الرضاعة الطبيعية بخصائصها المتنوعة وميزاتها العديدة واحدة من أهم الأسرار العظيمة على الصعيد البشري وأعظمها تجدداً وتجلياً عبر السنين، إذ رغم التقدم المتسارع في العلوم الصناعية الطبية لم تظهر أية بدائل مماثلة لحليب الأم ـ أو حتى متقاربة ـ على مستوى الجودة والنوعية أو على مستوى فرادة النتائج والفعالية.
وتتميز الرضاعة الطبيعية، أيضا، بتأثيرها الحاسم والفعّال على صحتي الأم ووليدها ـ على السواء ـ وبتداخلها الحثيث مع جوانب عديدة من مفاعيل حياتهما الصحية خلال فترة الرضاعة وبعدها وفي حياتهما المستقبلية، بشكل مترابط ومتناسق، يتوزع على عدة محطات وجبهات منها ما هو متعلق بالنمو ونوعيته وتطوره ومنها ما هو متعلق بالوقاية من الأمراض والاضطرابات والإشكالات بشكل عام. وحول آثار الرضاعة الطبيعية على صحة الأم يقول الدكتور حسن يوسف حطيط استشاري أمراض الأنسجة والخلايا ورئيس شعبة أمراض الخلايا في هيئة الصحة بدبي: كثرت الدراسات النفسية والطبية التي تناولت آثار الرضاعة الطبيعية على صحة المرأة المرضعة، النفسية منها والجسدية، على عدة صعد وبعدة أشكال، أما الدراسات النفسية.
فلقد تناولت حالات الاسترخاء العصبي والشعور بالنشوة والهناء والسعادة والراحة الجسدية العارمة التي تعيشها المرضعة خلال عملية الرضاعة، كما تناولت حالات التقارب المتبادل والحنان الفياض والترابط العضوي ـ النفسي بين الأم ووليدها الملتصق بكيانها النفسي والجسدي بكل مشاعره وجوارحه.
واستطرد: ظهرت في المدة الأخيرة دراسات طبية جديدة كشفت عن وجود ميزات للرضاعة الطبيعية لم تكن معروفة من قبل وأهمها أنها تساعد على نمو وتطور أنسجة المخ والشبكية بسبب وجود نوع من الأحماض الدهنية غير المشبعة وتزيد معدل الذكاء الكثير من الوظائف الحيوية.
وتساعد على نمو العظام والأسنان وكريات الدم الحمراء، وتساعد على منع انتقال مرض الإيدز من الأم إلى الطفل كما أنها تساعد على مقاومة العدوى إزاء الكثير من الأمراض الجرثومية، وتحمي الطفل من التعرض لمخاطر ارتفاع ضغط الدم.
ويضيف الدكتور حطيط: الرضاعة الطبيعية كانت وستبقى هدية سماوية خالصة تتكشف معالمها وآثارها، يوما بعد يوم، على صعيدي صحة الأم وصحة الطفل وعلى السواء وستظهر، بالتأكيد، علامات جديدة، تواكب تطور العلوم وتقدمها عبر الزمن، لتعرّف الإنسان على عظمة وإعجاز هذه الآية الباهرة من آيات الخالق.
كما ستتجلى جميع جوانب المهمة العظيمة التي أوكلت بها الأم وتحملتها «حملا» و«وضعا» و«إرضاعا» رغم كل الوهن والتعب والآلام والمكاره، لتعطي جنينها ووليدها ورضيعها، بنعمة من الله جل وعلا وببركته، كل الحب والرعاية والعطف والحنان.
مانع طبيعي
من جهة أخرى، تناولت الدراسات الطبية، بشكل خاص، دور الرضاعة الطبيعية في التغيرات والتحولات الجسدية التي تعيشها المرضعة خلال فترة الرضاعة وبعدها،خاصة فيما يتعلق بإفراز هرمون البرولاكتين الذي يعمل كحامل منع طبيعي عبر منع نزول البويضة وتأخير العادة الشهرية، مما يِؤدي إلى إعطاء الأم راحة واستقرارا جسديا وتفرغا كاملا لمهمتها الموكولة بها.
ولقد تناولت بعض الأبحاث أيضا دور الرضاعة الطبيعية في إعادة الرحم وملحقاته إلى حالته الأولى قبل الحمل، ودورها في المساهمة بشكل فعال في سحب الدهون التي يختزنها الجسم خلال فترة الحمل واستعادة المرأة لرشاقتها ونشاطها الطبيعي.
أما أهم الدراسات الطبية على الإطلاق فهي التي تعرضت إلى موضوع العلاقة بين الرضاعة الطبيعية وتدني الإصابة بسرطان الثدي، حيث تبين أن كل سنة إرضاع تمضيها الأم مع رضيعها تقلل من نسبة إصابتها بسرطان الثدي بنحو 3 ,4%، هذا بالإضافة إلى زيادة نسبة 7% وهي النسبة المتمثلة بمعدل تراجع التعرض لسرطان الثدي عند كل أم ولكل طفل تنجبه.
كما ثبت بالمقابل أن نسبة سرطان الثدي تزداد في الحالات التي تنجب فيها المرأة عددا أقل من الأطفال وتقوم بإرضاعهم لفترات قصيرة. وهكذا يتبين أن الأمهات يمكن أن يتجنبن الكثير من المشاكل الصحية وخاصة سرطان الثدي، إذا قمن بإطالة مدة الإرضاع، على عكس ما هو شائع حاليا من تقصير وتحديد لهذه المدة.
الغذاء الأفضل
وتقول إحدى الوثائق الصادرة عن منظمة الصحة العالمية حول آثار الرضاعة الطبيعية على صحة الطفل الرضيع «ليس هناك شيء يماثل حليب ثدي الأم في توفير الغذاء الأفضل والأنسب للطفل الرضيع، وإن حليب الأم فيه من الفوائد الإضافية التي تقوي الجهاز المناعي للرضيع ضد العديد من الأمراض التي يصاب بها الأطفال، وهو نظيف وآمن، ويكون في درجة حرارية مناسبة وغير مكلف، وكل الأمهات تقريبا لديهن ما هو أكثر من كاف لإرضاع أطفالهن».
أما مجلس الصحة العالمي التابع لمنظمة الصحة العالمية، فلقد أقر مؤخرا قرارا يقضي برفع «الفترة النموذجية الدنيا» للرضاعة الطبيعية دون أي مصدر غذائي آخر من أربعة أشهر كما كان في السابق إلى ستة أشهر على الأقل.

