أصدرت شركة المركز المالي الكويتي (المركز) مؤخراً تقريراً تناول في طياته تحليلاً لدور النفط في اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، ووضع التقرير في الوقت ذاته سيناريوهات لأسعار النفط المتوقعة في 2009، والبحث في العلاقة بين النفط وأسواق أسهم دول التعاون.

ولاحظ التقرير أن كل ارتفاع متتال في سعر النفط يأتي ليلغي المحاولات الضعيفة للدول المنتجة والمصدرة للنفط وخاصة دول مجلس التعاون لتنويع اقتصاداتها وتقليص الاعتماد عليه والتقلب المشتمل عليه. فعلى الرغم من كون المنطقة المنتج الأكبر للنفط إلا أنها لا تملك القدرة على التحكم بأسعاره.

لكن حتى وإن كان النفط مصدراً جيداً للسيولة والدخل القومي، فإنه لا يحل قضايا اجتماعية مثل البطالة. كذلك كون تلك الصناعة مملوكة من قبل الدولة، فإنها غير ممثلة في أسواق الأسهم المحلية. وبالتالي، تفرز شبكة النفط المعقدة أبعاداً أكثر من المتوقع.

وركز التقرير على تحديد مدى قوة دور النفط بالنسبة للقائمين على الخطط الاقتصادية في دول مجلس التعاون، والتوقعات المرجحة لأسعار النفط على المديين القصير والطويل، إضافة إلى البحث في قوة العلاقة بين أسعار النفط وأسواق أسهم دول التعاون.

اقتصادات النفط

تعتمد معظم اقتصادات دول التعاون بشكل كبير على عوائد النفط، وهي بالتالي معرضة بحدة لتقلبات أسعار النفط. وتعتبر المملكة العربية السعودية أكثر الدول اعتماداً على عوائد النفط، إذ بلغت عوائد الحكومة السعودية الناتجة عن مبيعات النفط 87% تقريباً من إجمالي عوائد الدولة في عام 2007. أما أقل الدول اعتماداً على عوائد النفط فهي قطر، إذ يعود 65% من إجمالي عوائدها إلى النفط طبقاً لبيانات 2007.

وبعد سلسلة من الأنشطة التوسعية التي قامت بها حكومات المنطقة في الأعوام القليلة الماضية، سيضع انخفاض أسعار النفط وضغوط الانحدار البعيد المتوقعة في 2009 السياسات المالية التوسعية في موضع تساؤل. إذ هل يجب على الحكومات أن تستمر في إنفاقها على قدم وساق بهدف دفع عجلة النمو الاقتصادي، والاستمرار بتنفيذ عمليات تطوير البنية التحتية، وبالتالي وفي غياب عوائد النفط المرتفعة، هل لابد على دول التعاون إدارة العجز المالي أو تخفيض برامج إنفاقها.

ويستحضر هذا الأمر هو الآخر سؤالاً حول نقطة التعادل لأسعار النفط لدول التعاون في 2009، على سبيل المثال، أسعار النفط في حالة ثبات جميع العوامل الأخرى، ستجعل ميزانية الدولة متوازنة. أما بالنسبة للدول الأغنى نفطياً مثل الكويت والسعودية، فستكون قادرة على موازنة ميزانيتها لعام 2009 استناداً إلى أسعار نفط أقل (43 دولاراً للبرميل الواحد و42 دولاراً للبرميل الواحد على التوالي) أكثر من دول أقل غنى نفطياً مثل البحرين وقطر وعُمان.

توقعات الأسعار

بلغ سعر برميل النفط الخام في بداية عام 2008 حوالي 96 دولاراً، وارتفع على نحو ثابت خلال النصف الأول من العام الماضي قبل أن يصل إلى أعلى مستوى له في يوليو الماضي حينما حلق عند 147 دولاراً للبرميل الواحد على خلفية انخفاض الدولار الأميركي.

والاستثمارات المضاربية في أسواق السلع وتجدد التوتر السياسي في منطقة الشرق الأوسط. إلا أن الأزمة المالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة، والمؤشرات الاقتصادية الضعيفة في العالم تسببت بانخفاض الأسعار بحدة من أعلى مستويات، إذ هوت إلى 30 و40 دولاراً في ديسمبر الماضي. وبلغت خسائر أسعار النفط السنوية في نهاية العام الماضي 56%، وهذا أول انخفاض سنوي منذ عام 2001، والأكبر في تاريخ التداول.

من ناحية أخرى، وتبعاً للنظرة المستقبلية الاقتصادية العالمية الضعيفة في 2009، واتجاه معظم دول العالم المتقدم إلى مرحلة ركود، وتباطؤ الطلب في الاقتصادات النامية مثل الصين والهند، فإنها لا تبشر بالخير بالنسبة لأسعار النفط.

وعلى المدى الأطول، يتوقع معظم المحللين ووكالات الطاقة ارتفاعاً أكبر لأسعار النفط ناتج عن قيود العرض مقابل الطلب. كذلك يتوقع محللو الطاقة والوكالات الدولية المختلفة أن تنتعش أسعار النفط ليصل متوسطها إلى 52 دولاراً للبرميل في 2009، وقد يصل سعر برميل النفط إلى 65 و70 دولاراً في حال تجسد تخفيض إنتاج منظمة «أوبك» للنفط وتفاقمت الأوضاع السياسية المتوترة في المنطقة.

إضافة إلى هذا، تشير دراسة أخيرة لثلاثة وثلاثين محللاً صادرة عن «بلومبيرغ» ان أسعار النفط في المستقبل قد تنتعش من أسوأ مستوى لها ليصل متوسطها إلى 60 دولاراً للبرميل في 2009، الأمر الذي يشكل ارتفاعاً بنسبة أكثر من 50% عن السعر المغلق في نهاية العام الماضي والذي بلغ 38 دولاراً. وكان مسؤولو «أوبك» قد عبروا عن رأيهم بشأن توقعاتهم حول أسعار النفط المستقبلية، وتوقعوا أن يتراوح سعر برميل النفط ما بين 70 إلى 75 دولاراً.

علاوة على هذا، قدم بحث «المركز» نظرة مستقبلية عامة للأعوام الثلاثة القادمة التي كانت حذرة لكنها ليست متشائمة بشكل عام. وتوقع أغلب الذين شملهم البحث أن يتراوح سعر برميل النفط ما بين 50 إلى 100 دولار أو أعلى حتى عام 2011، باستثناء النصف الأول من عام 2009.

في الوقت الذي توقع هؤلاء أن تكون فرصة بقاء سعر برميل النفط ما بين 30 إلى 50 دولاراً عند 50%، في حين أن فرصة هبوط سعر برميل النفط إلى ما دون 30 دولاراً هي 23%.

وبهذا، استخلص تقرير«المركز» نتيجة مفادها أن متوسط أسعار النفط في 2009 قد يصل إلى ما يلي:

* في النصف الأول: 35 دولاراً إلى 60 دولاراً للبرميل الواحد (45 دولاراً للبرميل الواحد).

* في النصف الثاني: 45 دولاراً إلى 75 دولاراً للبرميل الواحد (60 دولاراً للبرميل الواحد).

إلى هذا يرى التقرير أن أسعار النفط ستبقى متصاعدة لاحقاً، ويتوقعون أسعار نفط أعلى قد تصل إلى أكثر من 100 دولار للبرميل الواحد في 2010 و2011.

العلاقة مع الأسهم

إضافة إلى ما سبق، بحث تقرير «المركز» في العلاقة بين أسعار النفط الخام وأسواق الأسهم في دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى محاولة التحقق من درجة قوة هذه العلاقة. ويرى التقرير أن العلاقة بين سعر النفط ومؤشر سوق الأسهم أقوى مما هو متوقع.

على الصعيد ذاته، استحوذت عُمان على أعلى ترابط بين مؤشر سوقها وسعر النفط خلال فترة كاملة بنسبة 96%، لكن في حال أخذنا مستوى الترابط منذ يناير 2007 وحتى هذا التاريخ فسوف نجد أن الترابط انخفض على نحو هامشي بنسبة 95%.

وعلى العكس من ذلك، وجد التقرير أن أقل ترابط لأسعار النفط كان مع سوق دبي المالي بنسبة 52% على مدار فترة تاريخية كاملة، على أن هذا الترابط زاد بنسبة 75% منذ بداية يناير 2007 وحتى هذا التاريخ.

يستخلص التقرير أنه ونظراً لاعتماد اقتصادات دول التعاون على عوائد النفط، فإنه ليس من المفاجئ أن نجد علاقة بين أسعار النفط وتحركات أسواق الأسهم. ولهذا فإن توقع اتجاهات أسعار النفط في المستقبل، قد يكون مفيداً في التحقق من الاتجاه الذي ستكون عليه أسواق الأسهم.

دبي ـ «البيان»