاريخية، في هذا المجال، تعيدنا إلى التنافس بين نيويورك وشيكاغو حيث حاولت كل منهما أن تتفوق على الأخرى في البناء، لكن الانتشار الجغرافي في آسيا، ظل أكبر بكثير من ولايات الساحل الشرقي إلى ولايات الغرب الأوسط الأميركية، فهو في آسيا يشمل كل شيء: من طوكيو إلى إستانا، ومن دبي إلى بكين.
بكين التي احتلت العناوين الرئيسية العام الماضي، بسبب الألعاب الأولمبية، أبرز مثال على مزجها بين اللطيف والمثير للصدمة، فمقر دحء المذهل للتلفزيون الصيني وهو زوجان من الأبراج العملاقة في وضع مائل يشكل في الأعلى تجسيراً، يمثل نوعاً جديداً تماماً من البناء، ومع أنه ما زال قيد الإنشاء فإنه «واحد من أكثر المباني إثارة للدهشة، التي ربما يشهدها المرء في حياته». وهو أيضاً خيار «جريء» لا يصدق، بالنسبة لمحطة إذاعة حكومية والذي يضم الآن بين مهندسيها المعماريين، ريم كولهاس، ومقره في روتردام، وهو واحد من ألمع العقول الجدلية.
في المقابل، يقوم مصمم المدن الأميركي ستيفن هول، ببناء مدينة كاملة من ثمانية أبراج تؤوي 2500 ساكن، ويرتبط كل منها بجسر، وترتبط معاً في شبكة معقدة من العيش وقضاء الإجازات. هذا المشروع تأخر بسبب الإنهيار الكبير الذي شهده الاقتصاد الأميركي ومعه العالمي في الفترة الماضية.
وفيما يأتي سميث من مدرسة عالمية، تمزج بين المعرفة الأوروبية والأميركية، والآسيوية في مجال ناطحات السحاب، فإن تعمقه بالتجربة الآسيوية يبدو واضحا للعيان. ليس وحده، ففي الفترة الأخيرة، دأب مهندسون معماريون عالميون على محاولة إيجاد تصور آسيوي بالذات لعلم ناطحات السحاب.
وأشهر التجارب في هذا المجال تصميمات المهندس المعماري لون كندا سكوي، في لندن، وهي أبراج بتروناس المكسوة بالحديد الذي لا يصدأ، إضافة إلى تلك التي صممها سيزار بيلي، وهي تشير باعتزاز للجماليات الإسلامية والشرق آسيوية المهجنة لماليزيا. هذان البرجان التوأمان يحملان لقب أعلى المباني في العالم، لكن طغى عليهما، في البدء، برج تايبيه 101 من تصميم سي واي لي، وهو أول ناطحة سحاب يزيد ارتفاعها على نصف كيلو متر- وهي نفسها تفوق عليها فيما بعد برج دبي الذي وضع تصميماته سميث نفسه.

