في العام 2008، أصبح اسم الشركة كيلباتريك ستوكتون، وهي اليوم واحدة من أضخم شركات الاستشارات القانونية على مستوى العالم. توماس ويلسون شريك في الشركة قرر أن يجرها مؤخرا إلى سوق الشرق الأوسط، وهو يعرف كثيرا حاجة الشركات العقارية إلى شريك قانوني «محنك» .

مشغول حاليا بقضايا تتوزع بين توسع المطار في أتلانتا واهدار المباني للمياه الصحية في دالاس وخط القطار في بورتو ريكو. لكنه أيضا يفكر في تأثر «بزنس» ذوي الأثواب السوداء في الولايات المتحدة، وبفرص «لا تنتهي في الخليج» . يسمونه.. أفوكاتو العقارات.تسود مقولة بين كبرى شركات الاستشارات القانونية الغربية حاليا، بأن العمل إما أن يكون في الخليج أو شانغهاي أو مومباي، وإلا فلا. أو بمعنى آخر، ليس هناك جدوى من العمل في مناطق أخرى من العالم. وفي الوقت الذي تعاني فيه هذه الشركات من تسريح العمالة والانهيارات والمشكلات الشائكة الأخرى، ينبثق نور من منطقة الشرق الأوسط، والخليج تحديدا، يجعل المحامين يحملون أثوابهم ويمضون إلى منطقتنا «أفواجا وزرافات» . ماذا يحدث في الغرب، وكيف تؤثر الأزمة المالية على السادة المحامين؟ الاجابة بمنتهى السهولة والدراماتيكية: سوف تختفي شركة مثل شركة ثيلين شومٌمَ، إحدى أكبر شركات الاستشارات في سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة، والتي كانت إلى وقت قريب تعد من أكبر 100 شركة أميركية.

ولكن المؤشرات السلبية لهذا القطاع لم تبدأ فقط في الشهور الستة الماضية، التي أعلنت فيها الأزمة عن «عصيانها» في وجه محاولات إنقاذ إقتصادات العالم، إذ أنها تعود إلى شهور سابقة. في واقع الأمر، وفي نهاية 2007، أعلنت الشركة عن عائدات بلغت 345 مليون دولار بانخفاض 4% عن عائدات 2006.

ويأتي «ذوبان» شركة ثيلين اليوم، بعد حل شركة أخرى لا تقل أهمية وهي «هيلر هيرمان» الشركة القانونية الضخمة أيضا في سان فرانسيسكو. إن استحضار هذين الاسمين تحديدا، له دلالته الموضوعية، إذ أن وضعهما حاليا يعكس الأزمة التي يعيشها هذا القطاع في أسواق الولايات المتحدة وأميركا.

«كانتا مثل نجمتي سينما تشغلان العالم بمفاتنهما، ثم، نال منهما العجز وانصرف عنهما الناس» ، تقول احدى التعليقات على مدونة عالمية متخصصة بهذه الصناعة، مذكرة أنه، وخلال القرن العشرين قامت الشركتان بالعمل القانوني الخاص بمشاريع عملاقة مثل بناء سد هوفر وجسر جولن جيت.

لكن كيلباتريك ستوكتون، ارادت أن تضمن لها «دورا على الشاشة بشكل مستمر» ، فكان أن اتجهت صوب الخليج، وبدأت بتأسيس وجود لها في دولة الإمارات، وعينها على قطر والسعودية وشمال افريقيا:» لا أجد كلمة تعبر عن حجم الفرص المتوافرة في هذا السوق» ، يقول ويلسون مؤكدا أن هناك حاجة متزايدة في المنطقة اليوم لخدمات الاستشارات القانونية العقارية.

وخاصة في مجال توضيب العلاقة بين أصحاب العقود والمطورين، الذين باتوا يواجهون مشقة في الإيفاء بالتزاماتهم تجاه المطورين:« هنا يأتي دورنا كناظم لهذه العلاقة» ، يقول من دون أن ينفي حجم التأثر الكبير الذي يسيطر على هذا القطاع في الغرب، بالرغم من أن «عمل المحامين ينشط في وقت الأزمات» .

وتبعا لهذا المنطق، ليس من المفترض، فعلا، أن يحدث لرجال القانون اليوم ما يحصل لهم في الغرب، حتى خلال أحلك الفترات الاقتصادية. ورغم أن ثلين وهيلر لا تستطيعان المراهنة على اتهام الأزمة المالية، وحدها، بمسؤوليتها عما جرى لهما، فإن النزف هذه الأيام ملحوظ في غالبية الشركات القانونية العالمية، وعلى رأسها لائحة الشركات الأميركية المائتين، التي يطلق عليها» أملو 200 « ءحجءط 002 وهي مصنفة كأضخم 200 شركة من حيث العائدات.

ومن بين تلك الشركات، قامت 44 شركة على الأقل بتسريح موظفين في العام الجاري، بينما الشركات التي احتفظت بموظفين لا تزال تعاني الكثير من المشكلات.

ورغم أن الأعمال القانونية جفت في بعض القطاعات مثل الاندماجات والحيازات والتمويل الهيكلي والعقارات والبناء، فإن هناك كثيرا من الأعمال الأخرى، اعتاد أصحاب الخبرة القانونية على اعتمادها حين يسوء الوضع الاقتصادي. فقضايا الاحتيال في الأوراق المالية تزداد تزامنا مع المشكلات التي يتعرض لها «وول ستريت» ومع ارتفاع ضغط دم المستثمرين.

في المقابل، يرفض ويلسون الإفصاح عن طبيعة الخدمات التي تقدمها شركته للعملاء في الخليج، في هذا الوقت تحديدا، متذرعا بتقليد حماية المحامي لأسرار عملائه، لكنه يقول أن 60% من أعماله يتعلق عادة بالمنازعات و40% بالعقود.

ويشير استطلاع حول اتجاهات التقاضي أجرته فولبرايت آند جاورسكيتًٌَُُّّْى ئٌِّقْيهوُّک، من شركات الاستشارات القانونية المرموقة، إلى تراجع في عدد القضايا المرفوعة ضد الشركات الأميركية. حيث رفعت قضايا ضد 79% من الشركات الأميركية في 2007-20008، مقابل تعرض 88% للشركات بين 2005- 2006، لمخاطبات رسمية من ذوي الأثواب السوداء. ويبدو أن المستثمرين يفضلون عدم المغامرة بأموالهم في التقاضي.

ولكن هل هناك فروقات جوهرية بين السوق الأميركي والخليجي على هذا المستوى؟ :» لا أستطيع أن اتحدث عن فروقات كبيرة، لكن حجم تأثر الشركات بالأزمة في دول الخليج أقل، وبالتالي فهي لا تزال تخصص جزءا من ميزانيتها للإنفاق على الاستشارات القانونية» .

انها علاقة عكسية مع الأزمة في منطقتنا، وطردية في أميركا، فمن بين الشركات التي تم استطلاعها من قبل «فولبرايت آند جاورسكي» كان هناك 43 % تتوقع ارتفاع القضايا في العام المقبل 2009، بينما توقعت 3% من الشركات فقط أن تتراجع القضايا بشكل أكبر.

ولا يتعلق كل شيء بالعقارات، فتراجع اسواق المال سيخلق فرصا للمحامين. وينتظر الجميع تقريرا موعودا من قبل ستانفورد للمقاصة سُّفَنُْل َّمكِّْيُّيمَّ، يصدر في يناير، ويدور حول ما إذا ما كانت أسواق الأسهم المتراجعة ستوفر أعمالا جديدة للشركات القانونية التي فقدت عملاءها في «وول ستريت» .

وفي هذا السياق، يقول جوزيف جروندفيست، مدير ستانفورد للمقاصة، أن الشركات الكبرى سوف تحافظ على عملائها لكن نجاة شركات مثل «سكادين» و» واتشيل» و» كرافاث» ، التي تعتبر على القمة من حيث تحقيق الأرباح، لن تختلف احتمالاته عما يواجه الشركات الأصغر في المعاناة، من حيث مواجهة مستقبل غير مضمون. ولا احصاءات مدققة ورسمية صادرة في هذا المجال، عن نشاط شركات الاستشارات القانونية في الخليج:» ليس هناك ارقام مؤكدة، ولكن من الواضح أن السيطرة الكبيرة هي للشركات الأجنبية هنا أيضا».

وليس جروندفيست وحده الذي يتوقع ذلك للشركات المتوسطة، لكن آخرين يتوقعون الأمر ذاته. يقول واين ريزولي، من شركة «تشامبرلين هردليكا»، العالمية، أن شركته احتفظت فقط بثمانية من لائحة العملاء الكبار خلال العام الماضي.

ولم تضف الشركة اعداداً كبيرة إلى سجل الموظفين الخاصين بها كما هي عادة الشركات الكبرى. ويعتقد ريزولي أن السبب في ذلك أن شركته مثل غيرها يقصدها العملاء الذين لا يريدون الإنفاق ببذخ وتعلموا الحصول على قيمة أكبر بتكلفة أقل. وتميل تلك الشركات إلى تخصيص عدد أقل من المحامين لكل قضية.

وأجر ساعات العمل للمحامين يقل 60 الى70% عن ساعات عمل المحامين في الشركات الكبرى:» ربما نشهد مزيدا من توسع هذه النوعية من الشركات تحديدا في أسواق منطقة الخليج، إذ يبدو إن الشركات الكبيرة ترغب أكثر من ذي قبل في إعطاء فرصة للشركات المتوسطة».

استشارات بحسب «الشريعة»

لا يمكن الحديث عن نشاط شركات الاستشارات القانونية في العالم والمنطقة، من دون التطرق إلى التجربة «الإسلامية» في هذا المجال. اذ برز في السنوات الأخيرة تزايد في عدد العملاء الراغبين بأن يحصّلوا خدمات قانونية متلائمة مع حيثيات الشريعة الإسلامية. وعلى المستوى الإماراتي، كان ل» بنك دبي الإسلامي» تجربة لافتة مع إطلاقه منتصف العام الماضي شركة «دار الشريعة» .

وتتخصص الشركة في جميع خدمات الاستشارات القانونية والمالية على المستوى العالمي، وتوفر الشركة الجديدة المملوكة بالكامل للبنك حلول الشريعة لكل أنواع التعاملات المالية والمصرفية الإسلامية. ويقول رئيس مجلس إدارة بنك دبي الإسلامي محمد الشيباني: «إن فكرة الشركة جاءت بعد أن أصبحت دبي مركزا للخدمات المصرفية الإسلامية، وبعد أن تمكنت من تطوير غالبية المنتجات والخدمات المالية لكي تتوافق مع الشريعة الإسلامية» .

ويضيف: «وجد البنك، بعد أن تمكن من تأسيس أول إدارة متخصصة في التنسيق التشريعي أن هناك حاجة ملحة لإيجاد مثل هذه الشركة، وخصوصا بعد أن تمكنت الإدارة من إتمام أكثر من 1400 عملية مالية متوافقة مع الشريعة الإسلامية، بقيمة جاوزت 400 مليار درهم منذ نشأتها قبل 4 سنوات».

دبي ـ «البيان»