لا يزال علم الجينات يُدهشنا في كل يوم مرة أو مرتين. فتارة يمكن تطبيقه لتشخيص عِلَلِنا وصِفاتنا البشرية، وتارةً أخرى يمكن أن نستعمله في تطوير الزراعة والغذاء لمواجهة الازدياد المضطرد لأعداد السكّان.

كما يمكن تطبيق علوم الجينات في تحسين الممارسات البيئية للقضاء على الآفات أو لتفكيك الملوثات الصناعية، وبالإمكان أيضاً استعماله في مجال التشخيص الجنائي حيث تعتمد دوائر الشرطة في جميع أنحاء العالم على علوم الجينات للوصول إلى الحقائق الغامضة في حوادث القتل أو الاعتداء.

ونكاد لا ننسى المنظر المهيب للجنازات الكبيرة التي شاهدناها منذ عدّة أعوام في بلاد البوسنة والهرسك حيث تمّ التعرّف على هويات الألوف من الشهداء من خلال قراءة تسلسلاتهم الجينية بعد أعوام طويلة على اكتشاف جثثهم في مقابر جماعية وإعادتها إلى ذويهم. وتطول اللائحة فيما يتعلّق بعلوم الجينات وكيف أنها تحتكّ بحياتنا اليومية من كلّ جانب، منها الصيدلاني حيث تعتمد التكنولوجيات الحديثة على تطوير الأدوية تِبعاً للمُكَوِّن الوراثي لشعوب العالم فتزداد بالتالي كفاءة تلك الأدوية.

كما نرى مساهمة علوم الجينات في المجال الاقتصادي حيث أن شركات التقنية الحيوية التي تعتمد على تطوير المخلوقات المعدّلة وراثياً كالحيوانات والنباتات والأحياء المجهرية الدقيقة تبلغ أصولها مئات المليارات من الدولارات وتُعدّ أسهمها ذات تأثير معَزِّزٍ للعديد من اقتصاديات الدول الصناعية.

وتمتد الأمثلة لتصل إلى علوم المجتمع حيث يتم الربط حالياً بين العديد من السلوكيات البشرية والتكوين الوراثي للأفراد، بل أن علماء الوراثة وصلوا إلى حد الربط ما بين التوق إلى أكل الشوكولاته ووجود بعض الطفرات الوراثية في الإنسان!

وتصل تلك اللائحة إلى ما هو أغرب من ذلك حيث أن تطبيقات علم الوراثة من حيث تشخيص الأمراض بالوسائل الجينية الحديثة نشأت كوليدة أحد أهم وزارات الطاقة في العالم بل التصقت تلك التطبيقات أيضاً بتصنيع القنبلة الذرية!

حيث إنه بعد أن أُلقيت القنابل الذرية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي في اليابان قُبيل نهاية الحرب العالمية الثانية، خصّصت دائرة الطاقة في الولايات المتّحدة الأميركية، والتي موّلت مشروع تطوير القنبلة الذرية، مبالغ كبيرة لدراسة التغيرات الجينية التي انتشرت في الشعب الياباني نتيجة الإشعاعات الذرية وما تلاها من تشوهات في الأطفال المولودين بعد تلك الحادثة.

وتطوّرت الفكرة إلى أن وصلت في بداية التسعينات إلى المشروع البحثي الأكثر تمويلاً في العالم وهو مشروع الجينوم البشري والذي رصدت له دائرة الطاقة ودوائر أميركية أُخرى وحكومات العديد من دول العالم الصناعي مبالغ فاقت الثلاث مليارات دولار، لينتهي المشروع في العام 2003 برسم أوّل خريطة مفصّلة للتكوين الجيني للإنسان. الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام معظم التطبيقات الطبية الحديثة التي نراها حولنا الآن من تشخيص وعلاج وغيرها من المساهمات الهامّة في مجال تطوير الصحّة العامة.

بل أنه لدراسة الكمّ الهائل من المعلومات التي عكف عليها علماء الوراثة تمّ التعاون مع مصنّعي أجهزة الحاسوب لتطويرها بحيث تتمكن من الغوص في الحسابات الفلكية المرتبطة بحقائق الجينوم، وهذا ما نتج عنه العديد من المكونات التجارية التي لا تزال تُغرِق أسواقنا كلّ يوم.

لكنّ الأغرب من هذا كلّه أنّه بإمكان علماء الجينات أن يقرأوا تاريخ الشعوب من خلال ما هو مكتوب في التسلسل الجيني للأفراد، وهذا ما سنتناوله في حلقةٍ قادمةٍ بمشيئة الله.

المدير المساعد، المركز العربي للدراسات الجينية