تواجه شركات الوساطة في الأوراق المالية العاملة في مصر سيناريوهات صعبة ومستقبلا مجهولا خلال عام 2009 مع الهبوط الحاد في أحجام التداول بسوق الأسهم المصرية من متوسط يومي تجاوز 2.5 مليار جنيه خلال النصف الأول من عام 2007 إلى متوسط لا يتجاوز 400 ـ 600 مليون جنيه يوميا بسبب الأزمة المالية العالمية.

وظهرت آثار الأزمة المالية وركود الأسواق المتوقع على شركات الوساطة في مصر، حيث أعلنت شركة وديان لتداول الأوراق المالية في الصحف أنها تبحث عن شريك استراتيجي لشراء حصة 40% فيما أعلنت العديد من الشركات عن تخفيض رواتب العاملين بنسب وصلت إلى 20% وفئة أخرى أعلنت عن إغلاق بعض الفروع لها ورابعة عن الاستغناء عن بعض العمالة لديها.

وجاء إعلان شركة فاروس لتداول الأوراق المالية من خلال الصحف عن قيامها بتخفيض العمولات للعملاء خلال عام 2009 كإشارة تنذر بحرب ضروس بين شركات السمسرة المصرية معلنة أو غير معلنة لمحاولة جذب أكبر شرائح من العملاء والمستثمرين.

رؤساء شركات وساطة في الأوراق المالية بالسوق المصرية قالوا ل«البيان» إن الأزمة لا تتمثل في الهبوط الحاد في أحجام التداول وانعكاساتها على إيرادات شركات الوساطة، بل تتمثل الأزمة الحقيقية في التوسعات بل الإفراط في التوسع من قبل تلك الشركات خلال فترة العامين الماضيين خلال فترة رواج البورصات.

وقال عادل عبد الفتاح رئيس مجلس إدارة شركة ثمار للوساطة في الأوراق المالية إن العديد من الشركات العاملة في مصر قامت خلال العامين الأخيرين بمضاعفة عدد فروعها، وصل إلى حد قيام الشركة التي كانت تملك فرعا أو فرعين إلى زيادتها إلى أكثر من 20 فرعا وهو ما صاحبه بمضاعفة أحجام العمالة بنحو خمسة أو ستة أضعاف في الشركة الواحدة.

وأضاف أن كل هذا حمل شركات الوساطة العاملة في البورصة المصرية أعباء مالية ضخمة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن نشاط السوق في تلك الفترة كان يغطي تلك النفقات والتكاليف الإضافية، لافتا إلى أن متوسط أحجام التداول بشركات الوساطة المتوسطة كان وقت رواج البورصة يصل إلى نحو من 50 إلى 70 مليون جنيه يوميا بينما لا يصل الآن إلى 5 ملايين جنيه.

وأشار إلى أن الشركات بدأت تواجه ظاهرة فقدان العملاء بعد الخسائر الكبيرة التي لحقت بمحافظهم وترك بعضهم مجال الاستثمار في البورصة، كما أن الشركات بدأت تدخل في منافسات حادة لاستقطاب العملاء أو حتى الحفاظ على عملائها بما دفع بعض الشركات للإعلان عن تخفيضات علنية للعمولات أو منح تسهيلات ائتمانية للعملاء.

ورأى محمد عبد القوي خبير أسواق المال إن شركات الوساطة في الأوراق المالية أفرطت في التوسعات خلال السنوات الثلاث الماضية مما كلفها أعباء مالية ضخمة، مشيرا إلى أنها لم تتعلم من التجارب الماضية خاصة وقت ركود البورصة في الفترة من 1998 وحتى 2002 والتي شهدت غيابا لشركات كانت كبرى، وتراجع أخرى.

وتوقع أن تشهد الفترة المقبلة نفس هذا السيناريو واختفاء شركات موجودة في السوق حاليا ربما لا تقدر على الصمود في وجه الركود الذي تشهده أسواق المال في العامين الماضيين إذا حصل. وقال: إن ظاهرة إعلان الكثير من أصحاب الشركات عن رغبتهم بيع شركاتهم أو حصص منها ربما ستكون ظاهرة يتسع مجالها خلال العام المقبل أو النصف الثاني من العام الحالي وهو ما بدأ يظهر بالفعل في الأيام الماضية مع إعلان بعض الشركات عن بيع حصص من شركاتهم أو كل 100 في 100 منها في حال وجود عروض جدية مرضية.

وتابع: إن العديد من شركات الوساطة المصرية تكبدت خسائر مباشرة خلال العام الماضي بسبب اندثار محافظ العملاء وعدم قدرتهم على رد الائتمان الذي حصلوا عليه من شركات السمسرة حتى بعد تصفية محافظهم، مما اضطر الشركات الى تحمل تلك الخسائر في كثير من الأحيان.

ونوه بأن الفترة المقبلة قد تشهد عمليات استحواذ واندماجات واسعة بين شركات الوساطة وهو ما ظهر بالفعل خلال العام الماضي مع استحواذ شركة بايونيرز على شركتي بريزما ومصر للسمسرة وكذلك استحواذ بلتون على أوبليسك للسمسرة وثمار للوساطة على العربية للوساطة والنعيم على عربية أونلاين وبنك الاتحاد الوطني على ليدرز للسمسرة والعديد من عمليات الاستحواذ والاندماج قادم في الطريق خلال 2009.

وتعمل بالبورصة المصرية نحو 143 شركة وساطة في الأوراق المالية منها نحو 21 شركة جديدة حصلت على تراخيص جديدة في العام الماضي وحده. من جانبه، أكد عمرو مصطفى العضو المنتدب لشركة التجاري الدولي للسمسرة أن الأزمة المالية العالمية ألقت بظلالها على جميع شركات السمسرة وإيراداتها خاصة أن جميع الأسواق قد تأثرت بالفعل خلال الأشهر الماضية.

وأشار إلى أن عمليات التأثير امتدت إلى عمليات التطوير الخاصة بشركته على سبيل المثال والتي كانت تتضمن التوسع في دول الخليج عن طريق شركة ص التي تمتلكها الشركة مع شركة قابضة تضم حكومتي عمان والإمارات.

ولفت إلى أن التوقعات المستقبلية للأرباح هو الأمر الذي يستحق الانتباه له وإعادة صياغة مخططات الشركات تجاهه، لافتا إلى أن شركات السمسرة الكبيرة هي وحدها التي تستطيع التصدي للأزمة العالمية وان السوق المصري لا يتحمل وجود 150 شركة سمسرة داعيا إلى حدوث اندماجات بين الشركات الصغيرة لتستطيع عبور الأزمة بدلا من الإفلاس أو الإغلاق.

وتوقع أن تشهد نتائج أعمال شركات السمسرة السنوية التي سيتم الإعلان عنها في الأسابيع المقبلة تراجعا كبيرا في أرباحها وذلك بسبب تراجع أعمالها بصورة كبيرة خلال النصف الثاني من العام الحالي نتيجة الأزمة العالمية وتراجع البورصة المصرية والبورصات العالمية.

وأكد أن شركات السمسرة تعرضت لخسائر كبيرة خلال الفترة الأخيرة خاصة أن العديد من شركات السمسرة فقدت العديد من عملائها بعد إفلاسهم وخروجهم من البورصة بالإضافة إلى أن هناك عملاء أصبحت حساباتهم مدينة للشركات ولا يوجد لديهم أموال لسداد مديونياتهم مما قد يعرض بعض شركات السمسرة الصغيرة للإفلاس.

وقال مصطفى الأشقر محلل أسواق المال إن نتائج أعمال شركات السمسرة عن عام 2008 ستكون غير متوقعة فالعديد من شركات السمسرة الصغيرة سوف تفلس خاصة وأن لديها حسابات مكشوفة للعديد من عملاء أفلسوا مشيرا إلى أن الشركات الكبرى أيضا سوف تتراجع أرباحها بصورة كبيرة خاصة وأن حجم أعمال هذه الشركات تراجع وانخفض إلى أدنى مستوى، والعديد من الشركات دخلها لا يكفي ما يتم دفعه لمرتبات الموظفين.

وأشار إلى أن شركات السمسرة حاليا في وضع لا تحسد عليه فجميع خططها التوسعية توقفت وعام 2009 سيكون الأسوأ بالنسبة لها فهي لا تعرف إلى أين تسير وماذا سيحدث لها خلال الفترة المقبلة، خاصة وأن الأوضاع في البورصة غير مستقرة حاليا وبالتالي فجميع أعمالها سوف تتراجع في ظل ابتعاد العديد من المستثمرين عن الاستثمار في البورصة بعد إفلاس بعضهم وتعرض بعضهم لخسائر كبيرة.

وقال إن شركات السمسرة الكبرى ستكون الخاسر الأكبر من تراجع البورصة والأزمة العالمية فهذه الشركات أعمالها تراجعت بصورة كبيرة ومحافظها الاستثمارية تعرضت لخسائر كبيرة جدا وصناديق الاستثمار التي تديرها تعرضت لخسائر أيضا مما سينعكس على نتائج أعمالها خلال عام 2008.

واعتبر أن خسائر شركات السمسرة ليست خسائر مادية فقط ولكن هناك خسائر أخرى، منها أنها فقدت عملاء مهمين من الصعب تعويضهم مرة أخرى خاصة أن خسائر هؤلاء العملاء ضخمة وتصل إلى 80 في المئة من محافظهم، مشيرا إلى أن خسائر شركات السمسرة ليست في مصر فقط، فالشركات الكبرى لها فروع ومكاتب في بعض الدول العربية والتي لم تفلت من الأزمة العالمية وبورصاتها فقدت أكثر من 50% من قيمتها السوقية وبالتالي فعوائد شركات السمسرة المصرية التي لها فروع في الدول العربية سوف تتراجع بصورة كبيرة.

وأشار إلى أن خسائر تلك الشركات تمتد إلى شركات السمسرة التي يتم التداول على أسهمها بالبورصة المصرية والتي سجلت انخفاضات حادة خلال الشهور الماضية أفقدتها ما بين 60 إلى 80 في المئة من قيمتها السوقية حيث هبط سعر سهم المجموعة المالية هيرميس من نحو 70 جنيها إلى 16 جنيها والنعيم من 2.5 دولار إلى نحو 40 سنتا وبايونيرز من نحو 30 جنيها إلى 6 جنيهات وبرايم من 15 جنيها إلى 5 جنيهات.

القاهرة ـ محسن محمود