قال خبير اقتصادي في دائرة التخطيط والاقتصاد بأبوظبي إن التصدي لتبعات الأزمة المالية العالمية في الإمارات يتطلب عدة إجراءات من بينها الاستمرار في ضخ المزيد من السيولة في النظام المالي المحلي وضمان الودائع وكذلك تعزيز دور الجهات الرقابية للقطاع المالي ككل مثل المصرف المركزي وهيئة الأوراق المالية والاستفادة من تجربة اليابان المتمثلة في التدقيق الحكومي المستمر في القدرة المالية للمصارف مما يعزز من ثقة كل من المودع والمستثمر.

وقال الدكتور سليمان وارد المساعيد الخبير الاقتصادي في الدائرة إن من بين الإجراءات الأخرى المطلوبة وضع مزيد من الضوابط على عمليات الإقراض والرهن العقاري وكذلك اتخاذ إجراءات حكومية سريعة وحاسمة لتنظيم السوق العقاري للتقليل من حدوث المضاربات على العقارات خاصة في إمارة أبوظبي للحيلولة دون حدوث فقاعة عقارية قد يمتد أثرها المباشر إلى القطاع المصرفي وسوق الأوراق المالية.

وأكد في هذا الخصوص أهمية إلزام البنوك في الوفاء بالتزاماتها تجاه المشاريع قيد التنفيذ وإصدار حزمة من الإجراءات الاستثنائية تتعلق بحماية المقاولين من تبعات الأزمة مثل تسريع الدفعات المالية لهم وتقديم سلف مالية للمقاولين المتضررين.

وقال المساعيد في ورقة استعرضها أمام ندوة آثار الأزمة المالية العالمية على قطاع المقاولات التي نظمتها غرفة تجارة وصناعة أبوظبي إنه مثلما كان قطاع العقارات ممهداً لشرارة الأزمة المالية بالولايات المتحدة الأميركية والتي أصبحت أزمة عالمية فقد كان القطاع العقاري في العديد من الدول ومنها دولة الإمارات من أبرز القطاعات التي ستعاني من آثار الأزمة العالمية ومن أوائل القطاعات التي تأثرت أو ستتأثر بالأزمة خاصة في المشاريع العقارية قيد التطوير.

وأشار إلى بعض مظاهر القطاع العقاري بالأزمة ومنها قيام عدد من الشركات العقارية بتسريح بعض موظفيها حيث تجاوز عدد الذين فقدوا وظائفهم ألف عامل غالبيتهم من العاملين في وظائف التسويق والمبيعات بعد أن تراجع الطلب على الوحدات العقارية وذلك في إطار سعي الشركات بتوفيق أوضاعها في وجه الأزمة.

وكذلك إعلان بعض الشركات عن طرحها لوحدات عقارية بأسعار أقل من الأسعار التي أعلن عنها سابقاً بهدف توفيق مبالغ مالية لمقابلة التزاماتها بالإضافة إلى توجه بعض شركات التطوير العقاري لإجراء تعديلات في خطط تنفيذ بعض مشاريعها قيد التطوير وصلت أحياناً إلى حد الإلغاء وتراجع أسعار الأسهم لكبريات شركات التطوير العقاري في سوقي أبوظبي ودبي الماليين.

وذكر المساعيد أن تأثر قطاع العقارات بالأزمة المالية سوف ينعكس على معظم القطاعات وبصورة مباشرة قطاع المقاولات في الدولة لأسباب عديدة أهمها ارتباط القطاع العقاري في الدولة بالاقتصاد العالمي إلى حد كبير حيث شكل الطلب الأجنبي المكون الأكبر من الطلب على وحدات التملك العقاري في مشاريع التطوير الجديدة وقد أدت الأزمة إلى تراجع الطلب في هذا القطاع بسبب تأثيرها على المستثمرين الأجانب وتوقعات المستثمرين المحليين.

ومن بين هذه الأسباب أيضاً تعرض بعض شركات التطوير العقاري لمصاعب مالية بسبب تراجع المبيعات وتعثر بعض العملاء عن سداد أقساط وحدات قاموا بشرائها بأسعار مرتفعة نتيجة المضاربة وإحجام البنوك عن تقديم التمويل العقاري وكذلك التشدد في الشركات الائتمانية للمشروعات العقارية من قبل البنوك والمؤسسات المالية المتخصصة في التمويل العقاري والتريث من قبل المستثمرين في تنفيذ المشاريع المخطط لها إلى أن تتضح الصورة الكلية للاقتصاد العالمي.

وأشار أيضاً إلى أن نسبة القروض العقارية المقدمة من المصارف المحلية تشكلت 18% من إجمالي الودائع وتشكل مشتريات الأجانب ما بين 30% إلى 60% من مبيعات السوق العقاري في الدولة. وقال المساعيد إنه ليس من المتوقع أن تعرقل هذه الأزمة قطاع العقارات في دولة الإمارات بشكل كبير ومباشر ولكنها في الوقت نفسه ليست إيجابية.

وأوضح المساعيد أن دولة الإمارات بصورة عامة قد تأثرت بالأزمة المالية العالمية مثل غيرها من دول العالم على الرغم من صلابة ومتانة الاقتصاد المحلي، وارجع تأثر الدولة إلى الانفتاح الاقتصادي والقوي على الاقتصاد العالمي مما أدى إلى تخوف المستثمرين من امتداد الأزمة إلى الأسواق المحلية.

وقد تأثر كل من سوق أبوظبي وسوق دبي الماليين بالأزمة المالية كغيرهما من الأسواق الإقليمية والعالمية على الرغم من المؤشرات الايجابية لأرباح الشركات المدرجة في السوقين في الوقت الذي كشفت الأزمة أيضاً أن البنوك المحلية تتبع سياسات إقراض غير منضبطة وعالية المخاطر حيث ظلت هذه البنوك تمنح عملاءها قروضاً طويلة الأجل بينها قسط كبير من الودائع هي ودائع قصيرة أو متوسطة الأجل مما جعل حجم القروض الممنوحة من البنوك المحلية يتجاوز حجم الودائع بأكثر من 56 مليار درهم في شهر يونيو الماضي.

وأشار المساعيد إلى أنه في ظل الأزمة المالية العالمية وما شاع حول تأثر بعض البنوك المحلية بها شهدت الفترة الماضية حراكاً واضحاً في الودائع المصرفية بحثاً عن ملاذات خارجية وداخلية آمنة حيث توجهت هذه الودائع ضد البنوك التجارية الصغيرة إلى البنوك الكبيرة التي تملكها الدولة مما سيؤثر على قدرة البنوك على التمويل وخاصة البنوك الصغيرة.

كذلك أشار المساعيد إلى وجود تراجع كبير في حجم السيولة المتاحة ضمن النظام المصرفي في الدولة حيث يقدر النقص في السيولة حالياً بين 100 مليار و200 مليار درهم مرجعاً أسباب ذلك إلى الخلل الكبير الناتج عن وجود فجوة خطرة وبين المدد الزمنية لعملية الإقراض والاقتراض حيث إن هناك عدداً من البنوك.

معظم مصادر أموالها ناتج عن اقتراض أو مبالغ مودعة لديها لفترة قصيرة لكنها تقوم بعمليات إقراض ميسرة ولفترات زمنية طويلة ومتوسطة مما يجعل معدل الخطورة عالياً جداً نتيجة عدم التناسب ما بين الأجلين لعمليات الإقراض والاقتراض.

وأورد من الأسباب أيضاً خروج الأموال الأجنبية الساخنة التي دخلت الدولة للمضاربة على الدرهم في حالة إقدام المصرف المركزي على تغيير سياسة سعر الصرف كما كان متوقعاً وعندما تبدد هذا الاحتمال وزادت الحاجة إلى هذه الأموال في الخارج بسبب الأزمة المالية العالمية فقد انسحب القسط الأكبر من ودائع الأجانب في البنوك المحلية والتي تشكل 17% من إجمالي الودائع مقابل 75% لمواطنين و8% ودائع لعرب.

وفي المقابل أشار المساعيد إلى بعض العوامل الأخرى التي أسهمت في تخفيض هذه الأزمة وتأثيرها على اختصار الإمارات منها أن الدولة تمتلك احتياطياً حالياً جيداً يساعدها كثيراً في المحافظة على وتيرة تطور أعمال البناء والتطوير بغض النضر عن مستويات أسعار النفط خلال عام 2009، بالإضافة إلى انخفاض أسعار مواد البناء عالمياً خاصة الحديد، مما سيسهم في خفض تكاليف البناء وبالتالي خفض حجم التمويل المطلوب.

وفي نفس الوقت يستخدم بعض المطورين العقاريين في الدولة السندات الإسلامية لتمويل مشاريعهم، إلا أن استمرار انخفاض الأسعار بمعدلات كبيرة ولفترة طويلة مقبلة سيكون له انعكاسات واضحة ومباشرة على الاقتصاد الحقيقي في دولة الإمارات، حيث تراجعت أسعار النفط بأكثر من 70% خلال الشهور الأربعة الماضية من 147 دولاراً للبرميل إلى أقل من 34 دولاراً حالياً.

وأكد المساعيد ضرورة اتخاذ إجراءات تصحيحية إضافية تشمل العمل على إعادة هيكلة النظام المالي والمصرفي من حيث تسهيل وتشجيع عمليات الاندماج بين البنوك المحلية والمؤسسات المالية لإيجاد كيانات مالية قادرة على الصمود في وجه الهزات المصرفية وضرورة تطوير إدارة المخاطر ورفدها بالكفاءات البشرية والإدارية .

وتشديد المتابعة والمراقبة على الجهات المصرفية والمالية في الدولة وتطوير آليات التمويل الإسلامي وزيادة مناعة الاقتصاد المحلي ضد التقلبات الخارجية من خلال تعميق وتنويع القاعدة الإنتاجية وعدم التركيز على جهة واحدة للصادرات وتنويع الاستثمارات الخارجية وتوجيهها نحو القطاعات الإنتاجية.

أبوظبي ـ أحمد محسن