تدحض سياسات الطاقة في الدولة الآراء القائلة بأن الفجوة الموجودة بين أسعار الغاز المحلية وتلك العالمية تشكل عائقاً أمام إطلاق مشروعات للغاز تستهدف تطوير الاحتياطيات المحلية وزيادة مستويات الإنتاج، وجري ترجمة هذه السياسات على أرض الواقع بتدشين مشروعات عملاقة تستهدف تحقيق التوازن بين تلبية احتياجات السوق المحلية من الغاز الطبيعي والحفاظ على عائداتها التصديرية.
وعلى عكس تقديرات بعض المحللين القائلة بأن تزايد الفجوة في الأسعار بين السوقين المحلي والعالمي ستشكل عقبة أمام تدشين مشروعات جديدة للغاز، لم تعمل سياسات الطاقة في الدولة على ردم هذه الفجوة عن طريق رفع الأسعار المحلية، بل تحركت في اتجاه زيادة المعروض على نحو يلبي احتياجات الطلب، فضلا عن تنويع سلة مصادرها الغاز الطبيعي لتجمع بين استيراد الغاز الطبيعي من دول الجوار وتطوير الاحتياطيات.
ويزخر مشهد الغاز الطبيعي في الإمارات بالكثير من الشواهد التي تدحض التقييمات التي أوردتها مجلة «ميد» والتي قدرت بوجود فجوة كبيرة بين أسعار الغاز الطبيعي في دول الخليج ومن بينها الإمارات من جانب، والأسواق العالمية من جانب آخر. وخلصت هذه التقييمات إلى أن مثل هذه الفجوة ستجعل خيار استيراد الغاز الطبيعي أكثر جاذبية من تطوير الاحتياطيات الموجودة في كل دولة على حدة، ولكن في الأجل الطويل، سيدفع تفاقم حدة تشدد الإمدادات إلى إصلاح نظام تسعير الغاز الطبيعي.
وفي البداية، سلط تقرير «ميد» الصادر في نوفمبر 2008 الضوء على معالم الفجوة بين أسعار الغاز المحلية لدى دول مجلس التعاون الخليجي، ومثيلتها على صعيد الأسواق العالمية، ففي عام 2007، بلغ السعر المحلي للغاز الطبيعي في قطر نحو 87, 0 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، فيما بلغ في كل من السعودية والإمارات نحو 75, 0 لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وتعتبر هذه الأسعار زهيدة بالمقارنة مع أسعار الغاز في مركز هنري بالسوق الأميركي وأسعار المسجلة لعقود الغاز الطبيعي الآجلة المتداولة في بورصة نيويورك التجارية، حيث بلغ متوسط سعر الغاز الطبيعي خلال عام 2007 نحو 7 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
دعم المستهلكين
وتتعهد دول مجلس التعاون الخليجي في الوقت الحالي بتقديم الدعم لإنتاجها من الغاز الطبيعي، حيث تقوم ببيع هذا الإنتاج إلى المستخدمين المحليين كمحطات الطاقة الكهربائية ومنشآت تحلية المياه بأسعار منخفضة، ومن شأن تدني أسعار الغاز أن يجعل الاستثمار لزيادة الإنتاج المحلي غير جاذب لشركات الطاقة الحكومية.
وتمتلك الإمارات خامس أكبر احتياطي غاز طبيعي على مستوى العالم، إلا أنه من المتوقع ـ بحسب تقديرات مجلة «ميد» ـ أن تواجه الإمارات عجزا في الغاز الطبيعي مقداره 5, 1 مليار قدم مكعب يومياً بحلول عام 2017، وفي الوقت ذاته، تعمل إمارة أبوظبي على توطيد وضعها لكي تصبح مصدراً إقليمياً ودولياً بارزاً للغاز الطبيعي المسال، فهي تقوم بشحن 260 مليار قدم مكعب إلى اليابان سنويا، و11 مليار قدم مكعب إلى اسبانيا، وتعتبر كل من سلطنة عمان والإمارات مصدرين صافيين للغاز الطبيعي، ولكن يعتمد زيادة إنتاجهما من الغاز في المستقبل على تطوير مكامن صعبة ذات هياكل جيولوجية معقدة والتي يكون النفاذ إليها أكثر صعوبة بالمقارنة مع المكامن التقليدية.
وتحتاج دول مجلس التعاون الخليجي ـ وبحسب تقرير صادر مؤخرا عن مؤسسة المال كابيتال ؟ إلى طاقة كهربائية جديدة بحلول عام 2015 مقدارها 000, 60 ميجاوات لتلبية الطلب على الطاقة الكهربائية والذي من المقدر أن يتصاعد نتيجة لاتساع نطاق حركة الإنشاءات وبناء المدن الجديدة، وتسارع وتيرة النمو السكاني كما ستحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إلى مضاعفة منشآت تحليه المياه لتصل طاقتها إلى 5 مليارات جالون من المياه يوميا بحلول 2015، وذلك لمواكبة تزايد عدد السكان بنسبة مقدارها 8% سنويا.
ويشكل هذا الطلب المتصاعد على مياه الشرب والطاقة قوة محركة لنمو الطلب الإقليمي على الغاز الطبيعي، ومن المتوقع أن ينمو هذا الطلب بمعدل 6, 6% خلال السنوات الخمس من 2007 حتى 2012، وهو ما يعادل مثلي الزيادة المتوقعة في الطلب على النفط خلال الفترة ذاتها.
تصاعد الطلب
بيد أن الحاجة المتنامية على الطاقة ليست السبب الوحيد لزيادة الطلب على الغاز الطبيعي، ولكن هناك كذلك برامج التصنيع المتبناة من قبل حكومات دول مجلس التعاون الخليجي بغرض تنويع هياكلها الاقتصادية، فضلا عن ارتفاع الطلب على الغاز الطبيعي بغرض استخدامه كمادة تغذية في المنشآت البيتروكيماوية، ولإعادة حقن حقول النفط بغرض الحفاظ على الضغط داخل المكامن.
ومن حسن طالع الدول الخليجية، أن أراضيها تختزن خامس أكبر احتياطيات للغاز الطبيعي في العالم، وتفيد هنا التقديرات الواردة في تقرير بيت الاستثمار العالمي الكويتي وتقرير «المراجعة الإحصائية للطاقة العالمية في 2008» والصادر عن شركة «بي بي» أن روسيا تشغل المرتبة الأولى على قائمة أكبر منتجي الغاز الطبيعي في العالم، فيما تحتل قطر المرتبة الثانية على قائمة أكبر منتجي الغاز الطبيعي في العالم، حيث تمتلك احتياطي غاز طبيعي في حقل الشمال القطري يصل إلى 3, 907 تريليونات قدم مكعب، وهو ما يوازي حوالي 2, 14% من إجمالي الاحتياطيات العالمية، تأتي المملكة السعودية في المرتبة الثالثة، بامتلاكها احتياطي من الغاز الطبيعي مقداره 253 تريليون قدم مكعب، أي ما يوازي 4% من إجمالي الاحتياطيات العالمية، فيما تشغل الإمارات المرتبة الخامسة، بامتلاكها احتياطي من الغاز الطبيعي مقداره 8, 216 تريليون قدم مكعب، أي ما يعادل 4, 3% من إجمالي الاحتياطيات العالمية.
وقد أعلنت قطر تعليق المشروعات الجديدة في حقل الشمال العملاق، لحين الانتهاء من دراسة تأثير الاستغلال السريع على أكبر مكمن للغاز الطبيعي غير المصاحب للنفط في العالم. وذلك نظرا لتخوفها من نضوب احتياطيات الغاز الطبيعي في حقل الشمال.
وصار تشدد أسواق الغاز الطبيعي في منطقة الخليج حقيقة ماثلة، مع وضع الحكومات والشركات الخاصة في حساباتهم مدى تيسر هذه الإمدادات لدى تقييمهم جدوى إقامة مشروعات، على غرار بناء مصانع تعتمد في تشغيلها على الغاز الطبيعي.
بيد أنه في الوقت الذي صارت فيه الحكومات والمستثمرون على وعي بتشدد إمدادات الغاز الطبيعي، لم ينتقل هذا الوعي إلى سكان دول مجلس التعاون الخليجي، فليس لديهم الكثير من الأسباب المنطقية التي تدفعهم إلى الشعور بالقلق، فمازالت حالات انقطاع التيار الكهربائي نادرة، وما زالت رسوم استهلاك الكهرباء منخفضة، وبالتالي، فهم لم يستيقظوا بعد ـ على حد قول بوبي ساركار المحلل في شركة المال كابيتال ـ على حقيقة هذا الواقع الصعب.
أسعار النفط
ودون ضخ الكثير من الاستثمارات في هذا القطاع، سيكون تقلص إنتاج الطاقة الكهربائية السيناريو الأكثر توقعا، ولذلك، يحتدم النقاش فيما بين الحكومات على مستوى مختلف مناطق العالم حول كيفية التعامل مع التأثيرات المحتملة لتذبذب أسعار النفط العالمية.
ويري جيستين دارجين الباحث بمركز بيلفير للشؤون الدولية والعالمية في جامعة هارفارد أنه من غير المحتمل أن تتحقق هذه الاستثمارات على أرض الواقع من دون قيام دول مجلس التعاون الخليجي بإصلاح نظام تسعير الغاز الطبيعي.
وفي تقدير جوناثان ستيرن الأستاذ بمعهد أكسفورد لدراسات الطاقة بالمملكة المتحدة، ستبقى دول مجلس التعاون الخليجي تعاني نقصا مزمنا في إمدادات الغاز الطبيعي، إذا لم تقم برفع أسعار الغاز المحلية إلى ما لا يقل عن 5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، ومن شأن تسعير الغاز الطبيعي بأسعار تقل عن هذا المستوى أن يجعل الإنتاج والإمداد للسوق المحلي غير مجدٍ اقتصاديا، وذلك من دون تواصل الدعم الحكومي.
ومع الأخذ في الحسبان حجم احتياطيات الغاز الطبيعي في الشرق الأوسط، فإنه بالإمكان القول بأن نقص إمدادات الغاز يعود إلى أسباب داخلية محضة، ولكن تنتفي الحوافز لدى دول مجلس التعاون الخليجي لضخ استثمارات تهدف إلى جلب طاقة إنتاجية جديدة لتغذية الأسواق المحلية، وذلك بالنظر إلى سياستها في مجال تسعير الغاز الطبيعي، وقد برز مثل هذا الوضع جليا مع تسارع وتيرة النمو الصناعي والسكاني في المنطقة، كما وضعت زيادات أسعار النفط العالمية، وما رافق ذلك من تعظيم الصادرات النفطية ضغوطا باتجاه إحلال الغاز الطبيعي محل النفط لتلبية احتياجات السوق المحلي.
وتتحرك المنطقة تدريجيا صوب معالجة هذه القضية. فعندما احتاجت إمارة دبي تأمين إمدادات إضافية قصيرة الأجل من الغاز الطبيعي قامت شركة بيترولييم قطر بإعادة توجيه 400 ألف قدم يوميا من فوائضها من الغاز الطبيعي إلى دبي، وكان السعر محل الاتفاق بين قطر ودبي ـ بحسب تقرير مجلة «ميد» ـ هو 4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو ما يؤشر على السعر السوقي للغاز الطبيعي في الأسواق المحلية بالمنطقة.
وتنظر بعض الدول بجدية إلى مصادر بديلة للطاقة، حيث يمكن النظر إلى استخدام فحم الكوك في تشغيل محطات توليد الكهرباء على أنه مؤشر يدل على كبر حجم المشاكل التي تعترض عملية إصلاح نظام تسعير الغاز المحلي، وبهدف مواكبة الطلب المتصاعد على الطاقة الكهربائية، تدرس كل من أبوظبي ودبي مصادر طاقة بديلة لتشغيل المحطات الكهربائية.
وقد أعلنت إمارة أبوظبي اعتزامها تطوير برنامجا للطاقة النووية، وذلك في مسعى يهدف إلى الحفاظ على إمدادات الغاز الطبيعي المخصصة لأغراض التصدير، وقد سبقت دبي الآخرين بإطلاقها دراسة جدوى تتعلق باستخدام فحم الكوك في تشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية.
وربما كانت الإشارة الأكثر قوة فيما يتعلق بالغاز الطبيعي كمادة تغذية، هي تلك الصادرة عن المملكة السعودية بإصدارها مرسوما ينص على استبدال النفط محل الغاز الطبيعي في تشغيل كافة محطات توليد الكهرباء ومنشآت تحلية المياه الواقعة في المناطق الساحلية، ولكن يبدو أن هذا القرار صار مبررا مع تراجع أسعار النفط من المستويات العالية التي سجلها والبالغة 150 دولارا للبرميل في يوليو 2008 إلى ما يقل عن 65 دولاراً للبرميل في أواخر شهر أكتوبر الماضي.
دبي ـ «البيان»
