يعيش الشارع الليبي هاجس استلام ثروة النفط التي وعد بها الزعيم الليبي معمر القذافي في منتصف العام الماضي والتي قيل إنها ستكون بواقع 5 آلاف دينار لكل أسرة شهريا وسط مؤيد ومعارض لهذه الثروة.

ففي الوقت الذي يشهد فيه العالم أزمة مالية عصفت بمعظم دوله بما فيها الدول الكبرى معقل الأنظمة الرأسمالية ودعوة الخبراء الاقتصاديين إلى مزيد من تدخل الدولة في الاقتصاد للتعامل مع هذه الأزمة انفردت ليبيا خلال العام 2008 وعبر زعيمها معمر القذافي بالدعوة إلى توزيع عائدات النفط مباشرة على الليبيين، وتفكيك معظم الوزارات مع الإبقاء فقط على أربعة منها: الدفاع والأمن والعدل والخارجية.

وأقدم القذافي على ذلك بعد اتهامات وجهها للجهاز الإداري بالفشل في تنفيذ قرارات الليبيين،معتبرا أن سيطرة الدولة على الاقتصاد نتج عنها سرقات وفساد،وبالتالي طالب بتوزيع ميزانية الدولة مباشرة على العائلات الليبية التي قدرها في حدود 500 ألف عائلة،أو ثلاثة ملايين شخص بالتساوي بواقع خمسة آلاف دينار شهريا لكل عائلة أو بواقع ألف دينار شهريا لكل شخص.

وفيما قلل كبار المسئولين الليبيين من تأثير الأزمة المالية العالمية على اقتصاد بلادهم مبررين ذلك بأن 80% من الاستثمارات الليبية عبارة عن سيولة في الودائع التي لم تتضرر، فيما النسبة المتبقية من الاستثمارات (20%) عبارة عن سندات وأسهم شهدت نوعا من الاختلاف في الأسعار على المستوى العالمي ولكنها لم تسجل في المحصلة أي نوع من الخسارة للأموال الليبية المستثمرة.

غير أن لجنة ليبية عليا تتابع الأزمة المالية الاقتصادية شددت على ضرورة تنويع العملات التي تحتفظ بها ليبيا والتركيز خلال الفترة المقبلة على الاستثمار المباشر في العقارات بالأسواق التي تشهد نوعا من الانخفاض الحاد في أسعارها.

وقررت اللجنة نفسها اتخاذ جملة من الضوابط الخاصة بالاستثمار المباشر تتعلق بالسندات وبشراء الأسهم في بعض المؤسسات العالمية وخاصة الشركات من خلال التركيز على المجالات ذات الجدوى الاقتصادية مثل النفط والعقارات والأدوية وغيرها.

وكانت مصادر مسؤولة بالحكومة الليبية قد أكدت بأنها رصدت مبلغ 150 مليار دينار ليبي (177, 123 مليار دولار) لتغطية برنامجها التنفيذي التنموي للسنوات الخمس المقبلة.

وأشارت المصادر نفسها إلى أن هذا البرنامج الذي سيغطي الفترة من ( 2008 - 2012) يستهدف تحقيق أهداف السياسات والإستراتيجيات العامة في مختلف المجالات الاقتصادية والمالية والاجتماعية ويضمن تحقيق تنمية مستدامة شاملة لكافة قطاعاتها.

وهكذا استمرت الدولة الليبية في إعادة هيكلة الاقتصاد التي تبنتها وعلى تسريع وتيرتها بتطبيق الإصلاحات التي تم اتخاذها في هذا المجال والتي من بينها تشجيع القطاع الأهلي واقتصاد السوق وخصخصة المؤسسات العامة ودفع الشركات والمؤسسات والمصارف إلى دخول سوق الأوراق المالية إلى جانب توسيع تعاونها مع صندوق النقد الدولي وتحقيق تقدم في عملية انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية.

وتقول المصادر الليبية أن التوجه الاقتصادي الجديد يرتكز على محاولة إيجاد موارد دخل جديدة بديلة عن النفط الذي تعتمد عليه البلاد حاليا.

وفي محاولة منها لامتصاص ارتفاع الأسعار الذي شهدته البلاد ومعالجة ارتفاع نسبة التضخم التي وصلت إلى نسبة 7% نتيجة الارتفاع الكبير الذي شهدته أسواق النفط خلال الأشهر الماضية اتخذت الحكومة الليبية سلسلة من الإجراءات هذا العام تمثلت في إلغاء الرسوم الجمركية على كافة واردات البلاد من الخارج، وإعفاء السلع الأساسية التموينية والأدوية ومواد البناء من رسوم خدمات التوريد،إلى جانب تخفيض رسوم التحليل والكشف على السلع الموردة.

وكان تقرير اقتصادي أصدرته وزارة الاقتصاد والتجارة والاستثمار عن حركة الأسعار في السوق الليبي أشار إلى ارتفاع في المستوى العام للأسعار هذا العام، مبينا أنه تم تسجيل ارتفاع في متوسط الأسعار لـ 100 سلعة وبنسبة 87%.

ولدعم تلك الإجراءات الاقتصادية انتهجت ليبيا سياسة جديدة في مجال استكشاف النفط والغاز، تمثلت في التعاقد مع الشركات العاملة في هذا المجال من خلال الإعلان العام عن طرح مناطق مؤهلة بالنفط والغاز في جميع الأحواض الرسوبية الغنية في ليبيا، وذلك في إطار أهدافها بزيادة قدرتها الإنتاجية في هذا المجال.

وكانت ليبيا قد طرحت المناطق المؤهلة بالنفط في جولات إعلانية أربع، تنافست عليها شركات عالمية من كل القارات. وأوضحت مصادر مسئولة بمؤسسة النفط الليبية أن إجمالي المساحات الممنوحة للشركات العاملة داخل ليبيا بلغت حوالي 765 ألف كلم مربع، 78 منها في اليابسة وتبلغ 595 ألف كلم مربع و22% منها في المناطق المغمورة، وتبلغ مساحتها 170 ألف كلم مربع.

وشهدت ليبيا العام الماضي التوقيع على جملة من المشاريع الإستراتيجية مع العديد من الشركات العالمية تجاوزت قيمتها المليارات من الدولارات في إطار إعادة بناء بنيتها التحتية شملت تحديث وبناء مطارات جديدة،ومشاريع إسكانية ضخمة وأساطيل من الطائرات التجارية، وعشرات الموانئ ومد آلاف الكيلومترات من الطرق المختلفة وغيرها من المشاريع.

وحرصت الدول الأوروبية وشركاتها التي تستورد غالبية صادرات ليبيا النفطية خلال هذا العام على توسيع الاستثمارات في مجال الطاقة في ليبيا وتسابقت إلى السوق الليبي للاستفادة من عشرات المشاريع الاقتصادية والنفطية التي شرعت في تنفيذها.

وتحول السوق الليبي إلى سوق رائجة تعج بمختلف الشركات العالمية من أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية للفوز بهذه الغنيمة بعد توجه طرابلس نحو سياسة اقتصاد السوق وإحداث إصلاحات اقتصادية وفتح البلاد على مصراعيها أمام الاستثمارات الأجنبية.

طرابلس ـ سعيد فرحات