استيقظت أسواق المال العالمية على إفلاس بنك ليمان برازر في سبتمبر 2008 ونامت الأسعار وحجم تعاملات البورصات على خسائر باهظة، وكأنها الشرارة التي فجرت خسائر كارثية في معظم دول العالم، ولكن الأمر ليس كذلك تماماً وإذا كان من السهل على الجميع الإجابة على كيف بدأت الأزمة فإنه من الصعب التثبت بل ومن المستحيل الإجابة على متى ستنتهي وبماذا ستنتهي عليه.
بوادر الأزمة ظهرت منذ عام 2004 حيث أدت الطفرة الكبيرة التي تحققت في عوائد الاستثمارات بالأوراق المالية التقليدية والمشتقات الجديدة إلى زيادة التعامل معها من جانب البنوك والمؤسسات المالية بل والمنافسة عليها كأنه مزاد علني على منح القروض من كل صوب وحدب، مؤسسات وأفراد ودول ناشئة بل وأخرى صناعية. وانفجرت ماسورة ضخ الأموال في مؤسسات الملكية الخاصة وصناديق التحوط وغيرها.ويقول عبد الرحمن عبد الرؤوف إن القروض غير المضمونة التي منحت في سوق التمويل العقاري الاميركي سجلت زيادات مضطردة منذ عام 2004 حيث بلغت 10% تقريباً من القروض مقارنة بنحو 3% عام 2002 فقط واستمرت كذلك لتصل إلى 13% عام 2006 وهي فترة كافية لتدق ناقوس الخطر. وترتب على ذلك أن زاد إجمالي قيمة القروض «Sub prime» عن 600 مليار دولار مما يعني ازدياد درجة المخاطرة عما كان متوقعاً، بل إن متأخراتها زادت عن 20% مقابل 75, 3% بالنسبة لبقية القروض. صاحب ذلك أيضاً ظواهر غريبة رغم أنها كانت تبدو طبقاً لقواعد المنافسة عادية، فعلى سبيل المثال اثنان من
أكبر المقرضين في سوق تمويل العقارات وهما «Fammie Mae» و «Freddie Mac» قدما شروطاً سهلة للمقترضين «Sub prime»......
وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك بالإضافة إلى سهولة الحصول على التمويل اللازم إلى ظهور اقتصاد الفقاعة في أسعار العقارات الاميركية والتي بلغت الذروة عامي 2005 و2006.
هناك أيضاً ما يسمى بالمنتجات المالية والتي تم فيها ضخ المليارات من الدولارات سواء من البنوك الاستثمارية أو صناديق التحوط أو حتى البنوك التجارية، بل إن صناديق التحوط والملكية الخاصة زادت من مستويات التمويل بالاقتراض «Leverage» لدرجة وصلت إلى أكثر من 300% من أصولها (البالغة نحو 5, 2 تريليون دولار آنذاك) للاستثمار في المشتقات المالية وغيرها.
وبالتالي أصبح هناك فيضان من السيولة أضف إليها فوائض أموال الدول النامية ذات الاقتصاديات الناشئة مثل عوائد الدول البترولية التي ضخت إلى الصناديق السيادية وكذلك الاحتياطيات النقدية الناجمة عن اتباع سياسات معينة في سعر صرف والتي قدرت عام 2006 بحوالي 5 تريليونات دولار تقريباً.
مؤسسات التصنيف العالمية والتكالب على الاقتراض يؤكد عبدالرؤوف أن الجميع كان ومازال يعتقد في مؤشرات مؤسسات التصنيف العالمية مثل S&P و Moodyصs، فقد ساهمت هي الأخرى من خلال منح درجات تصنيف ائتمان عالية لبعض المؤسسات في التكالب على الاقتراض ثبت بعد ذلك أن البعض منها كان غير دقيق (فمثلاً قبل سقوط ليمان برازر بأيام منحت S&P البنك تصنيف AAA)،.
وبعد اندلاع الأزمة خفضت أصول بلغت قيمتها 9, 1 تريليون دولار لقروض التمويل العقاري المضمونة بالسندات ولاسيما في الربع الثاني، وبصفة عامة فإن نظام الإقراض المؤثر Systemic Leverage قد أوصل ديون الائتمان الاميركية إلى مستوى 350% من إجمالي الناتج المحلي في حين لم يتعد هذا الدين نسبة 270% أثناء فترة الكساد الكبير في بداية الثلاثينات من القرن الماضي.
كما أن توافر الأموال في الأسواق آنذاك بعضها حقيقي والآخر مدعوم، والمنافسة في الحصول عليها وفيما بينها من خلال إدارتها أدت إلى صراع وكانت مظاهر الصراع واضحة استمرت جولاته حتى نهايات عام 2007 وبدايات عام 2008. وتمثلت في:
نسبة عدم الوفاء بالسداد(Default Rate) في بعض القروض السيئة والتي زادت عن 20% خلال الفترة السابقة مقارنة بنحو 7% عام 2004 وبالتبعية انخفضت في نهاية يوليو 2008 الأسعار.
توقفت بعض البنوك الاستثمارية عن المشاركة في قروض لتمويل مشروعات إعادة الإقراض مثل شراء مؤسسة Sallie Mae بنحو 5, 25 مليار دولار، واكسيوم بنحو 9, 2 مليار دولار.
سقوط بعض صناديق التحوط في صيف عام 2007 فمثلاً اثنان من أهم الصناديق لدى مؤسسة Bear Srearnصs بقيمة 5, 4 مليارات دولار، قد ذهبا مع الريح.
خسائر الأزمة
ويرى عبدالرؤوف أن الجولات الأولى للصراع انتهت بخسائر يراها صندوق النقد الدولي أنها أكبر من الخسائر التي تحققت في جميع الأزمات المالية السابقة، فقد سقطت مؤسسات عملاقة وأخرى كفلتها الحكومة الاميركية مثل شركة التأمين AIG، وبنك Wachowa (أكبر ثالث بنك في اميركا)عندما اشترته مؤسسة Wells Fargo.
وأن الطريق أصبح مفتوحاً لانهيار كامل رغم قيام الحكومة الاميركية بشراء ما قيمته 250 مليار دولار من أصول المؤسسات المالية Equity Steaks منهم ما ترواح ما بين 20 و 25 مليار دولار من أصول بنك اميركا وسيتي جروب و Wells Fargo، و10 مليارات دولار في كل من جولدمان ساكس ومورجان ستانلي، أضف إلى ذلك نحو 700 مليار دولار لشراء أصول مالية أخرى، مع ضمان بعض ديون البنوك وزيادة إيداعات التأمين.... هذا هو الحال في السوق الاميركي الذي صنع الأزمة.
تصدير الأزمة الاميركية والاستجابة الأوروبية
ويؤكد عبدالرؤوف على أن الأزمة مازالت قائمة بالفعل وجار تصدير آثار عدواها وليس أسبابها إلى أوروبا وبقية دول العالم.
ويضيف أن القاعدة الأساسية التي تحكم المعاملات المالية في أوروبا هي نفسها التي توجد في اميركا وظواهرها تتمثل في ارتفاع مستويات الاقتراض، تضخم أسعار العقارات، خسائر كبيرة في المؤسسات المالية، ولاسيما بمدينة المال والأعمال في لندن وغيرها، مثلاً نجد أن نسبة الدين إلى الأصول في أوروبا تزيد عن مثيلتها في أمريكا لتصل إلى 38 مرة.
ويصف عبدالرؤوف الاستجابة الأوروبية لتداعيات الأزمة بالسريعة ففي بريطانيا تم على الفور التدخل السريع من الحكومة بضخ نحو 50 مليار إسترليني لدى بنوك RBS و HBOS و TSB Lloyds فيما يشبه التأميم بالإضافة إلى أكبر مؤسستين للإقراض العقاري وهما Northern Rock و Bradford & Buglry.
أما فرنسا فقامت هي الأخرى ببيع جزء وتأميم الآخر من بنك Fortis الذي يحتل المرتبة الحادية عشر أوروبياً، بالإضافة إلى بنك Dexia، إنشاء صندوق حكومي لشراء القروض من المؤسسات المالية وضمان ديون بنوك بقيمة 435 مليار دولار.
ثم أسبانيا والتي ضمنت هي الأخرى ديون بنكية جديدة بقيمة 136 مليار دولار وتخطط لشراء نحو ماقيمته 68 مليار دولار من أصول بعض البنوك. أما ايسلندا فقد تم أممت تماماً القطاع المصرفي وتقترض حالياً مليارات الدولارات من روسيا وصندوق النقد الدولي وغيرهما.
كما قدمت ألمانيا دعماً لمؤسسة Hypo Real Estate إلى جانب ضمان بعض ديون البنوك بنحو 544 مليار دولار والتخطيط لشراء قروض بقيمة 19 مليار دولار. ولم تتوقف قائمة السقوط عند هذا الحد بل أن العديد من البنوك الأوروبية مؤهلة لمخاطر أكبر ولاسيما تلك التي تزيد فيها معدلات الإقراض، فمثلاُ نجد أن بنك Deutshe وباركليز تزيد فيهما معدلات الإقراض عن بنك سيتي جروب الاميركي إلى ثلاثة أضعاف.
وبصفة عامة يمكن القول إنه تم التحرك من جانب الحكومات الأوروبية والتي رصدت نحو 5, 2 تريليون دولار لضمان ديون بعض البنوك وشراء بعض الأسهمEquity Stakes في المؤسسات المالية، في نفس الوقت تقدمت البنوك المركزية الأوروبية بتقديم تمويل مفتوح بالدولار لتسهيل الإقراض بين البنوك.
ويقول عبدالرؤوف بأن الصدمة الأوروبية تبدو من حيث الكم أكبر من مثيلتها في اميركا بل خسائرها الحالية والقادمة ستزيد مع الوقت وستنتقل إلى بقية دول القارة.
الأسواق الناشئة وصدمة الأزمة
ويتحدث عبدالرؤوف عن أن الصدمة الأولى في الأسواق الناشئة انصبت على البورصات بعد خروج الأموال الساخنة، حيث انخفضت أسعار الأسهم ابتداء من سبتمبر الماضي بنسب تتراوح ما بين 38 إلى 62% مما أثر بدورة على موازناتها ولاسيما تلك الدول التي كانت تعتمد على الاستثمارات الأجنبية لتمويل العجز في حساباتها الجارية (بلغاريا 5, 22% من الناتج المحلي الإجمالي ورومانيا 7, 13%...)، كذلك التي تعتمد على الاقتراض من الخارج لتمويل خطوط ائتمان داخلية.
ويقول إن ذلك تزامن مع انخفاض أسعار العديد من السلع الأساسية والمواد الخام عالمياً والتي يعتمد على عوائدها في معظم الدول الناشئة ومع هذا الانخفاض في الأسعار أصبحت موازنات هذه الدول مهددة بالانفجار وهي أساساَ تعاني من عجز مما يزيد من احتمالات انهيار بعض هذه الاقتصاديات أو على الأقل انخفاض حاد في السيولة وكذلك الاستثمار ومن ثم معدلات النمو وبالتالي ستصبح الخيارات محدودة وأفضلها رفع الضرائب وتقليل الإنفاق العام ومن ثم يأتي الكساد.
الهند وآثار الأزمة
ويصف عبدالرؤوف الهند بكونها ذات طبيعة خاصة فقد اعتمدت على حد قوله خلال السنوات الثماني الماضية في نموها الاقتصادي على التدفقات الاستثمارية الضخمة والتي بلغت عام 2007 نحو 98 مليار دولار الأمر الذي ساعد على وصول معدلات النمو إلى 3, 9% في المتوسط. الهند برأيه ستكافح لتقليل آثار الأزمة من خلال زيادة الطلب المحلي وتقليل الاعتماد على عوائد التصدير ولكن في النهاية ستخفض معدلات النمو بها إلى أقل من 6% سنوياً.
الصين ومقاومة الأزمة
الصين تأتي بعد الهند من حيث قوة المقاومة فيما يتعلق بالأزمة الراهنة كما يرى عبدالرؤوف ويعزو ذلك إلى الآتي:
تكوينها لمخزون احتياطي من تراكم الفوائض في الحساب الجاري بلغ 8, 1 تريليون من العملات الصعبة. انخفاض معدلات الإقراض ومستوى الدين الخارجي حيث لا يزيد الدين الخاص عن 13% والدين الحكومي 33% من الناتج المحلي الإجمالي.
توافر سيولة محلية كافية لدى البنوك.النظام المصرفي يعمل بنظام شديد المحافظة بحيث لا يسمح بمعدلات عالية للإقراض أو إعادة التوريق Securitization.
ويقول عبدالرؤوف إن الصين لم تكن بمنأى عن الأزمة حيث إن حالة الكساد التي بدأت في السريان بأوروبا واميركا سوف تؤثر سلبا على الصادرات الصينية، ويتوقع أن تنخفض الاستثمارات المتجهة إلى الصين، وأن تنكمش توسعات الصين الخارجية في الأعمال.
ويضيف قائلا إن دولاً كثيرة مثل الصين والهند سوف تعتمد في المرحلة القادمة على الطلب المحلي لتعويض انخفاض الطلب الخارجي، إلا أنه يرى بأن الصين تتسم بميزة إضافية وهي أن النمو الاقتصادي السابق خلق طبقة متوسطة ومعها أنماط استهلاكية ترفيهية، كما أن انخفاض معدلات التضخم في الصين ستعطي البنك المركزي الصيني أداة إضافية لتخفيف قيود سياستها النقدية مما قد يضيف ميزة أخرى لصادراتها.
تداعيات الأزمة على منطقة الشرق الأوسط
بالنسبة لدول الشرق الأوسط فإن التأثيرات الحالية من توقف البنوك الأجنبية عن الإقراض Syndicatiَُ وانهيارات في أسواق المال وما ينجم عن ذلك من خفض لمعدلات النمو الاقتصادي فإنها حالياً تبدو متماسكة أملاً في أن تؤدي آثار الأزمة في خفض أسعار بعض السلع الأساسية إلى تقليل معدلات التضخم.
في حين أن صمود بنوكها المحلية بعيدة عن حالات الإفلاس قد يساعد في الاستقرار النسبي ولكنها ستواجه في المرحلة التالية بانخفاض شديد في عوائدها من العملات الأجنبية ومن ثم التأثير على مشروعاتها التنموية، وكذلك التمويل بالعجز من خلال زيادة الدين العام الداخلي.
أسعار النفط وبرامج التنمية
يرى عبدالرحمن عبدالرؤوف أن استمرار انخفاض أسعار البترول في أسواق النفط العالمية إلى ما دون 50 دولارا للبرميل لفترة طويلة سوف يؤدي بالتأكيد إلى الإخلال ببرامج التنمية في بعض الدول البترولية.
وذلك برغم أن بعضها قد أضاف لحصالة المستقبل والمسماة بصناديق الثروة الوطنية نسبة تزيد عن 50% من الزيادات في أسعار البترول خلال السنوات الأخيرة، وأضاف أن هذه الصناديق والتي تمتلك مايزيد عن 5, 1 تريليون دولار هي الأخرى تأثرت بالأزمة المالية العالمية الحالية وبالتأكيد فقد فقدت بعضا من قيمة استثماراتها الخارجية.

