لطالما تساءل الإنسان، منذ القدم عن السر الكامن وراء عملية الحمل والحكمة من أطوارها المتعددة ومراحلها المختلفة والمصحوبة بالتغيرات الجسدية والنفسية المتنوعة والصعوبات والإشكالات المحتملة والآثار الناتجة عنها. ولقد ظل الإنسان يبحث عن الأسباب والظواهر والكيفية التي تجري بها هذه العملية والأشكال المتبعة في فسيولوجيتها المعقدة.
حيث تتفاعل وتتداخل معظم أجهزة الجسم ووظائفها المتعددة، بأساليب بالغة الدقة والتناسق والانسجام وأنماط متناهية الإبداع والإعجاز، لتحقق الهدف المنشود والأخير: الولادة الطبيعية بالصورة السليمة وعلى الوجه الصحيح وفي الطريق الأمثل.
وانسجاما مع البحث الدؤوب من قبل الأوساط العلمية والطبية لاكتشاف المعالم المتشابكة والآثار المتعددة للحمل ومراحله وأطواره المختلفة، ظهرت في الآونة الأخيرة دراسات وأبحاث تناولت موضوع العلاقة بين الحمل والوقاية من السرطان عند النساء وخاصة سرطانات المبيض والثدي وبطانة الرحم التي تمثل أهم أنواع السرطان الخاصة بالنساء وأعلاها نسبة فيها وأكثرها فتكا.
ووفقا للدكتور حسن يوسف حطيط استشاري أمراض الأنسجة والخلايا ورئيس شعبة أمراض الخلايا في هيئة الصحة بدبي فقد أظهرت نتائج الأبحاث التي قام بها نخبة من اكبر العلماء معلومات دامغة وبراهين ساطعة أثارت دهشتهم حيث تبين وبشكل قاطع أن الحمل ولأسباب مختلفة وبطرق متنوعة، يقي من أخبث أنواع السرطان عند النساء ويساهم بشكل فعال في تقليص خطر الإصابة بها.
عوامل الوقاية
وقال د. حطيط إن جميع الدراسات أجمعت على أن أهم عوامل الوقاية من أخطر وأكثر أنواع السرطان عند النساء في العالم، وهي سرطانات المبيض والثدي وبطانة الرحم، تكمن في بلوغ الاكتمال الفسيولوجي الطبيعي المتمثل في التفاعلات الهرمونية للحمل والتعرض لآثارها الخصبة ونتائجها الإيجابية المتعددة الأوجه والمتشابكة ببعضها البعض.
ولقد ثبت مؤخرا أن أحد أهم هذه التفاعلات الطبيعية وأكثرها جلاء هو ازدياد نسبة وكمية إفرازات هرمون «البروجسترون» الذي يساعد وبشكل فعال على تقليص الإصابة بسرطان المبيض والثدي وبطانة الرحم عبر أساليب وطرق مختلفة أهمها «إلغاء» مفاعيل ازدياد وتراكم إفرازات هرمون «الإستروجين» الذي يلقي بظله المريب خلف معظم أنواع السرطان عند النساء والعديد من الأمراض والإشكالات المتنوعة.
كما أظهرت الدراسات شروطا وظروفا محتملة لاكتمال هذه العملية وبلوغ هدفها المنشود أهمها على الإطلاق عدم تأخير الحمل إلى سن متأخرة وعدم التعرض، خلال الحمل، لمسببات السرطان عند النساء كالتدخين والكحول والإفراط الغذائي والتي يمكن أن تؤدي إلى نتيجة عكسية مأساوية تصيب المرأة الحامل وجنينها على السواء.
وفي هذا الصدد، برهنت الأبحاث والإحصائيات الأخيرة أن المرأة الحامل التي تتعرض لتأثيرات التدخين والكحول والإفراط الغذائي «بالأطعمة المشبعة بالدهون» تعرض جنينها الأنثى، بالأخص، للإصابة، مستقبلا، بسرطان الثدي، بشكل شبه مؤكد ومحدد.
الأكثر خبثاً
وأشار إلى أن سرطان المبيض، يعتبر حاليا، من أكثر أنواع السرطان عند النساء خبثا وأقلها احتمالا للشفاء وبالتالي أصعبها علاجا، ويكمن ذلك في عدم ظهور أعراض المرض إلا بعد تمكن الورم من السيطرة على المنطقة المصابة و«اجتياح» المناطق المحيطة ومن ثم «الزحف» السريع إلى مناطق أبعد فأبعد، حتى يستحيل التمكن من استئصاله والإحاطة به للقضاء عليه.
ويصيب هذا النوع من السرطان النساء في أعمار متقدمة، وعلى الأخص، النساء اللواتي تجاوزن سن اليأس ولم يولد لهن ولد أو لم يرضعن في حياتهن لمدة سنة أو أكثر.
ولهذا يتكاثر هذا النوع بالتحديد وبشكل جلي في المجتمعات الغربية حيث تزداد بشكل مطرد نسب العانسات أو الممتنعات عن الحمل الطبيعي (والتي ستزداد أعدادهن خاصة بعد ظهور بدعة الأرحام المستأجرة وظاهرة أطفال الأنابيب وصرعة المستقبل الداهمة المعروفة بأطفال الاستنساخ) أو اللواتي يتأخر زواجهن أو حملهن إلى أعمار متقدمة.
أما المذهل في هذه العلاقة المباشرة بين الحمل والوقاية من سرطان المبيض فهو وجود ترابط تصاعدي إضافي حيث أن نسبة حدوث هذا الورم الخبيث تتدنى وتتقلص مع كل حمل إضافي يحدث بعد الحمل الأول.فالنساء اللواتي يلدن ولدا واحدا تتناقص نسبة الإصابة بينهن 45% ثم تتدنى النسبة مع كل ولد إضافي بمقدار 15%.
كما قال: ينتشر سرطان الثدي، على نطاق واسع، ويعد من أكثر الأورام الخبيثة نسبة وتكاثرا وفتكا عند النساء بشكل عام، فهو صاحب المركز الأول في سلم الأورام الخبيثة في أهم مناطق العالم وأكثرها تقدما كالولايات المتحدة الأميركية وشمال أوروبا. تتميز العلاقة بين الحمل وسرطان الثدي بوجود مستويات وشروط عدة أهمها:
تدني الإصابة
تدني الإصابة بالورم الخبيث، إذا كان الحمل في سن غير متأخرة(ما قبل الثلاثين) وتناقص نسبة الإصابة مع كل حمل جديد، وهبوط نسبة الإصابة إلى أدنى المستويات في مجموعات النساء اللواتي يحملن قبل سن الثلاثين وينجبن عدة أولاد، كما أن الحمل المبكر يكسب النسيج الثديي مناعة قوية ضد تشكل الأورام ويمنحه «نضجا» خلويا دائما يحفظه على مر السنين من الإصابة بالسرطان، بشرط أن لا يكون هنالك عوامل وراثية مصاحبة أو تغيرات جينية طارئة.
يتميز الحمل الطبيعي بظهور إفراز متزايد لهرمون «الإستريول» الذي يتكون في الجنين وينتقل إلى الحامل ليسبب فيما يسبب وقاية مذهلة من نشوء تغيرات سرطانية في خلايا نسيجها الثديي.
سرطان الراهبات
وأشار إلى أن سرطان بطانة الرحم يطلق عليه في الغرب لقب «سرطان الراهبات» لتكاثره في مجموعات النسوة اللواتي يمتنعن عن الزواج لسبب أو لآخر، بالمقارنة مع سرطان عنق الرحم الذي يطلق عليه لقب «سرطان بائعات الهوى» لإصابته النساء «المتعددات الشركاء» واللواتي يتعرضن للالتهابات الفيروسية المتناقلة جنسيا.
ويصيب هذا النوع من السرطان النساء المتقدمات في السن واللواتي لم يتزوجن أو لم يلدن أو تعرضن لعوامل إضافية أخرى كالسمنة المفرطة أو داء السكري أو تناول هرمون الإستروجين (من دون الهرمون «المعاكس» أو المضاد: البروجسترون).
دبي ـ عماد عبد الحميد
