واصلت أسعار النفط تراجعها في الأسواق الآسيوية لتقترب من تسجيل أدنى معدل لها منذ أربعة أعوام ونصف. وفي إحدى مراحل التداول سجل سعر الخام الخفيف تسليم يناير المقبل 80. 36 دولارا بتراجع مقداره 58 سنتا عن سعر الإغلاق السابق. كما تراجع سعر برميل مزيج برنت بحر الشمال تسليم فبراير المقبل بمقدار 44 سنتا ليسجل 80. 43 دولارا.

وقال المتعاملون إن القلق من تراجع أداء الاقتصاد العالمي لا يزال يسيطر على أسواق النفط حيث أن التوقعات الاقتصادية المتشائمة تعني تراجع الطلب على النفط. ويبدو أن قرار وزراء نفط منظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك» خفض سقف الإنتاج اليومي للمنظمة اعتبارا من مطلع العام الجديد بمقدار 2. 2 مليون برميل لم يؤثر بشكل إيجابي حتى الآن على أسواق النفط. وبهذا القرار الذي اتخذته المنظمة خلال اجتماع عقدته الأسبوع الماضي بمدينة وهران الجزائرية يصل إجمالي الخفض في إنتاج أوبك منذ سبتمبر الماضي إلى 2. 4 ملايين برميل يوميا.

وتوقع خبراء أن يؤدي قرار خفض إنتاج أوبك إلى استقرار سعر النفط عند مستواه الحالي غير انه لن يؤدي على الأرجح إلى رفعها إلى مستوى 75 دولارا الذي تأمل العديد من بلدان المنظمة الوصول إليه. وبحساب مستوى الإنتاج الحقيقي في سبتمبر فان عملية الخفض هذه الثالثة من نوعها خلال أربعة أشهر، هي الأهم التي تقررها المنظمة منذ 1982.

وخفضت المنظمة إنتاجها المستهدف إلى 84. 24 مليون برميل يوميا مقابل 3. 27 مليون برميل يوميا سابقا. ويعني ذلك خفضا واقعيا للانتاج بنحو 5. 2 مليون برميل يوميا في مستوى الحصص. ومع أن رد المنظمة كان يهدف الى الدفاع عن سعر برميل النفط الذي شهد تراجعا كبيرا، فان سعر الخام واصل تراجعه.

وبالرغم من ذلك فان العديد من المحللين يرون إن قرار أوبك من شأنه أن يمنع تدني أسعار النفط إلى مستويات اكبر. وقال سيمون ويردل من مكتب «غلوبل انسايت» بلندن «إن خفض الإنتاج سيؤدي إلى استقرار السوق وبالتالي مساعدة الأسعار على الوقوف على أرضية صلبة».

غير انه أضاف «صعود الأسعار إلى المستوى الذي ترغب فيه أوبك بين 70 و80 دولارا، سيطلب بعض الوقت». وأكد توربورن جوس الوسيط لدى شركة «دي ان بي ماركتس» النروجية أن الخفض المعلن «سيكون كاف جدا لمنع الأسعار من التراجع أكثر في 2009». لكن استمرار حالة القلق الكبير بشأن الطلب ستكبح أي ارتفاع هام للأسعار.

وأكد المحلل المستقل جون هال في وهران أن «الناس سترى على الأمد البعيد كيف سيكون التوازن بين العرض والطلب». وأوضح اوليفييه جاكوب من مكتب «بيتروماتريكس» السويسري ان «المشكلة التي لا تزال قائمة هي انه لا احد بإمكانه تقديم توقعات ذات مصداقية بشأن الاقتصاد العالمي وبالتالي بشأن مستوى الطلب العالمي» على النفط.

وبدا محللوا «بركلايز كابتل» اكثر ثقة في قدرة السوق على النهوض واعتبروا أن قرار أوبك بني على «أسوأ السيناريوهات الممكنة بشأن الطلب القائمة على تراجعه بما بين ثلاثة وأربعة ملايين برميل يوميا». لكن العامل الآخر الذي يحد من الأثر الايجابي لقرار أوبك على الأسعار هو شك المتعاملين القوي في قدرة أعضاء المنظمة على احترام قراراتهم.

ويظهر تاريخ أوبك انه خلال فترات تراجع الأسعار فان أعضاء المنظمة يسعون إلى عدم احترام خفض الإنتاج للحفاظ على عائداتهم من العملة الأجنبية. وقال الوسيط الأميركي ستيفن شورك «أوبك فشلت في الإقناع بأنه يمكنها سحب 2. 4 ملايين برميل من السوق». أما مشاركة الدول النفطية غير الأعضاء في أوبك في عملية التخفيض فان السوق لم ينظر إليها بجدية.

وأعلنت روسيا وأذربيجان استعدادهما لخفض إنتاجهما دعما لجهود أوبك في استقرار الأسعار غير أن أوبك لم تحصل على أي اتفاق رسمي بهذا الشأن. ولاحظ مكتب «جي بي سي اينرجي» في فيينا أن «روسيا وهي اكبر منتج للنفط من خارج أوبك، امتنعت عن التعهد بشكل حازم بخفض إنتاجها» مشيرا في الآن ذاته إلى أن النضوب الطبيعي لآبار النفط الروسية سيساوي مساعدة غير مقصودة من روسيا لأوبك.

وقال نوبو تاناكا رئيس وكالة الطاقة الدولية إن تخفيضات الإنتاج الحادة لمنظمة أوبك فشلت في إيقاف هبوط الأسعار لان السوق متأثرة بتراجع الطلب على الوقود مع انحسار النمو الاقتصادي العالمي. وأوضح تاناكا «السعر لا يرتفع لان السوق كانت تتوقع هذا الرقم لخفض إنتاج أوبك».

وأضاف «الاقتصاد العالمي يزداد سوءا ولذا فان السوق تستجيب لهذا». وقالت مؤسسة جيه.بي.مورجان في مذكرة بحثية انها خفضت تقديرها لسعر خام غرب تكساس الوسيط في العام المقبل إلى 43 دولارا من 69 دولارا للبرميل.

وهوت أسعار النفط أكثر من 9% أول من أمس الخميس إلى 36 دولارا للبرميل إذ طغى تراجع الطلب وارتفاع المخزونات الأميركية على الخفض القياسي في إنتاج أوبك. وبلغ الهبوط ما يقرب من ثلاثة أرباع القيمة بسبب تراجع الطلب على النفط بفعل الأزمة المالية العالمية.

ومع توقعات بأن يشهد الاستهلاك العالمي للطاقة أول انخفاض منذ 1983 فان الخطوة التي اتخذتها أوبك قد لا تكون كافية لوقف الاتجاه النزولي الحاد الذي خسر فيه النفط حوالي 107 دولارات منذ أن سجل أعلى مستوى له على الإطلاق والبالغ 27. 147 دولارا في يوليو الماضي.

ورأى رئيس السلفادور إلياس أنطونيو ساكا أن انخفاض أسعار البترول لن يتم عن طريق خفض الإنتاج. وقال إن الهدف من خفض الإنتاج يأتي بناء على رغبة بعض الدول الأعضاء في المنظمة مثل السعودية وفنزويلا في وصول سعر برميل النفط إلى مستويات الشهور السابقة عندما سجل 75 دولارا. وأضاف «أحمد الله أن الأسعار انخفضت في أعقاب القرار».

وانكمش فرق السعر بين خامي برنت ودبي مقتربا من أدنى مستوياته في عدة سنوات الذي سجله في وقت سابق هذا العام مع ارتفاع سعر الخامات الأقل جودة والأكثر تأثرا من غيرها بقرار منظمة أوبك خفض المعروض.

وقال متعاملون إن الفرق السعري بين عقد أقرب استحقاق لخام برنت ونظيره لخام دبي بلغ 10. 1 دولار للبرميل نزولا من 40. 1 دولار في اليوم السابق. ولا يزيد هذا كثيرا عن مستوى 80 سنتا الذي سجله فرق السعر لفترة وجيزة في أغسطس وكان أدنى مستوى في ثماني سنوات على الأقل.

وقال متعامل مقيم في سنغافورة إن فرق السعر «انكمش في أعقاب قرار أوبك». ويحدد فرق السعر ما إذا كان من المجدي جلب خامات حوض الأطلسي إلى أسيا حيث يصبح شحن الخامات المرتبطة بمزيج برنت مثل خامات غرب أفريقيا وحوض المتوسط والاورال أكثر إغراء لدى انكماش فرق السعر.

وقال تقرير لمؤسسة اويل موفمنتس الاستشارية البريطانية إن صادرات أعضاء منظمة أوبك من النفط الخام ماعدا انجولا والإكوادور ستهبط 180 ألف برميل يوميا خلال فترة الأربعة أسابيع التي تنتهي في الثالث من يناير. وأوضح التقرير أن صادرات النفط الخام المحمولة بحرا لأحد عشر عضوا في أوبك منهم العراق ستنخفض في فترة الأربعة أسابيع في المتوسط إلى 88. 23 مليون برميل يومياً وهو أدنى مستوى لها في 12 شهرا.

ويشكل هذا دليل جديد على تراجع الطلب في وقت تصل فيه إمدادات المعروض عادة ذروتها لتلبية احتياجات الشتاء. وأشار التقرير إلى انه وبحلول ذلك الوقت فان صادرات أوبك المحمولة بحرا ستقل في المتوسط مليون برميل يومياً عن ذروتها الصيفية في أوائل أغسطس وهو ما ينبئ بأنها أوفت بنصف ما تعهدت به من سحب مليوني برميل يوميا من الأسواق العالمية.

(الوكالات)