أتمنى ألا تكون «لعبة مفتعلة» .. على أي حال، الأزمة المالية العالمية عبارة عن أزمة ثقة تسببت فيها مؤسسات مالية عالمية لم تراع سوى مصالحها، اختفت على أثرها تريليونات الدولارات، وهم العالم الآن هو كيفية استعادتها، وهو أمر مرهون أولا وأخيرا باستعادة الثقة في المؤسسات المالية العالمية المطالبة بإعادة النظر في سياستها مراعاة لمصالح المتعاملين معها.
هكذا بدأ عبد العزيز حسين خانصاحب، رجل الأعمال وصاحب شركة خانصاحب للهندسة المدنية، حواره معنا، والذي استعرضنا فيه العديد من القضايا، وفي مقدمتها تداعيات الأزمة على قطاع المقاولات، والسيناريوهات المتوقعة مستقبلا، ثم انتقلنا للحديث عن الوضع الاقتصادي للإمارات في ظل التوقعات التي تشير إلى تباطوء النمو خلال عام 2009. ومستقبل مشاريع التنمية في ظل انخفاض أسعار البترول، كما تطرقنا إلى الحديث عن ملف العمالة الوافدة، ومايمثله من عبء على المسؤولين والتركيبة السكانية في ظل التصريحات التي تنادي بضرورة حصولها على حقوق المواطنة باعتبارها عمالة مهاجرة وليست مؤقتة، وفيما يلي نص الحوار:
كيف تقيّم الوضع الاقتصادي للإمارات؟
هناك متشائمون ومتفائلون، وأعتقد أنه من المبكر الحكم على الوضع الاقتصادي بشكل عام سيما وأن جزءاً كبيراً من تداعيات الأزمة «نفسي»، ولم تكن بنفس الحدة التي أصابت بلدانا كثيرة من العالم، وان كنت أعتبرها فرصة لإعادة النظر في خطط ومشروعات التنمية التي كانت تسير بخطى متسارعة للغاية، خاصة وأنه لا يوجد سبب يدفعنا لتنفيذ المشاريع بالسرعة التي كانت تسير عليها.
وكيف ترى المشهد العقاري؟
الصورة لم تكتمل بعد، وأعتقد أن تأثير الأزمة سيكون في اطار ضيق ومحدود. وماهي إلا شهور قليلة ثم يعاود هذا القطاع نشاطه من جديد، ولكن ليس كسابق عهده، على الأقل لمن ينظرون لهذا القطاع كاستثمار قصير الأجل، كما كان يحدث في وقت الطفرة، ومن المرجح أن تتغير ملامح هذا السوق بالنسبة لهؤلاء، ومن يعتقد أن الملاك لن يخضعوا لتطورات السوق الحالية.
فهذا الاعتقاد لاينطبق إلا على المتمكنين ماليا فقط، أما المقترضون من البنوك فلهم وجهة نظر أخرى، وأعتقد أنهم سوف يضطرون للبيع بأي ثمن لتأمين أقساط البنوك، وعموما المستثمرون في القطاع العقاري نوعان، الأول لديه قدرة مالية ويعتبره استثماراً طويل الأجل.
والآخر ينظر له كاستثمار سريع ويبني توقعاته لتحقيق العائد الاستثماري في أقصر مدة ممكنة، لذلك يضطر للاقتراض من البنوك، وهؤلاء ليس أمامهم أي خيار سوى الرضوخ لوضع السوق، وحاليا السوق لايزال سوق المؤجر، ولكن خلال الربع الأول من العام المقبل سوف تتضح الصورة أكثر، وأعتقد أن السوق وقتها سيصبح سوق المستأجر.
هذا التراجع في سوق العقارات، هل يمكن اعتباره تراجعا تصحيحيا أم ركوداً قد يؤدي إلى انهيار؟
السوق حاليا في طريقه إلى الاستقرار، وأعتقد أنه لامجال لعودة الطفرة المبالغ فيها التي استفاد منها من استفاد وكسب من كسب.
والأمور سوف تأخذ وضعها الطبيعي، وبدأ السوق يستوعب الانخفاض البسيط في سعر الوحدات العقارية والتعامل مع السوق بشكل عام وفق المعطيات الجديدة.
سيما وأن قطاع العقارات في الإمارات قد استوعب موارد مهمة وربما يحتاج إلى أن يتباطأ حتى يتمكن المطورون والمتاجرون بالعقارات من اعادة النظر في استراتيجياتهم لمواجهة التحديات الجديدة في المستقبل. فضلا عن أن التراجع التصحيحي في أسعار العقارات يعتبر مرغوبا كونه سيتيح الفرصة أمام قطاعات أخرى للنمو حرمت من رأس المال لفترات طويلة.
العمالة الوافدة
ظاهرة تسريح العمالة التي طالت عدداً من القطاعات، ألست معنا في أنها كونت انطباعات سيئة عن الوضع الاقتصادي للدولة؟
لايمكن اعتبار استغناء عدد من الشركات عن جزء من عمالتها مؤشراً سلبياً على الوضع الاقتصادي للدولة، ولكن الإعلان عن هذه الحالات في هذا التوقيت هو الذي خلق هذه النظرة التشاؤمية، وان كان لايعدو مجرد اعادة نظر في طريقة أداء الشركات خلال المرحلة المقبلة تحسبا لأي جديد، وهو أمر وارد تحت أي ظرف من الظروف. ونحن نتحمل مسؤولية تعديل خططنا قصيرة الأمد بطريقة تتلاءم مع الأجواء العالمية الراهنة.
وهل يمكن أن تتسبب هذه المشكلة في خلق أزمة سيولة من نوع آخر للشركات التي ستجد نفسها بين مطرقة الأزمة وسندان نقص المشاريع؟
لايمكن أن تسبب أزمة سيولة إلا للشركات المشكوك في وضعها وفي قدرتها المالية، وفي إدارتها قبل أي شيء. إذ يفترض على كل شركة أن يكون لديها احتياطي مادي يغطي مستحقات العمالة في أي لحظة يتم فيها الاستغناء عنها بموجب القانون، ولايجب أن يؤثر هذا الأمر على السيولة النقدية لديها.
ملف العمالة الوافدة من الملفات الضاغطة، كيف تقرؤه؟
تزايد هيمنة العمالة الوافدة سيؤدي إلى سيطرة الأجانب جزئيا على بعض قطاعات الاقتصاد الوطني، بعد أن أصبح وجودها أمراً واقعاً في بعض القطاعات مثل قطاع المقاولات، القطاع العقاري، والوساطة المالية.
وإعادة النظر في خطط الاستثمار والبرامج الاقتصادية من شأنه أن يضع حلاً لتلك المشكلة ويحد من الاعتماد على المزيد منها. وتشير الإحصاءات إلى سيطرة العمالة الآسيوية على 1, 87% من سوق العمالة، في حين تبلغ نسبة العمالة من كل الجنسيات الأخرى، بما فيها العربية 9, 12%.
مارأيكم في تصريحات بعض المسؤولين في البلدان المصدرة للعمالة، والتي تصف عمالة بلدانها بأنها عمالة«مهاجرة» وليست مؤقتة، بما يترتب على ذلك من استحقاقات؟
العمالة الوافدة في الدولة عمالة مؤقتة يحددها عقد العمل والإقامة وتنتهي بانتهائهما، ولكل الحق بالمطالبة بما يريد، ولاننسى أن نظرة هؤلاء تنبع من مصلحة بلدانهم التي تعتبر تحويلات هذه العمالة مصدراً مهماً من مصادر الدخل، ولايجب ان نفرط نحن بدورنا في مصلحة واستقرار بلدنا، ولانكترث لتلك التصريحات، إلا في حدود ما تقتضيه مصلحة الدولة التي من حقها وحدها أن تقرر ما يناسبها، لا سيما وأن الوضع لايسمح بتجنيس غير العرب إذا رغبت الدولة في ذلك.
خلل التركيبة السكانية
هل تعتقد أن تداعيات الأزمة على اقتصاد الإمارات تمثل فرصة للحد من الاعتماد على العمالة الوافدة؟
لكي نحد من حجم العمالة الموجود يجب التخفيف من وتيرة المشاريع التي تعتمد على هذه العمالة، ولا أرى ضرورة للإسراع في تنفيذ المشاريع حتى لانصل إلى مرحلة الركود التي سبقتنا إليها دول أخرى، وعلينا التعلم من تجارب الآخرين، ولنعتبر الأزمة المالية فرصة طيبة لاعادة النظر في التركيبة السكانية، ومنح الأولوية في العمل للمواطنين ومن ثم دول التعاون والدول العربية والإسلامية.
دبي.. استراحة المحارب
كثرت الأقاويل والشائعات حول الوضع الاقتصادي لدبي، مارأيك في طريقة التعاطي معها؟ وما ردك على بعض وسائل الإعلام العربية التي وصفت المرحلة الحالية بأنها «خريف دبي»؟
الكل يتحدث عن وجود أزمة في دبي، لمجرد أن هناك عدداً من الشركات تمر بأزمة سيولة، وكأنهم اختصروا الإمارة في عدد من الشركات تمر بظروف تعاني منها كبريات الشركات في أي مكان في العالم وهو أمر وارد، لكن التضخيم مرده أن الأنظار دائما مسلطة على هذه المدينة التي أدهشت العالم بتطورها وبسرعة نموها.
وإن كنت على ثقة من أن اقتصاد الإمارات قوي وقادر على التكيف والتغلب على الأزمات. ولكني أعتب على الجهات المعنية وفي مقدمتها المصرف المركزي لأنه لم يفصح عن حجم خسائر بنوكنا المحلية التي لها استثمارات في الخارج من جراء الأزمة العالمية، كون الشفافية مطلوبة في مثل هذه الظروف.
ولو أننا تعاملنا مع الأمر بشفافية منذ البداية، لما أفسحنا المجال للقيل والقال والشائعات دون علم. ولقد فعلت إمارة دبي خيرا بتشكيلها للمجلس الذي سيرصد تداعيات الأزمة على القطاعات المختلفة، تحسبا لأي جديد. لأن الشفافية في أسواق المال بالمنطقة مطلوبة.
إضافة إلى القطاعات التي كانت تغيب عنها الرقابة كالقطاع العقاري. وأعتقد أن هناك انطباعاً مغلوطاً في وسائل الإعلام حول قدرة دبي المالية التي تمرالآن بما يمكن أن نسميه «استراحة المحارب» وليس «خريف» بعد أن كانت تسابق الزمن في تنفيذ خطط واسترتيجيات لبناء دبي الحديثة، التي لم ولن تعتمد فقط على التسهيلات الإئتمانية.
أسباب نقص السيولة
هناك من يعتقد أن شح السيولة في الإمارات يرجع إلى شائعات فك ارتباط العملة المحلية وخروج الأموال الساخنة، كيف ترى الأمر؟
يجب التأكيد أولا على أن السيولة متوفرة في الدولة وان كانت محدودة، وماحدث لم يكن بسبب خروج الأموال الساخنة فقط أو بسبب عدم فك ارتباط العملة المحلية، خاصة وأن هناك مستثمرين أجانب في المنطقة خسروا أموالهم في السوق الاميركية وغيرها من الدول التي تضررت فإضطرتهم الأزمة المالية الحالية لسحب أموالهم لتغطية خسائرهم الأمر الذي حد من السيولة المتوفرة.
ليلقي شبح شح السيولة بظلاله على السوق المحلية ودفع البنوك إلى تشديد معايير الإقراض مما أدى إلى اضطراب السوق العقارية المحلية بسبب فجوة التمويل، وان كنت أستبعد حدوث أزمة مالية حقيقية في الدولة التي مازال اقتصادها قوياً وقادراً على تخطي العقبات.
تشير التوقعات إلى تباطوء النمو الاقتصادي لعام 2009، وذلك بسبب تراجع أسعار النفط.. هل تعتقد أن ذلك يؤشر على تدهور الوضع الاقتصادي؟
على الرغم من تلك التوقعات أعتقد أن التوسع في الانفاق الحكومي سيظل مستمرا لعام 2009 معتمدة على الفوائض المالية المحققة من أسعار البترول السابقة، وبالتالي لن يكون هناك تأثير يذكر على العوائد التي يتم ضخها في الاقتصاد الوطني مع الاستمرار في تنفيذ البرامج الاستثمارية.
كما اعتقد أيضا بمحدودية تأثير انخفاض أسعار النفط على السيولة المتدفقة للإمارات، التي بنت ميزانيتها على ما دون الأربعين دولاراً لبرميل النفط، حتى وان أدى هذا التراجع في الأسعار إلى خفض الفوائض المالية مستقبلا.
كما أن نجاح الإمارات في السنوات الأخيرة في توجيه جزء كبير من مداخيلها النفطية للاستثمار الداخلي، وتوظيفها في مشاريع بنية تحتية تنموية طموحة تخدم الرؤية المستقبلية للدولة واستراتيجيتها في التنويع الاقتصادي، سوف يحول بشكل أو بآخر دون أن يكون لانخفاض أسعار البترول تأثير سلبي على الاقتصاد الإماراتي الذي يتوقع أن يواصل تسجيل معدلات نمو جيدة بالرغم من الأزمة المالية العالمية، وإن كانت أقل عن مستويات السنوات السابقة.
الشركات العائلية.. أقل الخاسرين
الشركات العائلية كانت أقل الخاسرين من هذه الأزمة، هل مازلت تعتقد أن العائلة أقوى من الفرد؟
مازلت أعتقد أن الشركات العائلية أفضل حالا من غيرها وكانت أقل الخاسرين في هذه الأزمة.
وإذا اعتبرنا أن 95% من الشركات في الإمارات عائلية فإن سبب خروجها بأقل خسارة من هذه الأزمة يعزى لاعتمادها على رؤوس أموالها مع القليل من الاعتماد على أسواق الأوراق المالية أو العالمية، وقد يكون تأثرها فقط من خلال تقلص الطلب على إعادة التصدير بالنسبة للشركات التي تعمل في التجارة.
وذلك فضلا عن أن عنصر المجازفة والمخاطرة برأس المال لديها أقل، إذ يحرص أصحابها على سمعة العائلة في السوق وأن تكون بمنأى عن أية مخاطر تعرضها لهزات تفقدها الثقة.
شركات المقاولات تحملت أكثر من طاقتها وآن الأوان لتستريح
أكد عبد العزيز حسين خانصاحب، رجل الأعمال وصاحب شركة خانصاحب للهندسة المدنية، أن القطاع العقاري والبناء والتشييد في دبي من القطاعات التي تأثرت بشدة من الأزمة العالمية بعد المصارف والأسواق المالية.
وقال: صحيح أن الهدوء النسبي لحركة المشاريع العمرانية وخاصة العقارية سوف ينسحب بالتالي على نشاط قطاع المقاولات الذي تحملت شركاته أكثر من طاقتها خلال الفترة السابقة، وتحملت الكثير من الأعباء والمشكلات وآن الأوان لتستريح،.
ولكن ليس ذلك التأثير الكبير، وان كنت أعتقد أن الشركات سوف تقوم بأعمالها بعيدا عن ضغط مدد التنفيذ التي تستوجب الاعتماد على أعداد أكبر من العمالة التي ستخف نسبيا ÷ وهو أمر جيد لكن هذا الأمر لن يؤثر على نسب أرباح الشركات التي ستظل ثابتة وان خف حجم الأعمال.
ولو كنا تدرجنا في تنفيذ المشاريع بوتيرة ثابتة لما وصلنا إلى مانحن عليه الآن، سيما وأن الطفرة الانشائية التي شهدتها الدولة - وبخاصة دبي- كانت محط اندهاش واستغراب العالم كله، لدرجة أن التطور الحاصل سبق البنية التحتية بمراحل، لذلك لاداعي للسرعة في تنفيذ المشاريع، وعلينا استكمال البنية التحتية، ومن ثم استكمال مشروعات التطوير والتحديث، وفق برامج زمنية مريحة لكافة الأطراف.

