شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في نسبة انتشار مرض التوحد ليس في منطقتنا العربية فحسب وإنما على امتداد العالم. وقد ارجع البعض هذا الانتشار إلى عوامل عديدة مرتبطة في جانب كبير منها بمظاهر الحضارة الحديثة مثل تفاقم نسب التلوث الهوائي على امتداد البسيطة والإفراط في تناول بعض الأمصال، في حين ارجع البعض الأمر إلى التقدم العلمي الذي أدى إلى دقة التشخيص مقارنة بالماضي لاسيما في بلدان العالم المتقدم.
هذا الانتشار المخيف للمرض دفع الكثير من الشباب المقبل على الإنجاب في أوروبا وأميركا، حيث انتشر المرض بنسب غير مسبوقة في السنوات الماضية، إلى اللجوء إلى اختبارات ما قبل الولادة للتعرف ما إذا كان الجنين قد يحمل المرض أم لا.
مثل هذه الاختبارات، كما يوضح بحث علمي أوردته شبكة الإذاعة البريطانية مؤخرا، قد فتحت الباب أمام تطوير بعض العقاقير للمرأة الحامل يمكن من خلالها تفادي إصابة المولود بالتوحد في حال وجود البيئة المناسبة لتطور المرض.
غير أن الجهود المبذولة في هذا الصدد قد واجهت تحذيرات كبيرة أطلقها خبراء التوحد في العالم وعلى رأسهم البروفيسور سيمون بارون الذي يطالب بتحري أقصى درجات الحذر عند تناول مثل هذه العقاقير المضادة للتوحد كونها هي واختبارات كشف الإصابة بالتوحد قبل الولادة قد يؤديان إلى فقدان الجنين المهارات والمواهب الحسابية التي يتمتع بها البعض نتيجة أسباب بعضها وراثي.
يقول البروفيسور بارون إن هناك ارتباطا وثيقا بين (الذكور والرياضيات والتوحد). فعلى الرغم من عدم وجود ترابط ظاهري بين هذه الكلمات الثلاث، إلا أن كل منها مرتبط بالآخر بشكل كبير، على حد تعبيره. فالذكور أكثر ميلا من الإناث إلى دراسة الرياضيات.
فقد ذكرت جامعة كامبريدج أن 90% من المتقدمين إليها من الذكور في عام 2008 قد اختاروا دراسات الكمبيوتر والرياضيات، ولم تختلف جامعات أخرى كبيرة مثل أكسفورد وغيرها مع كامبريدج في هذا الصدد. وفي الوقت نفسه فإن الذكور أكثر إصابة بالتوحد من الإناث.
كما تشير أغلب الدراسات العلمية وذلك بنسبة 4 :1. يقول البروفيسور إن مثل هذه العقاقير والاختبارات قد تصل إلى علاج جزئي لمشكلة التوحد ولكنها في الوقت نفسه يمكنها أن تتسبب في إفقاد الجنين القدرات الحسابية التي يشتهر بها الذكور ويتفوقون بها على الإناث.
وفي هذا الصدد يؤكد البروفيسور أنه في حال عدم تحري الدقة في استخدام بعض من هذه الاختبارات والعقاقير فإننا قد نعالج بعض مظاهر التوحد ولكننا في الوقت نفسه نقتل مواهب أخرى لدى الطفل.
ومن المعروف أنه ازداد الاهتمام بتوحد الطفل مع تطور الوضع الصحي عالميا وتجري دراسات وأبحاث لمعرفة أسباب التوحد وخصائصه وتشخيص التوحد لما له من تأثير كبير على نمو وتطور الطفل ومستقبله ولإيجاد طرق علاج ناجحة للتوحد تعتمد على التدخل المبكر في المعالجة لرفع كفاءة الطفل وتمكينه من مواجهة الحياة وتدبر نفسه بالقدر الممكن.
ووصف الطفل الذي يعاني من هذا المرض التطوري بالتوحد لوجود العجز في الاتصال واللعب والارتباط مع الآخرين والقدرة على تعلم المهارات حيث يتصف هؤلاء بالانغلاق والانسحاب وعدم التواصل مع العالم الخارجي. لكن مع تطور أساليب المعالجة وخاصة المبكرة تمكن الخبراء من التخفيف من آثار المرض وتدريب الطفل المصاب على اكتساب المهارات والمعرفة بحيث يستطيع التكيف كراشد في المجتمع مع إمكانية الحصول على وظيفة أو عمل.
في بداية الستينات من هذا القرن عرف العالم كريك مرض التوحد باعتباره أحد أنواع الفصام الذي يتسبب في إعاقة العلاقات الانفعالية مع الآخرين وعدم القدرة على تكوين الشخصية عند الطفل ووضع 9 نقاط لتشخيص التوحد والفصام عند الطفل.
ويعرف البعض التوحد باعتباره احد أمراض الاضطرابات الإنمائية الشاملة وأزمة سلوكية تنتج عن أسباب عدة تتسم بقصور اكتساب مهارات التواصل والعلاقات الاجتماعية، وسلوك نمطي وضعف في مهارات اللعب.
أما الجمعية الأميركية للتوحد فترى أن التوحد عند الطفل إعاقة تطورية تُلاحظ في العجز في التواصل اللفظي وغير اللفظي، وعجز في التفاعل الاجتماعي وتظهر خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل.
وترى منظمة الصحة العالمية انه اضطراب نمائي يظهر في السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل ويؤدي إلى عجز في التحصيل اللغوي واللعب والتواصل الاجتماعي.
ومنذ سنين يراقب العلماء الأطفال المصابين ويرصدون ظهورهم حيث لاحظ بعضهم أن التشخيص غالبا يتم ما بين 18 شهرا و30 شهرا من عمر الطفل وهي الفترة ما بعد إعطاء التطعيم الثلاثي. واتجهت الشكوك بشدة إلى هذا التطعيم ووجدوا أن المادة الحافظة فيه، وهي ثيميراسول الثلاث تحتوي على الزئبق وهو من المعادن الثقيلة التي قد تؤثر سلبا على وظائف الدماغ ويظهر على الطفل كتأخر تطوري ومشاكل سلوكية.
غير أن الحاجة الشديدة لهذا التطعيم الثلاثي الذي يعالج الحصبة والحصبة الألمانية والنكاف قد حالت دون عدم استخدام هذا النوع من التطعيمات. وفي عام 1999 أوقفت ولاية بنسلفانيا الأمريكية استخدام مادة الثيميراسول.وبدأت استخدام التطعيمات الخالية من الزئبق التي تبين أنها لا تؤدي إلى أي اثر سلبي على الوظائف الدماغية.
