قال محللون إن التدهور السريع في الاقتصاد العالمي في الشهور الأخيرة يعني أن الأسوأ لم يأت بعد بالنسبة لأوروبا. فبعد بداية مبهجة لعام 2008 فإن منطقة اليورو التي تضم 15 بلداً والمانيا صاحبة اكبر اقتصاد فيها يمكن أن يواجهوا الآن عاما شديد الالم حيث تتصاعد المخاوف من أن الركود الطويل يرسخ أقدامه في خضم ارتفاع متزايد في أعداد العاملين الذين يتم الاستغناء عنهم وتهاوي الصادرات وتقلص الطلبيات وتراجع الاستهلاك الخاص.
وقال إلجا بارتش الخبير الاقتصادي بمؤسسة مورجان ستانلي الاستثمارية الأميركية «منحنى الهبوط الحالي تاريخي في أبعاد متعددة. وفي حين أن منطقة اليورو شهدت مراحل من الجمود الاقتصادي فإنها لم تشهد ركودا شاملا من قبل».
ويري صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والبنك المركزي الاوروبي، تري جميع هذه المؤسسات الاقتصادية البارزة أن النمو في منطقة اليورو سيتراجع بنسبة نصف في المئة على الاقل العام القادم.
لكن عددا كبيرا من الخبراء الاقتصاديين يعتقدون الآن أن هذا التقدير ربما كان مفرطا في التفاؤل حيث إن ثمة أدلة متزايدة على أن أسواق الصادرات الاوروبية الرئيسية في آسيا والشرق الاوسط وشرق اوروبا ستفقد أيضا قوة دفع. ويتناقض هذا الوضع بشكل صارخ مع بداية عام 2008 عندما تنبأت الشركات الاوروبية بجولة أخرى من الارباح القياسية على خلفية نمو اقتصادي قوي في الربع الاول وكان الحديث يدور حول ما إذا كانت اوروبا ستشهد أي منحنى تراجع جراء أزمة الرهونات العقارية الاميركية.
لكن الايام الاخير شهدت احساسا عميقا بالكآبة يخيم على اجتماعات مجالس ادارة الشركات الاوروبية مما دفع عددا كبيرا من هذه الشركات لتقليص أرقام توقعاتها للأرباح والاعلان عن خطط لخفض الانتاج. بيد أن ما أصاب سوق القروض العقارية الاميركية عالية المخاطر على مدى 18 شهرا أرسل بموجات صادمة عبر أسواق الاسهم العالمية أثارت إمكانية حدوث هبوط اقتصادي عالمي حاد ولا يزال مدى عمق وطول الازمة المالية وما سينجم عنها من تراجع اقتصادي غير واضح.
هذا برغم سلسلة حزم التحفيز الاقتصادي وخطط الانقاذ المصرفي التي أطلقتها الحكومات في مختلف أنحاء أوروبا في مسعى لحفز النمو الاقتصادي والحد من تداعيات الازمة المالية العالمية.
والاهم من ذلك انه يظل من غير الواضح أيضا كيف ستغير الفوضي المالية الحالية المشهد الصناعي والاقتصادي العالمي وبخاصة في القطاعات التي تحملت العبء الاكبر للازمة مثل المصارف والسيارات والعقارات.
ومما يبرز بشدة مدى الشكوك العميقة التي تواجه البورصات الاوروبية أن أسعار أسهم الشركات الاوروبية هوت في بعض الحالات بنسبة 90 في المئة منذ مطلع العام حيث تخلص المستثمرون في مختلف أنحاء المعمورة من الاسهم. ومن ناحية أخرى فان المخاوف التي برزت في وقت سابق من العام بشأن انفجار التضخم مع الارتفاع الصاروخي في أسعار النفط حل محلها الآن مخاوف من الانكماش.
وفي إجراء ينم عن مدى فداحة التهديدات التي تواجه اقتصاد منطقة اليورو أعلن البنك المركزي الاوروبي هذا الشهر عن أكبر خفض في أسعار الفائدة عرفه في تاريخه الذي بدأ قبل 10 سنوات وحيث يتوقع محللون أن البنك سيستمر في خفض أسعار الفائدة لفترة طويلة من العام القادم.
ويتماشي هذا تماما مع واقع تهاوي أسعار النفط وما أدت إليه من تراجع للتضخم إلى 4,1 في المئة أو ربما أقل العام القادم. وفي معرض استعراضه لاسباب خفض اسعار الفائدة بواقع 75 نقطة أساس في تحرك غير مسبوق قال رئيس البنك المركزي الاوروبي جان - كلود تريشيه «إن الآفاق الاقتصادية المستقبلية تظل محاطة بشكوك غير عادية».
وقال كلاوس بادير كبير الخبراء الاقتصاديين الاوروبيين بمؤسسة ميريل لينش المالية «انه وضع اقتصادي استثنائي. والظروف الاقتصادية الراهنة تستدعى تحركا غير مسبوق».
وانخفضت مؤشرات الثقة الاقتصادية في منطقة اليورو في نوفمبر الماضي لادنى مستوى لها في غضون 15 عاما حسبما أظهر استطلاع رئيس الاسبوع الماضي بعد أن دخلت الكتلة الاقتصادية في ركود في الربع الثالث وسط دلائل على أن إمكانية الحصول على قروض تتقلص الآن أيضا.
وكانت صناعة السيارات وهي من القطاعات الرئيسية في اوروبا الاشد تضررا من التراجع الاقتصادي الراهن حيث أشارت تقديرات مجموعة جي دي باور العالمية لخدمات تسويق المعلومات في مجال صناعة السيارات إلى تراجع مبيعات السيارات في غرب أوروبا بنسبة 25 في المئة في نوفمبر.
وقد بدأت تداعيات التراجع الاقتصادي الحاد في الوصول الي سوق الوظائف في منطقة اليورو. وسجلت معدلات البطالة أكبر زيادة لها على أساس شهري في أكتوبر الماضي حيث قفزت لاعلى مستوى لها في غضون نحو عامين إلى 7,7 في المئة بحسب مكتب الاحصاءات التابع للاتحاد الاوروبي.
فقد تم فقد نحو 100 الف وظيفة في السوق المالي الاوروبي وحده منذ تصاعد أزمة الانهيار المالي العالمي في سبتمبر عقب انهيار بنك ليمان برازرز أكبر بنوك الاستثمار الأميركية. وتتواصل البيانات الاقتصادية الكئيبة بلا انقطاع.
فقد تراجعت طلبيات أكبر المصانع الالمانية بنسبة 1,6 في المئة في أكتوبر بحسب بيانات أعلنت الشهر الجاري فيما يتنبأ البنك المركزي الالماني بان أكبر اقتصاد في اوروبا سيواجه ركودا العام القادم. وقال الخبير الاقتصادي كارستن برزيسكي «إن ما بدا انه تصحيح طبيعي معتاد في الطلبيات الجديدة من مستويات شديدة الارتفاع تطور الي انهيار خطير».
واستطرد «مع تباطؤ النمو في الأسواق الصاعدة وما أصاب العالم الصناعي من ركود فان آفاق الصناعة الالمانية يمكن أن تكون أي شيء إلا أن تكون وردية».
وأعرب ميشائيل سومر رئيس نقابات العمل في ألمانيا عن مخاوفه أن يكون عام 2009 الأسوأ اقتصاديا في ألمانيا منذ أكثر من 80 عاما مؤكدا ضرورة وضع الحكومة الألمانية نحو 60 مليار يورو خلال عام 2009 المقبل للحيلولة دون وقوع المانيا بركود اقتصادي مهلك.
وأعلن وزيرا الاقتصاد والمالية الالمانيان ميشائيل جلوس وبيير شتاينبروك ان الحكومة الالمانية ستقرر نهاية يناير المقبل ما اذا كانت الضرورة ملحة لوضع مبالغ مالية اخرى لدعم الاقتصاد بعد وضعها حوالي 50 مليار يورو في دعم الحركة الاقتصادية اضافة الى دعم مجموعات الصناعة الصغيرة والمتوسطة ودعم حركة العمل في ألمانيا.
جاء ذلك من خلال تصريحات للوزيرين بعد اجتماع مطول للمستشارة انجيلا ميركيل ووزراء الاقتصاد والمالية والخارجية مع رؤساء الاقتصاد والصناعة والعلوم والنقابات لبحث في الأزمة الاقتصادية وعملية الإنقاذ الحكومي لها ودعم الاقتصاد والصناعة لجهود الحكومة الالمانية.
وراى رئيس عام معهد البحوث الاقتصادية بالعاصمة برلين جوستاف هورن ضرورة وضع الحكومة الالمانية حوالي 50 مليار يورو جديدة لدعم الاقتصاد اضافة الى الـ 50 مليار التي وافق البرلمان ومجلس الولايات الالمانية عليها.
واكد ان الاقتصاد والعلوم والنقابات لا يريدون رؤية المانيا وهي منهارة اقتصاديا خلال عام 2009 وانهم على استعداد كبير للتضامن مع السياسة لتجاوز الازمة المالية التي تعصف بالعالم حاليا.
