الأمور تجري هنا بشكل مختلف في ارجبلوج في السويد. في معظم شمال غربي السويد يكتنف الأرض صمت غريب من أواخر الخريف لكن حينما تأتي أيام يكون النهار فيها قصيرا جدا ويكون الليل قارس البرودة تدب الحياة فجأة في هذه المنطقة النائية القريبة من الدائرة القطبية الشمالية.
وتهبط طائرات قادمة من كافة أرجاء المعمورة في مطار في أرفيدسجور المجاورة وتعج الشوارع بالنشاط. ومن أكتوبر إلى أبريل من كل عام تكون أرجبلوج العاصمة العالمية للاختبارات الشتوية التي ينظمها مصنعو السيارات الذين يحتاجون إلى اختبار النماذج الأولية لسياراتهم في جو من السرية البالغة قبل بدء العملية الإنتاجية المنتظمة لها.
ويهيمن على المنطقة أنظمة الضغط المرتفع لشمالي روسيا وفي الفترة من نوفمبر إلى أبريل تكون الظروف الشتوية المناسبة مضمونة تقريباً. وتخضع معظم السيارات التي تراها هنا إلى تعتيم كثيف باستخدام قطع من شريط أسود أو قوالب بلاستيكية لمنع التصوير التجسسي للسيارات قبل كشف النقاب عنها رسميا أمام الجمهور في معارض السيارات.
ويقول فيلهيلم كورديس المسؤول عن مركز اختبارات في أرجبلوج تديره شركة بي إم دبليو الألمانية لصناعة السيارات «الظروف هنا مثالية لنا»، فالحرارة منخفضة بالشكل المناسب والبحيرات متجمدة وأحوال الطرق متباينة بتشكيلات مناسبة من الجليد والثلوج والأسطح الخشنة.
ويقول كورديس «هذا هو السبب في أنه يكاد لا توجد شركة تصنيع واحدة أو شركة توريد أجزاء لا تجري اختبارات في هذه المناطق».
ويرى ستيفان هاتش القائم على التطوير في مرسيدس أن الظروف مناسبة لتعديل أجزاء السيارة ذات الدفع الرباعي وجهاز منع غلق المكابح (إيه بي إس) وبرنامج التوازن الإلكتروني. وقد جاء هاتش إلى أرجبلوج العام الماضي مع السيارة مرسيدس سي إل 500- 4 ماتيك.
وأجريت معظم الاختبارات على التعامل مع المسارات التي حددها الخبراء على البحيرات المتجمدة في المنطقة. وتقيم مرسيدس وشركات صناعة السيارات الأخرى مراكز اختبارات خاصة بها بمجموعة من المضامير المختلفة لمحاكاة الظروف الشتوية الشديدة. وتشمل التسهيلات اختبارات على أسفلت مسخن أو جليد ومضامير وعرة بارتفاعات متباينة وجراجات يمكن تبريدها لحرارة بالغة الانخفاض كما توجد بها ورش اصلاح.
وتعد مهارات ما يسمى بصناع الثلوج نقطة جذب رئيسة في أرجبلوج. وقد بدأت بعض الشركات المتخصصة إعداد حلبات من الثلوج هنا قبل ثلاثين عاما وسرعان ما أقبلت شركات السيارات على استخدامها. ومنذ الساعة الرابعة صباح كل يوم يتواجد 100 من الخبراء لبسط السجادة البيضاء للسائقين المشاركين في الاختبارات.
ويقول صانع الثلوج ماتياس جونسون «بالنسبة لنا ليست الثلوج هي الثلوج» ويوضح بأن شركات صناعة السيارات تريد نشر الثلوج بخصائص محددة لتلبية احتياجاتها.
ويجرى بسط الأسطح الثلجية أو صقلها أو حرثها بمركبات مجنزرة لضبط المضامير حسب الطلب. وأحيانا يحفر صانع الثلج ثلمات دقيقة في السطح أو يضيف ماء من الجنب للحد من الاحتكاك أو يرش رملا أو ملحا لزيادة قوة السحب والدفع.
«القدرة على تهيئة ظروف شتوية وفقا لظروف معملية محددة تفيد كثيرا حينما يتعلق الأمر ببرمجة أنظمة القيادة» والكلام لسائق اختبارات بي إم دبليو كرستيان ثالماير وهو يحرث في الجليد بليموزين من الفئة السابعة يمكن التعرف عليها بمشقة. ويضيف الخبير «رغم ذلك فإن الظروف الشتوية الطبيعية على الطرق المحلية مهمة بالقدر نفسه» وتخرج السيارة (النموذج الأولي) كل يوم لقطع مسار مساو.
ومع اقتراب موعد الظهور العام الأول يتجه الاهتمام نحو الطريقة التي ستعمل به السيارة في ظروف الاستخدام العادي اليومي. ويقول زميله أوليفر يونج «يمكن للمرء أن يقول اننا نقوم بدور أول العملاء بعين نقدية تنظر إلى كيفية عمل السيارة الجديدة.
وبحلول هذه المرحلة يكون قد فات الأوان لتغيير المكونات الأساسية للسيارة مثل نوع المقاعد المستخدمة لكن هناك أشياء يمكن تغييرها في الدقيقة الأخيرة. ويقول هاتش «يمكننا إجراء تعديلات في برامج التشغيل الإلكترونية بسرعة».
وهذا هو السبب في أن كل مركز اختبارات يكون على اتصال مباشر عبر النت بإدارة التطوير في شركة صناعة السيارات. ويمكن رؤية المهندسين بأجهزة الكمبيوتر المحمول معهم أحيانا على جنبات الطرق لإجراء التعديلات الطفيفة على الفور.
وتشتهر أرجبلوج بشركات صناعة السيارات التي يميل المارة إلى رؤية النماذج الأولية لإنتاجها وهي تتحرك في المنطقة أكثر من ميلهم لرؤية السيارات القياسية لهذه الشركات. ومن أسباب ذلك محطة الوقود التي يديرها بير إريك جرانبيرج وتكون محاصرة كثيرا بالمصورين الذين يتربصون لالتقاط صور «سبق صحفي» للطرازات الجديدة يمكنهم بيعها لمجلات السيارات.
ويقول هاتش القائم على التطوير في مرسيدس «هذا هو المكان الذي علينا جميعا فيه عرض ألواننا الحقيقية. فما إن نتزود بالوقود حتى يحق لنا أن ننسى مسالة التمويه تماماً».
وهذا النشاط يبقي جرانبيرج مشغولا.. «فبدلا من بيع خمسة آلاف لتر في اليوم في الظروف العادية أبيع غالبا (في هذه الفترة) ما بين ثمانية آلاف وعشرة آلاف لتر يوميا» والكلام هنا لمالك المحطة الذي يشكو رغم ذلك من أن المصورين الصحافيين قد يضرون أحيانا بنشاطه التجاري.
ويوضح بأنه «إذا ما وضع أحدهم المكان تحت المراقبة فإن سائقي الاختبارات يمرون مباشرة (دون التزود بالوقود)». وحتما يعودون لأنه لا يوجد في أرجبلوج سوى محطتي وقود في موقعين متقابلين.
وتزدحم الطرق حول أرجبلوج على خلاف العادة لكن إذا كان مسئولو الحكم المحلي في المناطق الأخرى في مثل هذه الظروف يصرخون مطالبين بإجراءات لتنظيم المرور فإن العمدة بنجت أيربان فرانسون يشعر بامتنان تجاه سائقي سيارات الاختبارات. فالمعروف أن وجود كثير من الرجال المؤهلين من خارج البلدة يسفر عن عقد بعض الزيجات ويجعل العزاب المحليين غالبا يشعرون بأن هناك من يتفوق عليهم.
(د ب أ)