انطلقت مشروعات عملاقة في مجال الغاز الطبيعي خلال العام 2008 لتؤشر على دخولها إلى حيز «التنفيذ والتدشين» بعدما كانت محل «دراسة وبحث وتفكير» خلال عام 2007، ولم تؤد أزمة الائتمان العالمية.
وما واكبها من تراجع في أسعار النفط العالمية، إلى العدول عنها أو إرجائها، وهو ما يؤكد أن وضع هذه الخطط جاء في إطار إستراتيجية كبرى تستهدف زيادة مستويات إنتاج الغاز الطبيعي وتنويع مصادر إمداداته، وذلك على نحو يكفل تلبية احتياجات الطلب المحلي المتزايد على إمدادات الغاز، والحفاظ على مكانة الدولة كفاعل رئيسي في صناعة الطاقة العالمية، فضلاً عن تحصين آفاق النهضة الاقتصادية والسكانية ضد أي مخاطر تتعلق بنقص إمدادات الغاز الطبيعي.وعبر سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم رئيس مجلس إدارة هيئة دبي للتجهيزات عن الرؤية الكامنة وراء هذا التحرك في حديثه الخاص لمجلة «شل» في عددها الصادر في أكتوبر 2008، حيث صرح سموه بأنه «في ظل اقتصاد دائم الحركة مثل الذي تعيشه دبي، نحن نتدارس كل الاحتمالات طوال الوقت، ولا يهدأ لنا بال أبدا إلا بإيجاد الحلول».
وسلط أحمد الصايغ الرئيس التنفيذي لمشروع دولفين الضوء على هذا المنحى الإستراتيجي بقوله: فيما يتعلق بالمستقبل، تنهج أبوظبي دائما نهجا ابتكارياً في تخطيطها الخاص بالطاقة، ونحن على يقين بأن أبوظبي سوف تؤمن كميات غاز إضافية للوفاء باحتياجات نموها.
وتحدث حميد جعفر الرئيس التنفيذي لشركة دانة غاز عن آفاق المستقبل بقوله: من الواضح أننا نتبوأ موقعا مثاليا يمكننا من أن نصبح مستفيداً رئيسياً من هذا النمو المتوقع في سوق الغاز في منطقتنا لما فيه مصلحة المساهمين لدينا. انطلاقا من رؤيتنا القائمة على أننا شركة الغاز الطبيعي الخاصة الرائدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا وخارجها.
صعود الطلب على الغاز
وتكتسب هذه المشروعات أهمية خاصة، في ضوء الطلب المحلي على الغاز الطبيعي بسبب النمو السياحي والمالي والصناعي، حيث تحتاج الإمارات المتحدة - بحسب تقديرات مجلة أويل ريفيو - إلى زيادة إنتاجها من الغاز أو الغاز الحمضي بنسبة 15 % سنويا خلال السنوات العشر المقبلة، وفي السياق ذاته، أفادت التقديرات الإحصائية الصادرة عن شركة «بي بي» في يونيو 2007 أن استهلاك الغاز الطبيعي في الإمارات سيتضاعف ليصل إلى 87 مليون متر مكعب يوميا بحلول عام 2010، بالمقارنة مع 37 مليون متر مكعب يوميا في عام 2006.
ويتمثل التطور الأبرز لقطاع الغاز الطبيعي بإمارة أبوظبي فيما شهده عام 2008 من إطلاق لمشروع تطوير احتياطيات الغاز الطبيعي الحمضي الموجودة في حقل شاه، وتقدر تكلفة هذا المشروع بحوالي 10 مليارات دولار، وجرى إرساء عقده على شركة كونكوفيليبس، ويعتبر هذا المشروع أضخم مشروع يشهده قطاع التنقيب والإنتاج في أبوظبي.
ومن المخطط بعد الانتهاء من المشروع، تشكيل شركة مشتركة لإدارة منشآت المشروع، تحتفظ فيها شركة أدنوك بحصة نسبتها 60%، فيما ستحوز شركة كونكوفيليبس على النسبة المتبقية. ويشمل المشروع العملاق أعمال تطوير مكامن مكثفات الغاز الحامض في حقل «شاه» الذي يقع على بعد 180 كيلومترا إلى الجنوب الغربي من مدينة أبوظبي.
وتفيد التقديرات أن حقل شاه يحتوي على كميات مؤثرة من الغاز الطبيعي، ولكنه من النوع الحمضي الذي يحوي على نسبة كبريت عالية، وتقدر مجلة «أويل ريفيو ميدل إيست» أن احتياط الغاز الطبيعي الحمضي في أبوظبي يحتوي على نسبة كبريت تتراوح بين 30 إلى 50%، وتفيد تقديرات أدنوك أن نسبة كبريتيد الهيدروجين في الغاز الحمضي تتراوح بين 13 و 30 %، وقد أقرت شركة أدنوك بأنها تمكنت من تطوير مكامن تصل فيها نسبة هيدروجين الكبريت إلى 10% ولكنها تحتاج إلى التكنولوجيا لتطوير مكامن تحتوي على نسبة أعلى من هيدروجين الكبريت ( كبريتيد الهيدروجين ).
وقد حقق مشروع دولفين للطاقة «حلم الخليج» في رأس لافان القطرية، بعدما أصبح المشروع حقيقة نابضة بالحياة تبرهن على أن الدول الخليجية قادرة على تنفيذ مشروعات تتعلق بالبنية التحتية للطاقة من العيار الثقيل، ومثل الافتتاح الرسمي لمصنع دولفين لمعالجة الغاز الطبيعي خلال العام المنصرم بحضور سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة والشيخ تميم بن حمد آل ثاني ولي عهد قطر وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء في دولة الإمارات ورئيس مجلس إدارة دولفين، مثل الافتتاح مناسبة تبادل فيها رموز المشروع نخب النجاح والذي تخلله اجترار البعض ذكريات الماضي التي مازالت حاضرة في الأذهان، رغم مرور قرابة سبع سنوات على بداية إطلاقه.
دبي تنوع الإمدادات
وعلى نفس المنوال، تحركت إمارة دبي بشكل حثيث ودؤوب نحو طرق أبواب مصادر إمدادات الغاز الطبيعي خلال العام المنصرم. وتجلت محاور هذه الجهود في العديد من المبادرات التي اتخذتها الإمارة خلال العام الماضي، بدءا بالإعلان عن خطط للتنقيب عن الغاز الطبيعي في حقل مرغم البري.
ومرورا بتوقيع شركة شل ويسترن للغاز الطبيعي المسال وهيئة دبي للتجهيزات اتفاق بيع وشراء لتوفير إمدادات الغاز الطبيعي لدبي على المدى القصير والبعيد من مصادر شل العالمية من الغاز الطبيعي المسال وأهمها قطر.
وما صاحب ذلك من ورود أنباء عن مناقشات بين شركة شل وحكومة دبي حول ما يتوقع أن يكون أكبر مشاريع الاستخلاص المعزز للنفط في العالم، ووصولا بانخراط مركز دبي للسلع المتعددة في مشروع ضخم مع شركة «إمبيل المحدودة للغاز الطبيعي المسال» والذي يهدف إلى تطوير منشأة لتخزين الغاز الطبيعي المسال في مجمع التقنية بدبي، بقيمة تبلغ ملياري دولار.
وقد أعلنت هيئة دبي للتجهيزات (DUSUP) في 20 إبريل من العام الماضي عن عزمها تطوير منشأة عائمة لإعادة تحويل الغاز الطبيعي المسال إلى غاز في ميناء جبل علي التابع لموانئ دبي العالمية، واختارت هيئة دبي للتجهيزات شركة شل للعمل كمستشار ومدير للمشروع في مرحلة التطوير.
وستكون شل المزود الرئيسي للمشروع بالغاز الطبيعي المسال وستواصل تقديم المشورة للهيئة بعد اكتمال المنشأة. إضافة إلى ذلك، وقعت شركة شل ويسترن للغاز الطبيعي المسال وهيئة دبي للتجهيزات اتفاق بيع وشراء لتوفير إمدادات الغاز الطبيعي لدبي على المدى القصير والبعيد من مصادر شل العالمية من الغاز الطبيعي المسال وأهمها قطر.
وتحدث سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم رئيس مجلس إدارة هيئة دبي للتجهيزات عن آفاق التعاون مع شركة شل قائلا: تواصل إمارة دبي تقدمها السريع ونموها الواسع، وهذا بدوره يزيد من طلب الإمارة على موارد الطاقة، ونحن ننظر إلى الغاز الطبيعي المسال كطريقة لزيادة وتنويع وارداتنا من أنواع الوقود النقي.
وتابع سموه حديثه قائلا: ارتبط قرارنا بتطوير منشآت بحرية عائمة لتحويل الغاز الطبيعي المسال إلى غاز وليس محطات برية لأداء هذا الغرض بعامل الزمن المطلوب لإنشاء البدائل وبدء التشغيل الفعلي لها، وقد كانت المنشآت البحرية العائمة هي الحل الأسرع.
وتحدث سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم عن أفق العلاقات مع شركة شل قائلا: تربطنا مع شل في الوقت الحالي أعمال تجارية مباشرة في قطاع الطيران والموانئ، وبالإضافة إلى مشروع الغاز الطبيعي المسال الذي نحن بصدد تنفيذه، نحن ندرس الدخول في مشروع محتمل لتطبيق تقنية الاستخلاص المعزز للنفط، ومازالت الأمور في الوقت الحالي قيد الدراسة، رغم بذل الكثير من الجهود على هذا الصعيد.
ولم تقتصر جهود إمارة دبي على طرق أبواب مصادر توريد الغاز الطبيعي، بل عملت على تطوير احتياطياتها، وهو ما يتجلى فيما أوردته التقارير الإعلامية في فبراير من العام المنصرم عن اعتزام إمارة دبي التنقيب عن الغاز الطبيعي في حقل مرغم البري وكذلك إقامة مرافق تخزين للغاز أو ثاني أكسيد الكربون هناك.
وفي الإطار ذاته، دخلت شركة دولفين على خط توفير إمدادات الغاز الطبيعي لإمارة الشارقة، لتنضم إلى نظيرتها شركة نفط الهلال في تنويع مصادر الإمارة من إمدادات الغاز، بما يوسع هامش حرية حركها في اختيار مصادر إمدادات تتميز بالاستقرار والمصداقية لتغذية آفاق نمو السكاني والاقتصادي والذي يبشر بتسجيل مستويات عالية.
وتجلى ذلك في قيام الأولى مؤخرا بتوفير إمدادات لإمارة الشارقة بدءا من 18 إبريل الماضي، وبكمية تتراوح بين 50 و100 مليون قدم مكعب يوميا، وتوازي مع هذه المبادرة، إعلان شركة دانة غاز في مارس الماضي عن توقيع اتفاقية استكشاف وتطوير المناطق البحرية الغربية التابعة لإمارة الشارقة، وتؤشر هاتان المبادرتان بحرص إمارة الشارقة على تنويع سلتها من مصادر الغاز الطبيعي، وهو ما يدعم قدرتها على تقليل الاعتماد على الوقود السائل «الديزل» الباهظ التكلفة مقارنة بالغاز الأرخص والأنظف بالنسبة للبيئة.
وبحسب تقديرات وكالة بلومبيرج، يكفي الإنتاج المحلي لإمارة الشارقة الذي يبلغ حوالي 250 مليون قدم مكعب يوميا من حقل الصجعة تغطية طلب الطاقة الكهربائية لحوالي 6 شهور، ويصعد الطلب على الطاقة الكهربائية خلال أشهر الصيف إلى 1650 ميجاوات، ويمكن لغاز الصجعة تلبية 60 % فقط من هذا الطلب الإجمالي.
مضاعفة الإمدادات
تخطط شركة أدنوك لمضاعفة إمدادات الغاز المحلية في 2009، وجاء الحديث عن هذا الأمر على لسان إسماعيل الرمحي مدير إدارة تصنيع الغاز في ادنوك والذي صرح مؤخرا بأن الشركة تنوي ضخ 6, 3 مليارات قدم مكعب للشبكة الوطنية يوميا في 2009 مقارنة بمبيعات الغاز المحلية الحالية وتبلغ حوالي ملياري قدم مكعب، وأوضح أن الشركة تطور العديد من المشروعات لملاحقة النمو الهائل للطلب على الغاز في أبوظبي، مشيرا إلى أن الطلب على الغاز نما بحوالي عشرة في المائة في المتوسط سنويا على مدى السنوات الأربع والثلاثين الماضية.
وفي إطار نمو الطلب الضخم على النفط، وإطلاق العديد من البرامج لزيادة الطاقة الإنتاجية، تتزايد الحاجة لإعادة حقن الحقول النفطية بالغاز لتحسين عملية الاستخلاص المعزز للنفط، وتفيد تقديرات هنا بأن احتياجات الإمارات من الغاز لإعادة الحقن في حقول النفط تبلغ نحو 2, 1 مليار قدم مكعب يوميا.
وعليه، تتزايد أهمية مشروع تطوير احتياطات الغاز الطبيعي الكبريتي، وذلك على الرغم من طرح علامات استفهام حول المقومات الاقتصادية الرئيسية للمشروع، حيث باتت أبوظبي بشكل خاص والإمارات المتحدة بشكل عام تواجه وضعا ينطوي على الكثير من التحديات ناجمة عن صعود الطلب المحلي على الغاز الطبيعي والذي صار يشكل عنصرا ضروريا لتنفيذ خطط التنمية الصناعية والعمرانية التي تتبناها الدولة.
الجائزة الكبرى
رغم انطواء مشروع تطوير احتياطات الغاز الكبريتي في حقل شاه على تعقيدات تكنولوجية وتقنية بالنسبة للشركات العالمية، إلا أن المشروع يعد بمثابة «جائزة كبرى» لمن يرسو العقد عليه، فهو يكفل تحويل الشركة العالمية الفائزة إلى رائد عالمي في مجال تطوير مستودعات الغاز الطبيعي الكبريتية.
وذلك في ضوء واقع مؤداه أن معظم احتياطيات الغاز الطبيعي الكبريتية مازالت غير مستغلة، بسبب ما تنطوي عليه هذه العملية من تعقيدات تقنية وفنية، وبالتالي، يقدم المشروع نموذجا قابلا لأن تقتفي أثره الدول المالكة لاحتياطيات غاز طبيعي ترتفع فيه مستويات الكبريت.
ومن ثم، من المقدر أن تجني الشركة العالمية الكثير من المكاسب، إذا ما حالفها الحظ وفازت بمشروع تطوير احتياطيات حقل شاه، حيث يقود هذا الفوز إلى دعم حظوظها في الفوز بمشروعات أخرى مماثلة، وذلك في ضوء بروز منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بوصفها الأسرع نموا في العالم بإنتاج الغاز الطبيعي،.
بالنظر إلى إطلاق دول المنطقة مشروعات استثمارية جديدة وتصل تكلفة بعضها إلى مليارات الدولارات، وتحتوي كذلك هذه المنطقة على احتياطيات مؤكدة من الغاز الطبيعي تبلغ 23, 81 تريليون متر مكعب، وهو ما يزيد على خمسي الاحتياطيات العالمية، وبالتالي تشغل هذه المنطقة موقعا متميزا في تصحيح التوازن المختل بين الطلب والعرض.
دبي ـ مجدي عبيد

