قالت مجلة إكونومست في تقرير لها إن المدخرين الأميركيين والأوروبيين فقدوا في الواقع مدخراتهم منذ عقد مضى، فبعد طفرتين ونكستين، لم تحقق سوق الأسهم لهم أي مكسب خلال العشر سنين الماضية. كما جعلت أسعار الفائدة المتدنية السندات والودائع البنكية غير مجزية أيضا.

ولولا الإعفاءات الضريبية التي حظوا بها، لكان المساهمون في خطط صناديق التقاعد أفضل حالا فيما لو احتفظوا بمدخراتهم في جيوبهم. وأضاف التقرير أن هذا العام كان كارثة بالنسبة للمدخرين، فقد انخفضت قيم أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم إلى قرابة النصف ووصلت قيمتها الآن إلى 30 تريليون دولار دون مستوى الذروة التي بلغتها، والتي قدرت العام الماضي بنحو 60 تريليوناً.

ولقد تهاوت أسعار السندات التجارية والعقارات التجارية حتى بلغت الحضيض. بالإضافة إلى ذلك فإن كلا من نوع استثماراته في السلع والصناديق التحوطية والملكية الخاصة مني بخسارة فاحشة. حتى أولئك الذي كانوا من الفطنة بحيث احتفظوا بأموالهم في حسابات ادخارية ساورتهم مخاوف على سلامة البنوك.

وأسوأ من ذلك كله، أن قيمة مصدر ثروة الناس الرئيسية وهي المنازل، انخفضت انخفاضا حادا. وكما بينت دراسة مسحية أجرتها وكالة العقارات نايت فرانك، فإن أسعار العقارات السكنية بدأت في الانخفاض في 23 من 45 بلدا جرى مسحها على أساس ربعي. وقالت المجلة إن حجم الضرر يختلف من شخص إلى آخر اعتمادا على الجهات التي وضعت بها الأموال.

وفي هذا الصدد قال معهد استثمار الشركات، وهو الاتحاد الوطني للصناديق الاستثمارية الأميركية، إن قيمة أصول مثل تلك الصناديق بلغت 6. 9 مليارات دولار نهاية شهر أكتوبر الماضي، أي أقل بنحو 4. 2 تريليون دولار عما كانت عليه نهاية أتوبر عام 2007.

وقدر مكتب الموازنة في الكونغرس أن صناديق التقاعد الأميركية انخفضت قيمتها 2 تريليون دولار خلال الشهور الثمانية عشر الماضية. وما تلك الخسائر الأميركية سوى نزر يسير من المجموع الكلي العالمي. وبالمقارنة فإن بنك انجلترا يقدر خسائر الأوعية المالية المرتبطة بالائتمان خسرت 8. 2 تريليون وهي الأوعية التي جرت النظام المالي إلى الحضيض.

وفي واقع الأمر فإن انهيار أسواق الأسهم هذا العام كان على درجة من الحدة بحيث أدى إلى تبخر جميع المكتسبات التي تحققت في طفرة عامي 2003و2007. وكان مؤشر ستاندارد أند بورز 500. قد انخفض إلى أدنى مستوياته منذ 11 عاما.

وفد اتضح أن المزاعم المبالغ فيها للأسهم في تسعينات القرن الماضي عندما جرى الحديث عن بلوغ مؤشر داو جونز الصناعي ل36 ألف نقطة أو حتى 100 ألف نقطة كانت جوفاء. وكان داو الذي بلغ نحو 13 ألف نقطة نهاية العام الماضي، متداولا ما بين 8000 و9000 نقطة.

وقال تقرير إكونومست إن القسط الأعظم من الخسارة أصاب أصحاب الثروات الطائلة، الأكثر تحملا، فيما كانت طائفة أخرى أقل استعدادا للتحمل. وكانت فئة من المستثمرين قد تعرضت لأفدح الأضرار وهم العاملون المساهمون في أنظمة التقاعد.

حيث أن دخل هؤلاء التقاعدي يعتمد على العوائد المترتبة عن صناديقهم التقاعدية. ولقد شعر هؤلاء العمال بالإحباط أو الخذلان، مما قادهم إلى الإحجام عن الإدخار لتقاعدياتهم، أو شراء الأسهم لذلك الغرض. فقد قيل لهم أن الإدخار سيثمر على،المدى البعيد.

ووفقا لإحصائيات مورننغ ستار، شركة الأبحاث الاستثمارية فإن الأميركي الذي وضع 100 دولار في صندوق أسهم عادي سيكون جمع 932. 10 دولارا أقل بنحو 068. 1 دولار عما استثمره. وأكد التقرير أن الصناديق الأكثر توازنا التي جمعت ما بين السندات الحكومية والأسهم، أصيبت أيضا بخسارة أموالها. فيما فقد الأوروبي الذي استثمر مبلغا ثابتا خلال العقد الماضي قرابة 25 في المائة من أمواله وفقا ل« ليبور» شركة بحوث أخرى.

وعلى الصعيد ذاته فإن الأفراد الأميركيون لم يجدوا خلال عقد ونيف من الزمان حاجة لتوفير شيء من دخولهم البتة. وقد انخفضت نسبة ادخار الفرد دون 5. 2 في المائة منذ 1999. إذ أن الأميركيين والبريطانيين عاشوا أحلاما وردية لمدة عقد من الزمن مدخرين أقل مما يجب ظنا منهم أن أسعار الأسهم والمنازل ستظل على ارتفاعها إلى الأبد.

أما وأنهم أدركوا الآن الحقيقة المرة فربما يقررون زيادة مدخراتهم مما يجعل الكساد أشد سوءا مما هو متوقع. ويتوقع الاقتصاديون في لومبارد ستريت ريسيسرتش المتخصصة في الأبحاث أن يرتفع معدل الادخار الأميركي، الذي تحول إلى سلبي خلال فترة ما من عام 2005( إنفاق المستهلكين أكثر من دخولهم) إلى 10 في المائة خلال العام والنصف القادمين.

وقد يرى كثير من الاقتصاديين في زيادة الادخار بادرة سيئة الآن ففي ظل مرور معظم الاقتصاديات العالمية الغنية في أنحاء العالم بمرحلة من الكساد فإن الحكومات تفضل قيام الأفراد بالإنفاق بدلا من الادخار. وهذا لن يحدث ما لم يكن هناك باعث. وقالت المجلة إن المدخرات غير الكافية والتي أسيء استثمارها هي مشاكل بالنسبة للأفراد والاقتصاديات.

فالمستثمرون الحذرون يضعون أموالهم في البنوك والبنوك ممتنعة عن الإقراض،وبالتالي فإن الشركات تجد صعوبة في الاقتراض وفي جمع رساميل الأسهم. وهذا يلحق الضرر بالشركات وبالمدخرين على المدى البعيد. وبالرغم من كل شيء فإن الأسهم والسندات التجارية هي رهان بعيد المدى أفضل من السيولة النقدية.

ترجمة ـ وائل الخطيب