تراجعت القيمة السوقية للبورصات العالمية بمقدار 29 تريليون دولار خلال 2008 حيث بلغت 9. 31 تريليوناً مقارنة ب9. 60 تريليون في نهاية 2007. وعلى عكس السنوات الخمس الأخيرة سجلت القيمة السوقية تراجعاً في العام الماضي بنسبة 6. 47%.
ووفقاً لبيانات صادرة عن «بلومبيرغ» فقد شهد مؤشر الأسواق نمواً متواصلاً خلال الفترة المذكورة حيث ارتفع من 5. 30 تريليون دولار في 2003 إلى 8. 35 تريليوناً في 2004 ثم قفز إلى 9. 40 تريليوناً في العام التالي قبل أن يصل إلى مستوى 50 تريليوناً في 2006.وجعلت أسوأ أزمة مالية منذ 80 عاما والتي أثارتها أزمة الرهون العقارية عالية المخاطر في الولايات المتحدة من 2008 العام الأسوأ بالنسبة للمستثمرين إذ أصاب الكساد كافة قطاعات الاقتصاد العالمي. ولم تترك الخسائر قطاعاً أو سوقاً إلا وأحدثت فيه أثراً مباشراً الأمر الذي أصاب المستثمرين بالهلع وأثار موجة من الشكوك حول مستقبل الاقتصاد العالمي خصوصاً بعد أن تمكنت الأزمة من قطاعات الاقتصاد الحقيقي واخترقتها بقوة.
أكبر الخاسرين : وكانت أسواق الأسهم الصينية من أكبر الخاسرين حيث تراجع المؤشر الرئيسي بنسبة 5. 65% على مدار السنة مما جعل من الصين التي كانت تصر الدوائر المسؤولة فيها على أنها بعيدة عن الأزمة واحدة من أكثر البلدان تأثراً. وقال مايكل هيفرنان من اوستوك جروب في النمسا «كان عاما صادما لم يترك شيئاً في مذبحة الأسواق». وبالنسبة لكل الأسواق كانت الأضرار هي الأسوأ. وقال اتحاد البورصات العالمي الذي يراقب 53 اقتصادا ناشئا إن نصف القيمة السوقية تبخرت في نهاية نوفمبر. وأحدثت الأزمة كذلك تغييرات جذرية على الساحة المالية فانهار بنك بير شتيرنز وبنك ليمان براذرز وتحملت العديد من البنوك الأخرى خسائر كبيرة وتجمد النظام الائتماني الذي يبقي على حركة الاقتصاد العالمي.
وخسر مؤشر ستاندارد أند بورز الأميركي نحو 40% من قيمته وهو اكبر انخفاض سنوي له منذ عام 1931 خلال الكساد العالمي عندما انخفض 1. 47%. ومازال ضحايا الأزمة يسقطون بإعلانات يومية تقريبا عن خسائر شركات وفقد وظائف وتهاوي أسعار أصول من سيارات الى منازل. وأشارت أحدث بيانات إلى انخفاض أسعار المنازل الأميركية بنسبة 18% وان ثقة المستهلكين سجلت أدنى مستوياتها.
لكن مع خفض البنوك المركزية لأسعار الفائدة لدعم النمو وضخ الحكومات المال في النظام يرى بعض المستثمرين دلائل ايجابية في عام 2009. وقال مايك لينهوف كبير المحللين في بروين دولفين «أعتقد أن الوضع سيتحسن بعض الشيء في العام الجديد ثم يستقر لفترة.
صناع القرار في العالم يبذلون ما في وسعهم». وأكد البنك المركزي الصيني انه سيطبق سياسة نقدية أكثر تساهلا في إطار سعيه لدعم النمو الذي كان ذات يوم أسرع نمو في العالم. وتوقع بعض الاقتصاديين نموا بمعدل 5% المقبل وهو سيكون الأدنى في الصين منذ نحو 20 عاما. وخفض بنك الصين المركزي أسعار الفائدة خمس مرات منذ منتصف سبتمبر الماضي.
وفي معرض توقعاتها للعام الميلادي الجديد قالت صحيفة فاينانشيال تايمز إن مرحلة الكساد في عام 2009 ستبقى قائمة على الأقل بالنسبة لكل من أسبانيا وإيرلندا. لكنها قد تنتهي بالنسبة لاقتصاديات أوروبية أخرى بالإضافة إلى اليابان. لكن أيا كانت المحصلة فإن عام 2009 لن يكون عاما سارا.
فبالرغم من التخفيضات في أسعار الفائدة والضرائب ستظل البطالة هي العنصر الطاغي خلال النصف الأول من العام. كما أن عدم الاستقرار سيبقى شعار المرحلة جاعلا من أي توقعات موضع شك غير أن ثمة فرصة كبيرة بأن تصبح الدخول المتزايدة قوة مؤثرة في الاقتصادات القارية الأوروبية واليابانية في وقت لاحق من العام. وبالنسبة للاقتصادات التي تحتاج لزيادة أكبر في معدلات مدخرات الأفراد لمواجهة الكساد فإن استعادتها لعافيتها سيتطلب وقتا.
خطط التحفيز
وبدأت أسواق الائتمان العالمية تظهر بعض الدلائل على التحسن لكن البنوك ظلت محجمة عن إقراض الشركات والمستهلكين خوفا من قروض معدومة مع تدهور أحوال الاقتصاد. ويقول الخبراء إن خطط التحفيز الحكومية وعمليات إنقاذ الشركات وخفض الفائدة تحتاج لوقت لتؤتي ثمارها ونتائجها الكاملة مازالت محل نقاش من جانب المحللين والاقتصاديين.
وقال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إن فرنسا مستعدة لضخ مزيد من المساعدة في الاقتصاد إضافة إلى حزمة تحفيز أعلنت بالفعل قيمتها 26 مليار يورو (4. 36 مليار دولار). وفي خطاب تقليدي إلى الأمة نهاية العام قال ساركوزي إن فرنسا تواجه مشكلات كثيرة في 2009 وتعهد بمزيد من الإجراءات لمساعدة الاقتصاد إذا اقتضت الضرورة.
وأوضح «سنكون عمليين ويقظين ومتفاعلين وإذا احتجنا لعمل المزيد فسوف نفعل لكن مع الحفاظ على رباطة جأشنا». ومع تسجيل مؤشرات الأسهم الرئيسية أكبر هبوط فصلي لها على الإطلاق إذ انخفض مؤشر داو جونز الصناعي 34% مسجلا ثالث أكبر انخفاض على الإطلاق فان المستثمرين يعولون الآن على خطة انتعاش اقتصادي كبرى من إدارة الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما لتقليل حدة الركود العالمي.
وعرض مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي منتصف الأسبوع الماضي تفاصيل خطته لخفض تكاليف الرهون العقارية والتي فاجأت المحللين بجرأتها. وتجيء هذه التطورات بعد الخطة المنفذة فعلياً الآن والبالغ قيمتها 700 مليار دولار، منها 40 ملياراً استثمرت في مجموعة «أيه آي جي»، كما خصصت 20 ملياراً لتغطية الخسائر المحتملة لبرنامج مجلس الاحتياطي الاتحادي الذي يهدف لتحسين قدرة المستهلك للحصول على قروض.
واستثمرت 20 مليار دولار في مجموعة سيتي بانك. وتم التعهد بنحو 250 مليار دولار لشراء أسهم ممتازة. هذا إضافة إلى المبالغ التي سيتم ضخها في شركات السيارات التي كانت من بين أكثر الشركات تضرراً وأوشكت عملاقا الصناعة الأميركية «جنرال موتورز» و«كرايسلر» على الإفلاس مما دفع الحكومة الأميركية للتدخل في محاولة لمنع الانهيار.
صرفت الحكومة الأميركية دفعة أولى قدرها أربعة مليارات دولار من القروض الاستثنائية لدعم شركة جنرال موتورز للسيارات لكن دفعة موازية من قروض الإنقاذ لشركة كرايسلر ستصرف في العام الجديد. وقالت كرايسلر انها مازالت تجري محادثات مع الخزانة الأميركية لاستكمال اتفاق صرف أربعة مليارات دولار وإنها تتوقع الحصول على المبلغ قريبا.
وقالت شون مورجان المتحدثة باسم كرايسلر في بيان إن المباحثات بناءة وايجابية. وأكدت بروكلي ماكلولن المتحدثة باسم وزارة الخزانة أن الحكومة استكملت صرف الدفعة الأولى البالغة أربعة مليارات دولار لشركة جنرال موتورز. وكانت جنرال موتورز حذرت من أن السيولة المتوفرة لديها ستنخفض عن مستوى 11 مليار دولار الذي تحتاج إليه لمواصلة أنشطتها إذا لم تحصل على أموال من الحكومة.
رسالة أمل
وقالت الشركتان إنهما تحتاجان مساعدة من الحكومة لسداد مستحقات عليهما للموردين وذلك لضعف مستوى السيولة بسبب انخفاض مبيعات السيارات بفعل الأزمة الاقتصادية العالمية. وكانت إدارة الرئيس جورج بوش وافقت على خطة إنقاذ حجمها 4. 17 مليار دولار للشركتين خلال ديسمبر منها 45. 9 مليار لجنرال موتورز.
وتقضي خطة إنقاذ صناعة السيارات بأن تقدم كل من كرايسلر وجنرال موتورز خطة إعادة هيكلة للحكومة بحلول منتصف فبراير وتظهر قدرتها على الاستمرار بنهاية مارس. ويتوقع المحللون المزيد من الاضطرابات الاقتصادية في الأجل القريب مع استمرار تواتر التقارير الاقتصادية السيئة التي تشير للمزيد من حالات الإفلاس والديون المعدومة وفقد الوظائف على الأقل في الأشهر الأولى من العام الجديد.
وأكد رئيس حكومة الباسك الإقليمية خوان خوسيه إيباريتشي أن الوضع الاقتصادي في 2009 سيزداد سوءا عن عام 2008، ولكنه في الوقت ذاته أكد في خطابه الذي بعث خلاله «برسالة أمل» إلى شعب إقليم الباسك ثقته في إمكانية «تجاوز الأزمة».
ترجمة - وائل الخطيب و(الوكالات)


