«تولي بورصة ناسداك دبي أولوية قصوى لاستقطاب المستثمرين الأفراد، ولكن من غير المقدور إعطائهم معاملة تفضيلية على مستوى الأطر التنظيمية بالمقارنة مع المؤسسات الاستثمارية» تبرز هذه العبارة الواردة على لسان مصادر وثيقة الصلة ببورصة ناسداك دبي في متن حديثها الخاص مع «البيان الاقتصادي» انتهاج البورصة إستراتيجية تهدف إلى امتلاك قاعدة محلية متماسكة وقوية تنطلق منها نحو الأفاق العالمية، وأن تلعب دور همزة الوصل بين السيولة المحلية من جانب، وتلك المتوافرة في الأسواق الدولية.
وتشرح المصادر أسباب عدم قدرة البورصة على إعطاء المستثمرين الأفراد معاملة تفضيلية بقولها: إن البورصة تتعامل بشكل مباشر مع الوسطاء الذين يشكلون همزة الوصل بينها وبين المستثمرين، ومن غير الجائز لها أن تتدخل في العلاقة بين الوسطاء والمستثمرين، إذ تتقاضي من الوسطاء رسوما مقابل قيامهم بعمليات التداول والمتاجرة، وفي غير مقدورها إبلاغ الوسطاء بأن قيمة الرسوم ستحدد بناء على نوعية المستثمر
. وتابعت المصادر قائلة: لا يوجد تواصل مباشر بين البورصة والمستثمرين الأفراد، ولكن جري اتخاذ خطوات جادة لتشجيع المستثمرين الأفراد على زيادة أحجام تداولهم في البورصة، وذلك عوضا عن الفصل بين المستثمرين الأفراد والمستثمرين المؤسساتيين.
واعتبرت المصادر تمديد ساعات التداول في بورصة ناسداك دبي لتتزامن مع أوقات التداول في البورصات المحلية بأنها واحدة من الخطوات التي اتخذتها البورصة مؤخرا لاستقطاب المستثمرين الأفراد.
حيث أن مثل هذا التزامن في أوقات التداول من شأنه أن يحفز المستثمرين الإفراد على توجيه بوصلتهم الاستثمارية إلى بورصة ناسداك دبي، وذلك على نحو أكبر مما كان علية الوضع في السابق. وينسحب المنطق ذاته على الخطوة التي اتخذتها مؤخرا بفتح التداول في أيام الآحاد.
يضاف إلى ما سبق ـ والكلام ما زال على لسان المصادر ـ سجلت البورصة نجاحاً ضخماً بجذبها العديد من شركات الوساطة المحلية، وهم الوسطاء المرخصون من قبل هيئة الأوراق المالية والسلع في الإمارات.
ولقد كان مطلوبا في السابق أن يقوم الوسطاء الذين يرغبون في مباشرة عمليات التداول في بورصة ناسداك دبي بفتح مكاتب تابعة لهم في مركز دبي المالي العالمي، ولكن صار الآن بمقدور هؤلاء الوسطاء المشاركة في عمليات التداول بشكل مباشر.
تقريب الثقافات
وفي رأي المصادر، ساهمت هذه الخطوة في تقريب ثقافات التداول بين بورصة ناسداك دبي والبورصات المحلية، حيث كانت تثور في الماضي إشكالية تتعلق بتباين الثقافات الاستثمارية، إذ أن المستثمرين معتادين على أسلوب ملأ استثمارات الاكتتاب.
وإرسالها إلى البنك الذي يتولى إدارة الاكتتاب، ولكنهم غير معتادين على الأسلوب الذي كان متبعا في بورصة ناسداك دبي بأن يكون تداول الأوراق المالية من قبل المستثمرين عبر عضو في البورصة أو من خلال مؤسسة خدمات مالية. وتعود أسباب المراهنة على نجاح البورصة في استقطاب المستثمرين الأفراد إلى تفردها بالكثير من الخصائص التي تميزها عن أسواق المال المحلية سواء في الدولة أو على صعيد المنطقة ككل.
حيث إنها تعد البورصة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط التي تتمتع بوجود «صناع سوق» الأمر الذي من شأنه أن يشجع على تدفق السيولة، يضاف إلى ذلك، أنها البورصة الوحيدة التي تعتمد نظام مقاصة مركزياً لضمان نزاهة التعاملات.
كذالك وفيما لا تزال بورصات المنطقة تهتم بمنتج رئيسي واحد وهو الأوراق المالية التقليدية(الأسهم والسندات)، فإن بورصة ناسداك دبي تعتبر الأولى في المنطقة التي يتم من خلالها تداول الأسهم والسندات وصناديق الاستثمار الإسلامية، ومنتجات المؤشرات، والمشتقات المالية.
توعية المستثمرين
يضاف إلى ما سبق، حقيقة سعي البورصة منذ بداية إطلاقها إلى تعميق وعي المستثمرين المحليين والإقليميين بالفرص المتنوعة والسخية التي تتيحها، وكسر الانطباع الذي ساد لفترة بأن اهتمام بورصة ناسداك دبي يقتصر على كبار المتداولين والمؤسسات الاستثمارية العالمية، ونظمت لأجل هذا الغرض العديد من الندوات وحلقات النقاش والتي شهدت مشاركة واسعة من جانب أصحاب الأعمال في المنطقة.
وجري خلالها استعراض إجراءات الانتساب إلى البورصة وكيفية التداول بوساطة الأعضاء الحاليين، ولفت القائمون على البورصة إلى أن هناك فرص ذهبية لعملاء المصارف وشركات الوساطة العاملة في المنطقة، وأنه بالمقدور اغتنام مثل هذه الفرص.
وتتحرك بورصة ناسداك دبي بخطى حثيثة نحو تنفيذ إستراتيجيتها الرامية إلى تبوء مكانة «سوق الأسواق» على المستويين الجغرافي والمنتجات المالية، بأن تكون المنصة المثالية لتداول الأوراق المالية لشرائح السوق بمجالاته المتنوعة التي تغطي التمويل الإسلامي والصناديق العقارية والسندات والصكوك الإسلامية وأسهم الشركات، والمشتقات وأدوات الدين، وأن تكون كذلك سوق الأسواق بالنسبة للأسواق المالية على الصعيدين الإقليمي والمحلي.
وأن تصبح كذالك مركزا إقليميا لتداول الأوراق المالية للشركات في منطقتي الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية، وذلك بأن تكون حلقة الربط بين هذه الشركات من جانب، وأسواق المال العالمية والمستثمرين الدوليين من جانب آخر.
الوسطاء المحليون
ولفتت المصادر الانتباه إلى نجاح البورصة في استقطاب عدداً من شركات السمسرة المحلية بقولها: خلال الأشهر الأخيرة، انضمت شركات سمسرة من الإمارات إلى بورصة ناسداك دبي.
وذلك على غرار شركة «الإتحاد للوساطة» وهي شركة الوساطة التابعة لبنك الإتحاد الوطني وشركة المشرق للأوراق المالية، وشركة الرمز للأوراق المالية، كما أن هناك شركة وساطة أخري بصدد الانضمام للبورصة، ولكن غير الممكن الإفصاح عن اسمها.
ولم تنحصر مشاركة كبار اللاعبين في الدولة في أنشطة بورصة ناسداك دبي على إدراج الصكوك والسندات، بل انضمت الكثير من المؤسسات المالية العاملة في الدولة إلى عضوية البورصة.
ويبرز في هذا السياق، انضم بنك أبوظبي التجاري إلى بورصة ناسداك دبي كمزود إقليمي لخدمات الأمانة الفرعية لحفظ الأوراق المالية المدرجة في البورصة، وشكل هذا الانضمام الأول من نوعه لمؤسسة مالية مقرها أبو ظبي تقدم خدماتها من خلال البورصة، واستهدف البنك من وراء انضمامه تعزيز قدرته على تداول الأوراق المالية في بورصة دبي العالمية عبر ترتيب عملية الدخول المباشر إلى السوق مع أحد أعضاء البورصة.
وفي السياق ذاته، حصلت شركة شعاع كابيتال على ترخيص من قبل سلطة الخدمات المالية في دبي لتقديم مجموعة من خدمات الاستثمار المصرفي في مركز دبي المالي العالمي لتصبح بذلك أول بنوك الاستثمار العربية والإقليمية التي تنال الترخيص الذي يخولها العمل كوسيط مالي وعضو مقاصة في بورصة ناسداك دبي، ويخول الترخيص «شعاع كابيتال انترناشيونال» التداول بالاستثمارات والعمل كوكيل وترتيب الاستثمارات والقروض وتقديم المشورة الاستثمارية والاستشارات المالية وتقديم خدمة الحفظ الأمين للاستثمارات.
ولم تقتصر تحركات بورصة ناسداك دبي في مسعاها لتعزيز قاعدة على هذه المسارات على هذه المسارات فحسب، بل عملت على تعريف شركاتها المدرجة لديها على أساليب التداول في البورصات المحلية.
وهو ما تأتي المصادر على ذكرها بقولها: لقد جري تشجيع المدرجة في بورصة ناسداك دبي على زيارة غرفة التداول في سوق دبي المالي والتحدث مع شركات السمسرة هناك، كما زار بوب غرافيلد الرئيس التنفيذي لمجموعة ناسداك أو إم أكس سوق دبي المالي.
حيث تحدث مع شركات الوساطة هناك، وقام كذلك مسئولو مجموعة الخدمات المالية «فيرست ايسترن جروب» والتي انضمت مؤخراً إلى بورصة ناسداك دبي بزيارة سوق دبي المالي، وتحدثوا مع شركات السمسرة هناك.
وواصلت المصادر حديثها بقولها: إذا ما نظرنا إلى حجم التداول على الأسهم شركتي موانئ دبي العالمية و«ديبا»، نجد أن التداول يسجل أحجاما جيدة، فعلي سبيل تجاوز حجم التداول على سهم شركة موانيء دبي العالمية خلال شهر أكتوبر إجمالي حجم التداول في بورصتي سوق دبي المالي وسوق أبوظبي المالي مجتمعين.
وبالتالي، يتمتع هذا السهم بمستويات سيولة عالية، ويجري التداول علية بأحجام كبيرة، ورغم عدم إمكانية معرفة مقدار حصة تداول المستثمرين الإفراد على هذا السهم من إجمالي عدد المتداولين، ولكن هناك بالتأكيد أعدادا كبيرة من المستثمرين الإفراد يقومون بالتداول على هذا السهم.
صناع السوق
ويرصد محللون بأن البورصة تخطط لضم المزيد من صناع السوق الذين سوف يساعدون المستثمرين على النفاذ بشكل أكبر وأفضل إلى السوق، وهي تعكف في الوقت الحالي على تنفيذ إستراتيجية تستهدف التحول لأن تكون سوق الأسواق عن طريق تطوير شرائح معينة من السوق كتلك الخاصة بالأسهم وأدوات الدين وصناديق الاستثمار العقاري والمشتقات.
ويؤكد المسؤولون في بورصة ناسداك دبي على أهمية استقطاب إدراجات لأسهم شركات في الشرق الأوسط وجذب رؤوس الأموال الضخمة التي أتاحتها الطفرة النفطية الحالية، وذلك من خلال ربط الشركات الشرق أوسطية ورؤوس الأموال مع المستثمرين من مختلف أنحاء العالم، وبالتالي تعزز البورصة من دورها كمركز تداول عالمي.
ويقيم محللون بأن البورصة تتمتع بالقدرة على النفاذ إلى مختلف شرائح أسواق الشرق الأوسط، وهو ما يكفل لإعمالها إمكانيات ضخمة للازدهار والانتعاش وفي ظل توافر ظروفا مواتية، سيصبح من الواقعي أن تحقق البورصة أحجام التداول التي تنشدها، ومع استقطاب المزيد من صناع السوق، سيكون في مقدور البورصة توفير أسعار البيع والشراء للإصدارات المتداولة فيها، وهو ما يسهم في تحقيق هدفها الأصلي بأن تكون منصة مثلي للتداول تسد فراغات الزمن بين الأسواق الغربية وتلك الموجودة في شرق آسيا.
تعميق القاعدة المحلية
شهدت بورصة ناسداك دبي إدراج أولي لأسهم شركة موانئ دبي العالمية التي تعتبر من الشركات المحلية ذات العيار الثقيل.
وجاء هذا الإدراج تتويجا لجهود البورصة في مجال توطيد قاعدتها المحلية والإقليمية كأحد السبل الناجعة لتوكيد مكانتها العالمية، كما أنه فتح المجال أمام شركات محلية من العيار الثقيل لإدراج أسهمها في البورصة، وهو ما سوف يسمح للبورصة تحقيق أحجام تداول عالية، ويؤشر ذلك على وعي القائمين عليها بالمواطن الحقيقية لقوتها .
والتي تكمن أولا وأخيرا في قدرتها على أن تكون المقصد الأول والرئيسي لتوظيف فوائض السيولة الضخمة التي تزخر بها الدولة والمنطقة على حد سواء، من خلال طرح منتجات مالية تتميز بالتنوع والابتكار والقدرة على استقطاب المستثمرين المحليين والإقليميين، وينسجم كذلك مع التطلعات التي ساقها مسئولون في بورصة ناسداك دبي بأن تنجح في جذب إدراج أولية عامة لأسهم شركة محلية ضخمة.
وربما يندرج كل هذا تحت مظلة إستراتيجية كبري تنتهجها بورصة ناسداك دبي تهدف إلى تعميق قاعدتها المحلية على طريق ارتقائها سلم العالمية، وهو ما يتجلي بوضوح في تبوء شركة شعاع كابيتال مكانة «صانع السوق» جنباً إلى جنب مع بنك دويتشة الألماني وبنك سيكو الاستثماري (سيكو) الذي يتخذ من البحرين مقراً له، علاوة على انضمام الكثير من المؤسسات المالية المحلية إلى عضوية البورصة للقيام بأنشطة الوساطة والأمانة.
استقطاب كبار اللاعبين
تؤكد المؤشرات أن نجاح بورصة ناسداك دبي في استقطاب كبار اللاعبين في دبي، من شأنه أن يسهم في تعزيز قدرتها على أن تكون مقصداً للشركات والمستثمرين العالميين الذين يبحثون عن السيولة الضخمة، ويتيح لها في الوقت ذاته التغلب على معضلة «الدجاجة أولا أم البيضة» التي تواجه جميع البورصات الحديثة النشأة.
وذلك بحسب توصيف مسئولون في بورصة دبي العالمية، حيث تتطلع هذه البورصات إلى جذب الإصدارات، في حين توجه الشركات إصداراتها إلى البورصات التي تتميز بمستويات سيولة عالية، وتكمن هنا المعضلة الأساسية في كيفية نجاح البورصة الحديثة العهد في جذب الإصدارات، في الوقت الذي لا يتوافر لديها فيه أحجام من التداول تكفي لجذب هذه الإصدارات.
ويتزامن هذا الاتجاه مع نجاح البورصة في جذب العديد من الإصدارات المزدوجة التي ساهمت في زيادة جاذبية البورصة لدي المستثمرين الإقليميين والمحليين.
وفي الوقت ذاته، عزز من قدرتها على أن تكون مقصدا للشركات والمستثمرين العالميين الذين يبحثون عن السيولة الضخمة، بحيث تصبح البورصة البوابة الرئيسية نحو الفرص الاستثمارية في دول مجلس التعاون الخليجي وباقي دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالإضافة إلى جنوب إفريقيا وتركيا ووسط آسيا.
دبي - البيان
