كشفت وثيقة أعدتها الأمانة العامة لاتحاد غرف التجارة والصناعة في الدول العربية تحت عنوان (ماذا يريد مجتمع الأعمال العربي من القمة الاقتصادية العربية) المقبلة والتي ستعقد في الكويت يومي 19 و20 يناير عن توجه لدى جامعة الدول العربية لاعتماد القانون الجمركي الموحد الخاص بدول مجلس التعاون الخليجي كمشروع للقانون الجمركي العربي الموحد على ان يتم تعديله بما يتفق مع ظروف الدول العربية الأعضاء.
وفي الوقت الذي رسمت فيه الوثيقة صورة متشائمة لإمكانية تطبيق الاتحاد الجمركي العربي في موعد أقصاه عام 2015 وفقا لقرارات قمة الرياض عام 2007 فان الوثيقة ترى أهمية التدرج من التكتل الخليجي إلى التكتل العربي الأوسع للوصول إلى السوق العربية المشتركة .
حيث ان التكتل الخليجي هو الان الأكثر تقدما على المستوى التكاملي العربي العام وبالتالي لابد من ان ينظر إليه كهدف استراتيجي مرحلي للتكامل العربي الأوسع لكن توسيع هذا التكتل يتطلب كما أوردت الوثيقة تهيئة الدول المرشحة لذلك مع متطلبات الاندماج مشيرة في ذلك إلى تجربة حديثة لتأهيل اليمن للانضمام إلى هذا التكتل .
والتي تعتبر نقطة تحول مهمة جدا ينبغي دراستها وبحث إمكانيات الاحتذاء بها لتحقيق الانضمام التدريجي لباقي الدول العربية على أساس خصوصيات كل منها، ومع ذلك تشير الوثيقة إلى صعوبات ستواجه الجمع بين الاتحاد الجمركي العربي والسوق الخليجية الموحدة خاصة.
وان الجدار الجمركي الذي إقامته دول الخليج العربية البالغ 5% يعد منخفضا نسبيا بالمقارنة مع مختلف الجدران الجمركية الفردية للدول العربية الأخرى إضافة إلى إشكالية أخرى ستبرز بعد إقامة مناطق للتجارة الحرة بين دول المجلس وعدد من الدول الأخرى ومع الاقتصاديات الناشئة في شرق آسيا مثل الهند والصين.
وترى الوثيقة انه بعد استكمال معظم متطلبات منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى من النواحي الإجرائية والشكلية، تستعد الدول العربية للمضي إلى الخطوة التالية باقامة اتحاد جمركي، وتواجه هذه الجهود العديد من العقبات، خصوصا وان المنطقة ما تزال تواجه عقبات أساسية.
فيما توجد تناقضات عديدة تواجه التطبيق العملي بسبب كثرة وتعدد الالتزامات التي قامت الحكومات العربية بالزام نفسها بها، وبحسب الوثيقة فقد اقر المؤتمر التاسع عشر للقمة العربية المنعقد في الرياض في عام 2007 (الهيكل العام للبرنامج التنفيذي للاتحاد الجمركي العربي).
وكلف المجلس الاقتصادي والاجتماعي بوضع الآليات والبرامج التفضيلية للتطبيق لتحقيق الاتحاد الجمركي في موعد أقصاه عام 2015 ارتكازا على استكمال متطلبات منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وتوحيد التعريفة الجمركية تجاه العالم الخارجي.
وتوحيد الإجراءات الجمركية والوثائق الجمركية المصاحبة لعمليات التبادل التجاري، وتوحيد القوانين الجمركية العربية في إطار قانون جمركي موحد، وهناك توجه لدى جامعة الدول العربية لاعتماد القانون الجمركي الموحد الخاص بدول مجلس التعاون الخليجي كمشروع للقانون الجمركي العربي الموحد، على ان يتم تعديله بما يتفق وظروف الدول العربية الأعضاء.
ويواجه هذا المشروع صعوبات متعددة بسبب وجود مستويين من التكامل التجاري هما السوق الخليجية المشتركة ومنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، إلى جانب التباين في توزيع الموارد والثروات، والتفاوت في درجات ومستويات النمو بين البلاد العربية.
واختلاف القوانين والتشريعات الناظمة للعمليات الإنتاجية والتجارية، مما يشكل معوقات أساسية امام الانتقال إلى مرحلة الاتحاد الجمركي، فهذه المرحلة، بما تنطوي عليه من قانون جمركي موحد وتعريفه جمركية موحدة، تتطلب مستوى متقدما من التهيئة الاقتصادية والتجارية للتعامل مع الالتزامات، بما يحقق مستويات من الفوائد تفوق التكاليف التي يمكن ان تنجم عنها.
كذلك يوجد تفاوت كبير بين الدول العربية في مستوى البيئة الاستثمارية المطلوبة للقطاع الخاص، والتي ترتبط إلى حد كبير بدرجة الانفتاح الاقتصادي المحققة، وما تزال الحاجة كبيرة في عدد من الدول إلى تحرير آليات السوق، خصوصا بالنسبة إلى نظم تحويل العملات الأجنبية.
والسماح للمصارف بالتعامل بالقطع الأجنبي، أو لجهة تنظيم الأسواق المالية الناشئة بما يؤهلها لتعبئة المدخرات وإعادة توجيهها إلى الاستثمار المجدي، وذلك إلى جانب المعوقات البنيوية التي يأتي في مقدمتها ضعف الإنتاجية بصورة عامة، لسبب رئيسي هو استمرار هيمنة القطاع العام على النشاطات الإنتاجية وبطء التقدم بمشاريع الخصخصة التي تفسح المجال للقطاع الخاص لتوسيع دائرة نشاطاته.
وترى أيضا ان تعدد وتضارب الالتزامات التجارية للدول العربية بين بعضها البعض ومع الخارج يشكل معضلة حقيقية امام إقامة الاتحاد الجمركي العربي، وهناك الكثير من التساؤلات بشأن مدى واقعية هذا الطموح، فكيف يمكن بناء جدار جمركي موحد فيما معظم الدول العربية صارت أو بصدد ان تصبح أعضاء في منظمة التجارة العالمية.
وبالتالي سبق لها ان ألزمت نفسها بأمور لا تستطيع التهرب منها على غرار ما تفعل في الاتفاقيات العربية؟ ثم ان عددا من البلاد العربية قد التزم باتفاقيات شراكة مع الاتحاد الأوروبي التي حررت أسواق هذه البلدان جزئيا امام السلع الأوروبية، والتي تقضي نظريا بالوصول إلى منطقة تجارة حرة متوسطية في عام 2010 بما يعني فتح الأسواق العربية بالكامل قبل اكتمال الاتحاد الجمركي بخمس سنوات.
وطرحت الوثيقة تساؤلا عن كيفية الجمع بين الاتحاد الجمركي العربي والسوق الخليجية الموحدة؟ فيما الجدار الجمركي الذي إقامته دول الخليج العربية البالغ نسبة 5% يعد منخفضا نسبيا بالمقارنة مع مختلف الجدران الجمركية الفردية للدول العربية الأخرى.
وذلك إضافة إلى إشكالية أخرى ستبرز بعد إقامة منطقة تجارة حرة بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، والتي يتوقع ان تبصر النور في وقت قريب، إلى جانب التوجهات المعلنة لهذا المجلس أو لدولة بشكل منفرد لإقامة مناطق تجارة حرة مع تركيا ومع الاقتصاديات الصاعدة في شرق آسيا مثل الهند والصين.
وتشير إلى ان هناك تناقضا كبيرا بين الالتزامات التجارية التي ربطت الحكومات العربية نفسها بها إلى درجة بالغة التعقيد، فكل دولة من الدول العربية لديها اتفاقيات مع دول وتكتلات عديدة مما خلق تشابكات وتضاربات في الالتزامات، كما هو بين في الشكل البياني التالي الذي أشبه ما يكون ب(شبكة للأقمار الصناعية) وبين هذه الاتفاقيات اختلافات عديدة، مثل الجداول الجمركية.
وقواعد المنشأ، والمدة الزمنية للتنفيذ، وغيرها من الاختلافات، والتي تمثل بمجموعها وضعا معقدا جدا امام الإدارات الجمركية، حتى ان التعقيد وصل إلى الحد الذي يجعل تخليص المعاملات الجمركية للسلع المشمولة بالاتفاقيات التجارية التفضيلية يأخذ وقتا أطول من التجارة غير الخاضعة لها، مما يؤدي بالتالي إلى زيادة تكاليف التجارة.
وترى ان هذا الواقع تعاني منه مختلف دول العالم خصوصا منها الدول النامية التي يقدر عدد اتفاقيات التجارة الحرة لأي دولة منها بـ 5 اتفاقيات علما ان هذا العدد مرشح للارتفاع لان هناك الكثير من الاتفاقيات الأخرى التي لا تزال قيد التفاوض.
وبالمحصلة، فان هذا الوضع سيخدم أهداف منظمة التجارة العالمية وأهداف الدول القوية الأعضاء فيها، من حيث التأثيرات التراكمية لذلك على النظام التجاري المتعدد الأطراف، والتي ستؤدي إلى تعطيل التفضيل والتمييز التجاري بين الأقاليم، ومما سيوسع فرص التحرير التجاري على المستوى الدولي ويزيد حدة المنافسة ويفتح الأبواب امامها على مصراعيها.
وتعتقد انه ايا تكن الخيارات التي ستأخذها البلاد العربية لما بعد مرحلة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، لابد من ان تكون في المقام الأول واقعية وقابلة للتحقيق، خصوصا وان المجلس الاقتصادي والاجتماعي قد حدد عام 2015 كموعد لتحقيق الاتحاد الجمركي، أي بعد سبع سنوات من الان.
ويأتي ذلك في الوقت الذي لاتزال منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى تعاني من معوقات أساسية تتعلق بالقيود غير الجمركية، والتي صارت تشكل عائقا اكبر من القيود الجمركية التي تم إزالة معظمها، ولاسيما منها الضرائب ذات الأثر المماثل للتعريفة الجمركية وغير المبررة بخدمات فعلية، وعدم التوصل إلى اتفاق بشأن قواعد المنشأ التفصيلية للسلع العربية، والقيود الجائرة على المواصفات.
أبوظبي ـ احمد محسن
