البروفسور كارل ف. أيغنر الذي عاش منذ الثمانينيات تجربة قريبة بحكم عمله مع هذا المرض، قرر التمرد على الخوف منه ومواجهته بشجاعة وعناد، ليصل إلى نتائج مذهلة باعتراف الجميع.

ويصف البروفيسور أيغنر بداية بحثه عن علاجات ذكية للسرطان: كان الحقن الكيماوي لكامل الجسم المصاب بالسرطان ولا يزال الحل الأكثر شيوعا في عالمنا، وغالبا ما كان المريض يعود بعد بضعة أشهر أسوأ من ذي قبل، ليلفظ أنفاسه الأخيرة أمام عيون الأطباء بعد أن يستشري الورم فيه.

ويتابع: يعود الفضل في ما توصلت إليه من تقنيات إلى العام 1980 عندما جاء أحد المرضى الذين تلقوا العلاج الكيماوي لعلاج سرطان الطحال، برفقة ابنتيه اللتين كانتا بعمر طفلتي، وكانتا تنتحبان على مصير والدهما الذي أتى إلى المستشفى مدركا بأنها النهاية.

وأضاف: انكفأت على نفسي في المختبر لأشهر، فخرجت بحل عملي هو حقن الأجزاء المصابة بالأورام بعد عزل الدورة الدموية عنها، لكي نتجنب انتشار المادة الكيماوية في بقية أعضاء الجسم السليمة، ولنضمن وصول جرعة مركزة من العلاج إلى المنطقة المصابة فقط.

وفعلا قام البروفيسور بأول عملية حقن كيماوي مركزة في 1981 مسجلا براءصة الاختراع باسمه في وطنه ألمانيا، واستدعته جهات كثيرة في ألمانيا وأميركا ليدرب الأطباء على هذه التقنية التي تحتاج خبرة في الريديولوجي أيضا، هو يدرسها إلى الآن في جامعة غيسثن الألمانية قرب مدينة فرانكفورت.

والمدهش أن أطباء مشهورين لم ينجحوا في إجراء عمليات مماثلة إلا بعد مرور 18 عاما بعد أول عملية أجراها آيغنر.

وقال آيغنر الذي يتبع تقنيات عزل الأعضاء المصابة بأورام سرطانية: لقد توصلت إلى تقنيات كثيرة لعزل أعضاء مختلفة من الجسم، كالثدي والطحال وحتى البروستاتا والمعدة والبنكرياس واللسان وحتى الرأس، وتصل نسب النجاح في هذه العمليات إلى 83% بمعنى أن المرضى الذين تم علاجهم في عياداتنا لم يعانوا من أي أورام سرطانية بعدها.

وعندما سألناه عن سبب انحسار صيت أساليب علاجه رغم أهميتها لآلاف المرضى حول العالم قال: أنا لست شركة، بل مجرد طبيب يريد مساعدة الآخرين وتجنيبهم الموت قدر المستطاع، ولن أدعي بأنني لم أحاول نشر فكرتي في كل مكان، لكنني جوبهت دائما بالتجاهل لأن شركات الأدوية التي تبيع كميات مهولة من العلاج الكيماوي ستخسر الكثير بسببي، إلى جانب أن كلفة عملياتي تصل إلى نصف كلفة العمليات التقليدية، وهذا ليس نوعا من الترويج بل حقيقة أعتز بذكرها.

وأشار إلى أن المعالجة الكيميائية الموضعية محدودة المكان تعني التطبيق الموضعي للمعالجات الكيمائية وذلك لمعالجة السرطان، وإن الدواء الذي من المفترض منه تدمير الخلايا المصابة بالورم يتم إيصاله إلى الورم عن طريق الشريان الذي يغذي الورم والأنسجة المحيطة والغدد اللمفاوية.

وبما أن أغلب الأورام مقاومة للأدوية ولا تستجيب للكميات القليلة من الدواء فبواسطة تسريب المعالجات الكيماوية داخل الشريان يتم إنتاج تركيز أعلى في مكان الورم وبذلك ستظهر استجابة أفضل مكان الورم حتى أنه يتوقع زواله.

ووفق الميزة الإضافية للتطبيق المحلي للمعالجات الكيميائية، تدعى (المعالجة الكيميائية الموضعية RCT) فإن المنطقة المصابة بالورم ستخضع لكميات كبيرة من الدواء بينما بقية الأعضاء ستخضع لكميات قليلة من الدواء السام الذي سيخرج عن طريق الوريد ويعود لمكان الورم، بكلمات أخرى سيعالج بتراكيز أكبر وأكثر سمية من المعالجات التقليدية ومن باقي الأعضاء ولذلك المعالجة الكيماوية موضعية أفضل احتمالاً من المعالجة الكيميائية الجهازية (التي توجه لكل الجسم).

ورداً على سؤال عن الفائدة من ذلك بالنسبة لتحجيم الأورام غير القابلة للمعالجة جراحياً قال إن الفائدة أنها تحرض وتسرع وبشكل مركز على تصغير حجم الورم، هذا المفهوم العلاجي يدعى (Neoadjuvant) أو المعالج المحرض. أي أن الأورام غير القابلة للمعالجة جراحياً تصبح بهذه الطريقة قابلة للمعالجة جراحياً بعد انكماشها.

وبين أن المعالجة الكيميائية الجهازية تعني حقن أدوية السرطان السامة في الوريد وذلك حتى ينتشر في العضوية كلها بوساطة هذه العملية ينحل الدواء بدم المريض والذي يتراوح بين 5 - 7 لتر، وبسبب هذا الانحلال تذهب كمية قليلة من هذا الدواء إلى الخلايا لتصل إلى الورم الخبيث، أما باقي الدواء فيسمم المريض ليس إلا، ولا يستطيع في معظم الحالات التأثير بالورم أو في الحد من نموه وانتقالاته الثانوية.

وحول الفرق بين طريقة الحقن الكيماوي الموضعي والكيماوي قال كارل ف. آغنر إن الفرق ببساطة هو زيادة الفعالية عن طريق إعطاء الدواء بطريقة أفضل، منذ بداية تطبيق العلاج الكيماوي الموضعي على الورم لم يتمكن الأطباء من تدمير الورم بزيادة الجرعة المطبقة عليه.

وأوضح أن التشريب داخل الشريان بواسطة القسطرة وذلك من خلال الشريان الفخدي الموجود في الناحية الأربية (المنطقة الأمامية من أعلى الفخذ) ومن ثم إلى مكان الورم من خلال الشريان الذي يصل إليه، أو الزرع الجراحي وما يدعى القثطرة الدائمة التي تبقى في المكان نفسه والتي تم تطويرها.

وأشار إلى أن التقنيات تحث على إنتاج كميات دواء موضعية عالية وتسمح لاستجابة موضعية أفضل من قبل الورم وفي كل الحالات لا تعتبر القثطرة الشريانية وحدها كافية لذلك تم تطوير تقنيات جديدة تمكن من عزل أجزاء من الجسم أو من العضو.

وأشار البروفيسور إلى أن العلاج بعزل الأعضاء ليس مفهوما جديدا فقد أجرى البروفسور E-T.Krementz وفريقه تقنية العزل بالتشريب وعزل برجل بأكملها مصابة بالورم القتاميني وكان منتشراً في أنحاء الرجل والتي تم إجراؤها في جامعة تولان الطبية في نيو أورلينز في عام 1956 من قبل.

في الصميم

25% من المرضى يودعن سرطان الثدي

أكد البروفيسور كارل أنه لا يجب استئصال الأعضاء المصابة، فالمعالجة الكيماوية الموضعية لسرطان الثدي لها فائدة كبيرة وخاصة لإزالة الورم بشكل سليم كما أنها ترفع جودة الحياة ونوعيتها وذلك مع الاستمرار بالمعالجة الكيميائية الموضعية لسرطان الثدي.

ومن الظواهر التي يسببها الورم ظهور كتلة في الثدي تكتشفه المريضة بنفسها وعادةً تكون الكتلة غير مؤلمة تتطور إلى سيلان دموي أو مصلي من الحلمة، ثم إنكماش في الجلد ويصبح فوق الورم يشبه قشر البرتقال، وتضخم الغدد الليمفاوية (العقد) وخاصة تحت الإبط.

وقد اختفى سرطان الثدي بشكل كامل عند 25% من المرضى بدون ظهور أمراض أخرى، ولم تعان المريضات من تساقط الشعر ولم تضطر أي منهن إلى استئصال الثدي، بل إن 83% منهن لم يشتكين من ظهور أي مرض بعد 17 سنة من تطبيق العلاج ولم تظهر أي علامات للتعب أو عدم استقرار في حياتهن أو أي أعراض جانبية.

دبي ـ محمد بيضا