يعاني الاقتصاد الروسي من تبعات انخفاض عائدات النفط، وقال اركادي دفوركوفيتش المساعد الاقتصادي بالكرملين أمس إن روسيا ستواجه عجزا ماليا يتراوح بين 3و4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009 إذا استأنف الاقتصاد العالمي النمو في النصف الثاني من العام.
وأوضح دفوركوفيتش أنه إذا استمر انكماش الاقتصاد العالمي طوال العام المقبل فلن يتجاوز عجز الميزانية 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وتعتزم روسيا خفض صادرات النفط المنقولة بحرا 5. 7% في يناير بشكل طوعي وفقاً لاقتراح تقدم به مسؤول كبير وذلك بسبب رسوم مرتفعة تجعل الصادرات والإنتاج غير مربحين في ظل سوق محلية متخمة بالمعروض من الخام. وقال متعامل لدى شركة نفط روسية كبرى «إننا بصدد بدء إغلاق آبار في سيبيريا. لا يمكن تجنب تراجع الإنتاج»، مضيفا أنه اما أن يصدر بخسارة أو أن يغلق بعض الآبار لتحقيق التعادل بين العائدات والنفقات رغم أن سعر النفط في السوق المحلية 12 دولارا للبرميل.
ومن المنتظر تراجع إنتاج ثاني أكبر بلد مصدر للنفط في العالم نحو 1% هذا العام بعد عشر سنوات من النمو المستمر. ومن المتوقع تواصل التراجع العام القادم في ظل انخفاض أسعار النفط العالمية وفرض ضرائب باهظة الأمر الذي لا يتيح للمنتجين سيولة كافية لفتح حقول جديدة والحفاظ على مستويات الضخ في المكامن الحالية.
وأظهر تقرير نهائي لشهر يناير تراجع الصادرات 220 ألف برميل يوميا عن ديسمبر لتصل الى 69. 2 مليون برميل يوميا وهو أدنى مستوى منذ أغسطس. ويأتي الخفض في أعقاب تصريحات ايجور سيشين نائب رئيس الوزراء بأن روسيا قد تخفض الصادرات بما يصل إلى 320 ألف برميل يوميا في 2009 لمساعدة أوبك على دعم الأسعار. ولم تقدم روسيا التي حضرت اجتماع أوبك في وقت سابق من هذا الشهر بصفة مراقب أي تعهدات محددة للمنظمة رغم تصريحات سابقة بأنها قد تفعل.
وسبق أن شاركت روسيا في وقت سابق هذا العقد ضمن تحركات أوبك لخفض الصادرات لكن التزامها يعتبر غير منتظم. وقالت شركات نفط الروسية إنها تعتقد أن خفض الصادرات في يناير تحركه بالأساس عوامل تتعلق بالسعر. وقال وحيد علي كبيروف رئيس لوك أويل ثاني أكبر شركة نفط روسية سعر النفط منخفض جدا بما لا يضمن استقرار الإمدادات في المستقبل. وقال علي كبيروف أكبر مؤيد بين مسؤولي شركات النفط الروسية لتعاون أوثق مع أوبك انه يأمل أن تبذل روسيا وأوبك المزيد في المستقبل من أجل تحقيق استقرار الأسعار.
وتعتمد روسيا بدرجة كبيرة على عائدات النفط لضبط ميزانيتها ودعم اقتصادها المنكمش والحفاظ على الثقة في عملتها المحلية الآخذة بالتراجع. وتعتمد الحكومة نظاما لرسوم تصدير مرتفعة نسبيا وهو ما يرتد سلبا على شركات النفط خلال فترات التراجع السريع في أسعار الخام نظرا لاستناد الرسوم إلى أسعار أعلى بكثير من فترات سابقة.
ومع تراجع الصادرات تعمد شركات النفط إلى تكرير المزيد في مصافيها المحلية لكنها تواجه سوقا متخمة بالمعروض مع تراجع أسعار النفط المحلية تسليم يناير لما دون 12 دولارا للبرميل. ووافقت الحكومة أيضا على طلب شركة ترانسنفت التي تحتكر خطوط الأنابيب السماح لها برفع رسوم الشحن 7. 15% في 2009 وهو مستوى أقل من نسبة زيادة 21% طلبتها الشركة لكنه أعلى بكثير مما كانت تأمله شركات النفط.
وتقدر الرسوم بالروبل للطن في حين تطلب الشركات التحول الى نظام يرتبط بالأرباح أو العائدات. وأعلن الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف أنه يرغب في أن يجعل سعر صرف الروبل أكثر مرونة، بعد انخفاض سعر العملة الروسية بصورة طفيفة على دفعات في خضم الأزمة الاقتصادية. وأوضح «بالنسبة لسعر صرف الروبل، فينبغي ان يكون مؤثرا وان يعكس الوضع الحقيقي لاقتصادنا». وقال «علينا أن نبقي سعر الصرف ضمن هوامش محددة ولكن العملة يجب أن تكون في الوقت نفسه أكثر مرونة من الماضي حتى نتفادى المشكلات الاقتصادية الداخلية». ويتحرك الروبل ضمن هوامش ثابتة يضعها البنك المركزي الروسي مقابل سلة عملات،55% منها بالدولار و45% باليورو.
وتواجه الصادرات الروسية مصاعب كبيرة، وهددت موسكو بفرض عقوبات على أوكرانيا بسبب مستحقات الغاز لكن شركة جازبروم طرحت حلا وسطا قد يبقي على تدفق الغاز إلى كييف ويضمن إمدادات سلسة إلى أوروبا بعد مهلة تنتهي في أول يناير. والخلاف الدائر بين روسيا وأوكرانيا بشأن الغاز هو الرابع في أربع سنوات مع تحذير موسكو من أنها قد تقطع الإمدادات عن كييف من العام القادم ما لم تسدد
أوكرانيا مستحقات متأخرة تقدرها جازبروم بمبلغ 67. 1 مليار دولار فضلا عن غرامات قيمتها 450 مليون دولار.
وكان نزاعا سابقا في 2006 عطل لفترة وجيزة إمدادات الغاز الروسية إلى القارة بأسرها منتصف فصل الشتاء عندما علقت أوكرانيا مده إلى أوروبا عبر أراضيها مما دفع أسعار الغاز الفورية إلى الارتفاع. وقال ميدفيديف «عليهم دفع المبلغ حتى آخر روبل إذا أرادوا ألا يواجه اقتصادهم في نهاية المطاف عقوبات تفرضها روسيا. يستحيل الاستمرار على هذا النحو»، لكنه لم يوضح نوع العقوبات التي قد تفرضها موسكو على أوكرانيا التي استوردت ما قيمته 15 مليار دولار من السلع من روسيا هذا العام بما في ذلك معادن ومعدات ثقيلة. وتتبادل موسكو وكييف الاتهامات يوميا في أحدث نزاع بشأن الغاز.
ويستشعر كل من البلدين تداعيات الأزمة المالية العالمية على أسواقه واقتصاده ويواصل المجادلة بشأن حجم المتأخرات ومواعيد السداد النهائية. لكن جازبروم وأوكرانيا ومحللين بالصناعة يقولون إن الوضع الحالي مختلف عن 2006 وان إمدادات الغاز الروسية التي تغطي ربع حاجات أوروبا لن تتعطل.
وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية خزنت أوكرانيا ربع استهلاكها السنوي من الغاز مما يعني أنها تستطيع الاستغناء عن الإمدادات الروسية لعدة شهور. ويقول محللون إن هذا قد يدفع جازبروم في نهاية المطاف إلى إبرام صفقة في اللحظة الأخيرة لكن المخاوف لا تزال قائمة ويدعو الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كلا الجانبين إلى سرعة تسوية الخلاف.
وفي وقت سابق قالت جازبروم التي تحتكر صادرات الغاز الروسية إن أوكرانيا تستطيع تجنب قطع إمدادات الغاز الروسية من أول يناير إذا أوضحت كيف ستسدد ديونها عن مشتريات الغاز العام القادم. وقال سيرجي كوبريانوف المتحدث باسم جازبروم عندما سئل إذا كان من الممكن تجنب قطع الإمدادات في حالة عدم سداد كييف الدين كاملا بحلول أول يناير «ينبغي أن نفهم بوضوح كيف يمكن أن نسترد هذا المال». وصدرت تصريحات تصالحية عن ميدفيديف أيضا الذي قال «هدفنا ليس قطع الغاز عن أي أحد. هدفنا هو استرداد أموالنا».
وقال روبرت وود المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن قلقة من أن قطع الغاز قد يؤثر على بلدان أخرى. وقال «نريد التأكد من أن زبائن هذا الغاز الطبيعي لن يتأثروا بأي شكل سلبي لذا نريد أن نرى كلا من أوكرانيا وروسيا تسوي هذا الأمر تجاريا وعلى نحو يتسم بالشفافية». وقالت جازبروم ان مخزونات الغاز الكبيرة لدى أوكرانيا تقدم ضمانا إضافيا لإمدادات سلسة من الغاز الروسي إلى أوروبا حتى إذا قطعت جازبروم الإمدادات عن أوكرانيا نفسها من أول يناير.
وأوضح «ينبغي أن أقول إن هذا العام الجانب الأوكراني استعد جيدا لفترة الخريف والشتاء، يعني هذا أن هناك قدرة فنية على ضمان مد الغاز إلى أوروبا». وسبق أن وافقت جازبروم على إعادة هيكلة ديون الغاز المستحقة على أوكرانيا. وقال كوبريانوف ان هناك خيارات أخرى لتسوية الخلاف لكنه استبعد أن تعيد أوكرانيا بيع روسيا الغاز من مخزوناتها. وقال «حتى في متاجر ايكيا تستطيع رد سلعة في غضون 30 يوما فقط. عقدنا يخلو من هذا الخيار».
أسعار
موازنة 2009 اعتمدت 95 دولاراً للبرميل
تم إعداد موازنة 2009 على أساس سعر النفط 95 دولارا للبرميل ولكن وزارة المالية الروسية عادة وخفضت توقعاتها بشأن أسعار النفط إلى 55 دولارا للبرميل. وذكر مسئولون روس في وقت سابق من الشهر الحالي أنه مع تراجع أسعار النفط إلى أقل من 40 دولارا للبرميل فإن إيرادات روسيا قد تنخفض بمقدار تريليون روبل (36 مليار دولار).
وقال مسؤول مالي إن العجز جاء نتيجة انخفاض أسعار النفط بشكل أساسي وإنه من المنطقي استخدام الاحتياطي النقدي لتغطية عجز الموازنة. وتتضمن خطة موازنة روسيا لأربع سنوات والتي بدأ تنفيذها الشهر الماضي زيادة الإنفاق على الدفاع ومشروعات البنية الأساسية. ومن المتوقع أن تخفض وزارة المالية بشكل غير رسمي الإنفاق بنسبة 7% خلال العام المقبل. وقالت الصحف إن رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين طلب خفض حسابات الوزارات ومؤسسات الدولة بنسبة 15%.
مساع
تسعى شركة للصلب مقرها في منطقة الأورال بروسيا إلى الحصول على قرض بقيمة 85 مليون دولار من مصرف «غازبروم بنك» الذراع المالية لشركة «جازبروم» الروسية العملاقة للطاقة. ونقلت صحيفة «كوميرسانت» الاقتصادية أمس عن شركة «تشيليابينسك ميتالوجيكال بلانت» وهي وحدة تابعة لشركة «ميتشيل جروب» الروسية العملاقة للصلب قولها إنها سوف تخصص حصة نسبتها 25% زائد سهم واحد كضمان للقرض حتى الأول من أكتوبر القادم. وذكرت وكالة نوفوستي الروسية نقلا عن ديميتري سمولين وهو محلل في صناعة الصلب بشركة «أورالسيب كابيتال» ان مصنع الصلب يسعى من وراء القرض إلى التخفيف من آثار الأزمة المالية العالمية المتوقع أن تصل لذروتها الربيع القادم.
(د ب أ)

