واصل النفط انخفاضه دون مستوى 40 دولارا للبرميل مقتربا من أدنى مستوى له منذ أكثر من أربعة أعوام في التعاملات الآسيوية أمس اذ طغى ارتفاع مخزون النفط الخام الأميركي ودلائل جديدة على تباطؤ الطلب على أكبر خفض إنتاجي لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» منذ تأسيسها. وتشهد أسعار النفط هبوطا مستمرا لتسجل مستوى قياسيا وبلغ الهبوط ما يقرب من ثلاثة أرباع القيمة بسبب تراجع الطلب على النفط بفعل الأزمة المالية العالمية.
ويتوقع كبار الخبراء الآن أول انخفاض في استهلاك العالم من الطاقة منذ عام 1983. وفي إحدى مراحل التداول هبط الخام الخفيف للعقود تسليم يناير 42 سنتا إلى 64. 39 دولارا للبرميل بعد أن هبط في وقت سابق إلى 19. 39 دولارا للبرميل وهو أدنى مستوياته منذ يوليو 2004. وانخفض خام القياس الأوروبي مزيج برنت لعقود فبراير 43 سنتا إلى 10. 45 دولارا للبرميل.
وقالت مؤسسة جيه.بي.مورجان في مذكرة بحثية انها خفضت تقديرها لسعر خام غرب تكساس الوسيط في العام المقبل إلى 43 دولارا من 69 دولارا للبرميل. وقال المحللون العاملون بالمؤسسة في المذكرة الصادرة بتاريخ 17 ديسمبر «يعكس خفض حاد في توقعاتنا للسعر في 2009 من 69 دولارا إلى 43 دولارا للبرميل التدهور المستمر في البيئة الاقتصادية العالمية وما يستتبعه من انكماش حاد في الطلب العالمي على النفط في عامي 2008 و2009».
وفي إطار مساعيها لوقف هبوط أسعار النفط أعلنت أوبك في ختام اجتماع عقدته بمدينة وهران الجزائرية أول من أمس الأربعاء خفض الإنتاج بمقدار 2. 2 مليون برميل يوميا على أن يبدأ سريانه في الأول من يناير وهو خفض يزيد قليلا على التوقعات. وجاءت هذه الخطوة في أعقاب تخفيضات لأوبك بلغ حجمها الإجمالي مليوني برميل يوميا منذ سبتمبر لكنها بدلا من أن تعزز أسعار النفط فإنها زادت التشاؤم بشأن الطلب.
ومع توقعات بأن يشهد الاستهلاك العالمي للطاقة أول انخفاض منذ 1983 فان الخطوة التي اتخذتها أوبك قد لا تكون كافية لوقف الاتجاه النزولي الحاد الذي خسر فيه النفط حوالي 107 دولارات منذ أن سجل أعلى مستوى له على الإطلاق والبالغ 27. 147 دولارا في يوليو الماضي.
وأضر الكساد بالطلب العالمي ومخزونات الوقود تتزايد في العالم. وقال شكيب خليل رئيس أوبك ان المنظمة ستبذل ما في وسعها لضمان تنفيذ القيود الجديدة بصرامة. وأوضح خليل «يمكنني القول انها ستنفذ وستنفذ بشكل جيد جدا لأننا ليس أمامنا خيار آخر».
وأضاف «إذا لم يحدث ذلك سيسوء الوضع». وخفضت السعودية اكبر مصدر للنفط في العالم إمداداتها لعملائها حتى قبل إعلان الخفض للمساعدة في دفع الأسعار مرة أخرى باتجاه مستوى 75 دولارا للبرميل الذي قال الملك عبد الله عاهل السعودية انه يعتبره سعرا عادلا. وقال وزير النفط السعودي علي النعيمي «الهدف من الخفض هو تحقيق توازن السوق وتأرجح الاسعار حول مستويات منخفضة».
وأضاف: «الخفض قد يؤدي الى رفع الاسعار وقد لا يؤدي الى ذلك». وبهذا الخفض وهو الثالث هذا العام يبلغ اجمالي تخفيضات أوبك لانتاجها 2. 4 ملايين برميل يوميا أي نحو 5% من امدادات النفط العالمية. وتوقع عبدالله العطية وزير الطاقة القطري أن يلتزم أعضاء منظمة أوبك التزاما كاملا بالخفض القياسي الذي قررته المنظمة. وقال العطية للصحافيين إنه مازال يشعر بالقلق بسبب سعر النفط وان انخفاض الاسعار دفع الدوحة لتأجيل بعض المشروعات النفطية.
والتقى وزراء النفط في دول الأوبك لمعالجة سؤال واحد «كيف يمكن وقف نزيف الأسعار وإيجاد توازن في السوق؟» وقد حضرت المنظمة لهذا الاجتماع منذ أسابيع بتكثيف المشاورات فيما بينها و بين الدول المصدرة للنفط خارجها وفي مقدمتها روسيا ثاني أكبر ممون للسوق العالمية بالنفط. وسبق اجتماع مجلس الوزراء لقاءات ماراثونية للخبراء والمستشارين لدراسة وضع السوق وقياس مستوى تخفيض الإنتاج المناسب لإحداث التوازن الضروري.
ويقول محللون إن تقليص الانتاج قد يولد نتائج عكسية. فالارتفاع المنشود للأسعار بفعل تقليص الانتاج يستوجب تجاوب الاقتصاد العالمي مع الحالة. بيد أن هذا الاقتصاد في غير هذه الحال وهو يتهاوى في عدد من الدول الأكثر استهلاكا. وستجد قطاعات كثيرة نفسها غير قادرة على تحمل أعباء جديدة ويتقلص بالمقابل الاستهلاك ما يدفع الأسعار إلى الانهيار مجددا. وظهرت هذه التحذيرات خلال تصريحات عدد من الأخصائيين والإعلاميين الذين حضروا إلى وهران لتغطية الحدث.
ولم يكن للقرار صدى إيجابي فوري على الأسواق حيث تراجعت أسعار النفط بعد ساعات من صدور القرار إلى أدنى مستوياتها في أكثر من أربع سنوات، وقال متعاملون إن الخفض قد لا يعوض تراجع الطلب العالمي على الطاقة. وقال أديسون أرمسترونج مدير أبحاث السوق لدى تراديشين انرجي في ستامفورد بولاية كونيتيكت «يبدو رغم حقيقة أن اقتصادات الدول المنتجة تمر بمتاعب واضحة فإنهم لا يملكون التهور اللازم للمضي قدما والقيام بخفض قد يثير بحق اهتمام المتعاملين».
ويرسل تراجع الأسعار بالفعل موجات من الصدمات في أنحاء الدول وكبرى الشركات المنتجة للنفط أسفرت بالفعل عن تخفيضات وتأجيلات في الإنفاق على مشاريع رئيسية لتعزيز الإنتاج العالمي في المستقبل. وقال اناتولي يانوفسكي نائب وزير الطاقة الروسي إن تراجع الطلب العالمي على النفط والغاز سيؤدي إلى هبوط طبيعي في الإنتاج الروسي. وأكد يانوفسكي مجددا أن روسيا لم تقدم أي تعهدات محددة في مذكرة بعثت بها إلى أوبك.
وقال محللون في مجال الطاقة انه رغم رد فعل السوق إلا أن تخفيضات أوبك قد تعزز الأسعار في الأجل الطويل إذا التزم الأعضاء وتراجع الطلب دون المتوقع. وقالت سارة امرسون مديرة شركة أبحاث أمن الطاقة في بوسطن «السؤال الأهم بشأن مدى فعالية هذا الاتفاق سيكون إلى أي مدى ينكمش الطلب، أعتقد أن أوبك تظهر أن لديها عزما قويا على دعم الأسعار».
وفيما قدمت الولايات المتحدة انتقادات حادة لخطوة خفض إنتاج أوبك، قالت المفوضية الأوروبية إنها ستسعى للحصول على مزيد من المعلومات من المنظمة عن قرارها. وقال متحدث باسم المفوضية في لقاء دوري مع الصحافيين «المفوضية ستطلب المزيد من التفاصيل في إطار حوارنا الثنائي حول سبب اتخاذ القرار والأثر الذي سيحدثه».
(الوكالات)