لا شك أن ما حملته الأيام الماضية من بشرى سعيدة لمرضى الإيدز هو أمر يستحق الاهتمام لاسيما في ظل النتائج المبهرة التي تحققت بعد أن استعصى الأمر على الأطباء منذ أن ظهر هذا المرض اللعين. وقد حظي الأسلوب الذي تم بفضله شفاء المريض باهتمام بالغ خلال الأسابيع الماضية منذ أن تأكدت عملية الشفاء.

هذا الاهتمام ظهر في صورة مقالات طبية متعددة ركزت على الأساليب المتبعة في زرع النخاع، وهي الطريقة التي تم من خلالها علاج المريض. قصة الشفاء بدأت عندما اتضح من الفحوص التي أجريت لرجل أميركي مصاب بفيروس نقص المناعة المكتسبة انه خال من الفيروس بعد مرور عشرين شهرا على تعرضه لعملية زرع للنخاع حصل عليه من شخص مقاوم وراثيا للمرض..

وبينما حذر بعض الباحثين من التفاؤل المفرط فإن البعض الآخر يعتقد أن هذه التجربة قد تشجع على زيادة الاهتمام بالعلاج الجيني من المرض الذي يودي بحياة مليوني شخص سنويا. وقال د جيرو هيتر ان مريضه البالغ من العمر 42 عاما وهو أميركي يعيش في برلين قد أصيب بفيروس (ايتش أي في) قبل عقد من الزمان.

وكان المريض المذكور مصابا بمرض سرطان الدم وهو ما تطلب علاجه بزراعة النخاع. وعلق الدكتور أندرو بادلي مدير مختبر أبحاث المناعة والاتش.آي.في. في مركز مايو كلينيك الطبي الأميركي انه يعتقد أن الفحوص التي أجريت للمريض ربما لم تكن شاملة بما فيه الكفاية.

وقال البروفيسور أندرو سيويل من قسم التطبيقات الطبية للكيمياء الحيوية في جامعة كارديف إن أسلوب زرع النخاع يجب أن يحقق نتائج، واستغرب عدم تجربته على نطاق واسع حتى الآن. وأضاف سيويل: «ربما كان السبب أن معظم المصابين بالمرض يعيشون في إفريقيا، جنوب الصحراء، وهذه العملية مكلفة، مما يجعلها امتيازا لعدد قليل من الناس.

هذا التطور الطبي فتح الباب أمام دراسات عديدة تناولت بشكل مفصل أساليب زرع النخاع والفوائد المرجوة منها. وسنحاول خلال السطور التالية تلخيص أهم ما جاء في هذه الدراسات حتى تتضح الصورة أمام القارئ فيما يتعلق بفرص نجاح مثل هذه العمليات مستقبلا.

مصنع الكريات البيضاء

في البداية يتبين أن النخاع العظمي هو المصنع المسؤول عن تصنيع كرات الدم البيضاء، وكرات الدم الحمراء، والصفائح الدموية. وتوجد خلايا النخاع في تجاويف العظام.

ويتم نقل خلايا النخاع للمريض عن طريق الوريد في يوم الحصول عليها من المتبرع، حيث يتم فصل خلايا النخاع من المريض وحفظها بالتبريد حتى يحين إعطاؤه العلاج الكيميائي المكثف ثم يستعيد خلاياه مرة أخرى لتقيه من مضاعفات العلاج الكيميائي المكثف.

ويتم اختيار مريض زرع النخاع بحسب مدى استجابة الخلايا السرطانية للعلاج الكيميائي الأولي.

في بعض أنواع السرطان إذا كانت استجابة المريض للعلاج الكيميائي الأولي جيدة، ولكن هناك شكا في وجود فرصة كبيرة لبقاء عدد قليل من الخلايا السرطانية قد يسبب ارتجاعاً للمرض، فإن زرع النخاع ربما يتيح فرصة أكبر للشفاء ولكن إذا كانت الخلايا السرطانية المراد قتلها غير حساسة للعلاج الكيميائي المكثف، فإن زرع النخاع لا يناسب هذا المريض الذي لا يجب أن يزيد عمره على 45 سنة حيث تزداد مضاعفات زرع النخاع نسبياً بعد هذا العمر.

عملية الزرع

ثمة خطوات معينة تجري من خلالها عملية الزرع تتمثل في التالي: تركيب قسطرة وريدية مركزية -هيكمان- لتسهيل إعطاء المحاليل والدم ومكوناته والمضادات الحيوية وأي علاج عن طريق الوريد. ويتم تركيبها عن طريق فتحة صغيرة تفتح في جدار الصدر ويتم إدخالها في الوريد العنقي الأيمن المؤدي للأذين الأيمن.

القضاء على الخلايا السرطانية بقدر المستطاع عن طريق العلاج الكيميائي والعلاج بالإشعاع، والأفضل أن يكون المريض وقت الزرع في مرحلة الاستقرار الكامل الأول للمرض، حيث يزيد هذا من فرص نجاح زرع النخاع.

يتم عزل المريض في حجرة معقمة بحيث يعطى العلاج المكثف للقضاء على أي خلايا سرطانية متبقية. وقد يصحب هذا العلاج الكيميائي في بعض الحالات إشعاع جسدي كامل. وهذا العلاج المكثف يقوم بالقضاء على النخاع السليم. وهذه المرحلة عادة ما تستغرق أياما قليلة -3-6 أيام- يشعر فيها المريض بالغثيان والقيء.

تجمع خلايا النخاع من المتبرع عن طريق أجهزة فصل مكونات الدم ثم إعطاؤها للمريض في وريد مركزي مثل نقل الدم.

الخطوة الخامسة تستمر بضعة أسابيع - تلزم لاستقرار خلايا النخاع المنقولة من المتبرع في عظام المريض لتبدأ تصنيع خلايا الدم البيضاء والحمراء والصفائح الدموية- ويعالج المريض في هذه الفترة بالمضادات الحيوية حيث تقل مقاومة الجسم للعدوى نتيجة استخدام مثبطات المناعة - لمنع طرد النخاع المنقول للمريض- كما يحتاج المريض لنقل الدم والصفائح الدموية.

تعقيم شامل

هناك أساليب معينة يجب التعامل مع المريض من خلالها تتمثل في النقاط التالية:

تعقيم الأيدي والأذرع قبل الدخول للمريض

ارتداء قناع للوجه وغطاء للرأس وجاون تعقيم قبل الدخول للمريض

تعقيم ملابس ومستلزمات المريض

تعقيم المأكولات والمشروبات التي يتناولها المريض

العناية الشديدة بالقساطر الوريدية المركزية

منع الزيارة نهائياً عن المريض

النظافة والتعقيم الكامل للمركز بصفة مستمرة

عودة تلزم متابعة المريض ما بعد الخروج من مركز زرع النخاع بصورة دورية مستمرة مع عمل الفحوصات والتحاليل والأشعات اللازمة له، كما يستمر المريض في تلقي جرعات منتظمة من أدوية مختلفة للتقليل من نسبة حدوث العدوى والطرد العكسي للنخاع وهذه الجرعات تلاحظ بانتظام، وتعدل تبعاً لتحاليل الدم المختلفة، وربما يحتاج المريض لنقل دم أو صفائح دموية من حين لآخر وقد تستلزم حالته حجزه بالمستشفى مرة أخرى.

معلومات

مراحل زراعة نخاع العظم؟

1. مرحلة التحضير: ويتم خلالها إجراء الفحوصات اللازمة قبل زراعة النخاع العظمي مثل:

* الفحص السريري

* تخطيط القلب

* صور الأشعة

* فحص وظائف الرئة

* فحص الأسنان

*التأكد من وجود متبرع

* وضع القسطرة الوريدية: وهي ضرورية من أجل إعطاء العلاج والسوائل والدم والخلايا الجذعية ومن أجل أخذ عينات الدم دون أي ألم.

* عينات الدم: من أجل إجراء الفحوصات المخبرية المختلفة.

2. مرحلة العلاج: وفيها يتم إعطاء المريض العلاج الكيماوي والذي يعمل على التخلص من الخلايا المرضية. ويتم إعطاء المريض بعض الأدوية التي تمنع الفطريات وأخرى مخفضة للمناعة تساعد على تقبل الخلايا الجذعية وتقلل من الرفض.

3. يوم الزراعة: وفيه يتم نقل الخلايا التي جمعت مسبقاً وإعطاؤها للمريض عن طريق القسطرة الوريدية حيث تدخل إلى الدورة الدموية ثم تتوجه هذه الخلايا إلى العظم وتستقر هناك.

4. مرحلة ما بعد الزراعة:

والتي يحدث فيها ما يلي:

* انزراع الخلايا والبدء بانقسامها وتكاثرها والتي تؤدي إلى ظهور الخلايا الجديدة في الدورة الدموية خلال أسبوعين أو 3 أسابيع حسب تقبل جسم المريض.

* إعطاء المريض الأدوية التي تعمل على تنشيط الخلايا الجذعية وتسريع تكاثرها.

* إجراء فحوصات الدم اليومية وإجراء ما يلزم بناء على نتائجها.

* مراقبة الأعراض الجانبية للأدوية

*مراقبة مضاعفات زراعة نخاع العظم.