واصلت أسعار العقود الآجلة للنفط صعودها صوب 45 دولارا للبرميل بعد أن تنبأت وكالة الطاقة الدولية أن الطلب العالمي سينمو في العام المقبل وبفعل توقعات أن منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» ستخفض الإمدادات في اجتماعها الأسبوع المقبل. وكان النفط ارتفع أكثر من 3% في اليوم السابق وسط مؤشرات على أن السعودية خفضت بقدر كبير إمداداتها إلى زبائن رئيسيين لشحنات يناير.

وقال روب لوخلين من ام.اف جلوبل «كنا على دراية بالمعلومات السيئة من انخفاض الطلب لكن تخفيض الإمدادات كان داعما للأسعار». وفي إحدى مراحل التداول بلغ سعر عقود الخام الخفيف لتسليم يناير 91. 44 دولارا للبرميل مرتفعا 39. 1 دولار. وارتفع مزيج برنت 35. 1 دولار إلى 7. 43 دولارا للبرميل. وأبلغت السعودية بعضا من أكبر زبائنها أنها ستخفض إمداداتها من الخام إليهم بقدر كبير الشهر القادم في خطوة قد تنزل بإنتاج المملكة عن الحصة المستهدفة لها في أوبك وهي 47. 8 ملايين برميل يوميا.

وتسبب هبوط الطلب على النفط في الولايات المتحدة وبلدان متقدمة أخرى في هبوط أسعار الخام من مستويات قياسية مرتفعة فوق 147 دولارا للبرميل كانت قفزت إليها في يوليو مما أثار قلقا بين أعضاء منظمة أوبك. وقالت وكالة الطاقة في تقريرها الشهري إن الطلب العالمي على النفط سيعاود النمو في العام المقبل بعد انكماشه هذا العام للمرة الأولى منذ عام 1983.

كما خفضت الوكالة توقعاتها للإمدادات من خارج منظمة أوبك العام المقبل. وتتوقع الوكالة انتعاش الطلب إلى 3. 68 مليون برميل في اليوم في العام المقبل بناء على افتراض صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد العالمي سينتعش تدريجيا في النصف الثاني من العام. وبالنسبة لموقف التكرير، قالت الوكالة إن مصافي تكرير النفط ستكرر كميات أقل في الربع الأول من العام المقبل بسبب ضعف الطلب إذ ستقلص حجم عملياتها بنحو 400 ألف برميل يوميا مقارنة بالفترة المقابلة من العام الجاري.

وأشارت إلى أن العاملين الرئيسيين وراء خفض عمليات التكرير في بعض مناطق العالم هما ضعف الطلب وما ينجم عنه من ارتفاع في المخزونات وضعف هوامش التكرير. وقالت الوكالة إن حجم عمليات تكرير النفط الخام على مستوى العام سيبلغ نحو 5. 73 مليون برميل يوميا في المتوسط في الربع الأول من العام المقبل. ويمثل الرقم المتوقع للربع الأول زيادة متواضعة مقارنة بالربع الأخير من العام الجاري إذ خفضت الوكالة توقعاتها لحجم عمليات التكرير في الربع الأخير من العام الحالي بواقع 800 ألف برميل يوميا إلى 6. 72 مليون برميل في اليوم.

وقالت الوكالة «لتصور الذي نعمل على أساسه يقوم على افتراض المرونة خارج مناطق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وان كان النمو أقل منه في السنوات الخمس السابقة. وشهد تقرير هذا الشهر تعديلا طفيفا لبيانات الطلب الأخيرة خارج منظمة التعاون الاقتصادي على النقيض من بيانات المنظمة، ومن ثم فإننا نقاوم إغراء رفع النمو في 2009 رغم المؤشرات الاقتصادية الأضعف في بعض الحالات».

ومع انخفاض الطلب وسط التباطؤ الاقتصادي الحالي فان مخزونات النفط في دول المنظمة سجلت ارتفاعا حادا. ففي نهاية شهر أكتوبر الماضي بلغت المخزونات ما يعادل استهلاك 8. 56 يوما أي ما يزيد كثيرا على متوسطها في السنوات الخمس الأخيرة.

وكانت الوكالة التي تدافع عن مصالح الدول الصناعية في قطاع الطاقة، تحدثت في تقريرها السابق منذ شهر عن طلب في 2008 و2009 يقدر بنحو 1. 86 مليون برميل يوميا. أما العرض العالمي النفطي فقد تباطأ 165 ألف برميل يوميا في نوفمبر ليبلغ 5. 86 مليون برميل يوميا. وتابع التقرير أن منظمة أوبك وحدها سحبت من السوق 760 ألف برميل يوميا ليبلغ عرضها 3. 31 مليون برميل يوميا في نهاية الشهر الماضي، في مواجهة انخفاض الطلب.

وترى الوكالة أن أوبك ستنتج العام المقبل 7. 30 مليون برميل يوميا لتأمين «توازن في السوق»، وهو رقم خفضته أيضا بمقدار نحو نصف مليون برميل يوميا. واستنادا إلى هذا الحساب إذا سحبت أوبك أكثر من 6. 0 مليون برميل من عرضها الحالي سيعاني السوق من نقص في الإمدادات العام المقبل. واعترف ديفيد فايف كبير محللي وكالة الطاقة «السوق متوجهة إلى انخفاض شديد» لكن «علينا أن نصر على أن الطلب يمكن أن يكون اكبر من المتوقع في أسواق الدول الناشئة».

وقال بيتر ماكجوير العضو المنتدب لمؤسسة كوموديتي وارانتس استراليا «التقلبات السعرية الكبيرة التي حدثت خلال الساعات الماضية والتي نادرا ما ترى مثيلا لها في ضخامتها تظهر مبلغ تقلب منظومة الطاقة كلها في الوقت الحاضر». وأضاف «سيستمر هذا حتى تأتلف أوبك وتعمل في اتساق معا، فالمنظمة تعاني في الوقت الحالي من انقسام شديد». وتتناقض توقعات وكالة الطاقة عن ارتفاع الطلب العام المقبل مع توقعات إدارة معلومات الطاقة التابعة للحكومة الأميركية التي قدرت هذا الأسبوع أن الاستهلاك سينخفض 450 ألف برميل يوميا في 2009.

ودفع انخفاض أسعار النفط العديد من البلدان لزيادة طاقتها التخزينية. وأشارت تقارير في وقت سابق إلى أن الصين بدأت في تكوين ثالث احتياطي استراتيجي من النفط الخام مملوك للحكومة في الشهر الماضي مستغلة انخفاض الأسعار. وقالت مصادر ترصد الشحنات في الصين ان حوالي 3. 7 ملايين برميل من الخام أكثر من نصفها من السعودية ضخت في صهاريخ بقاعدة هوانجداو بمدينة تشينجداو على الساحل الشرقي إضافة إلى الاحتياطيات التي جمعت العام الماضي بأول قاعدتين للاحتياطي في الصين.

وتبلغ حمولة مثل هاتين الناقلتين العملاقتين نحو أربعة ملايين برميل من الخام. وأظهرت بيانات صادرة في الشهر الماضي أن واردات الصين من النفط الخام قفزت بنسبة 28% في شهر أكتوبر مقارنة بما كانت عليه قبل عام. وارتفعت الواردات في أول عشرة أشهر بنسبة 6. 10% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي رغم معدلات النمو الضعيف.

وأظهرت بيانات حكومية زيادة في مخزونات النفط الخام التجارية ومخزونات المنتجات المكررة في الولايات المتحدة الأسبوع الماضي. وقالت وزارة الطاقة الأمريكية إن كميات المخزون الاحتياطي الأمريكي من النفط الخام خلال الأسبوع الماضي ارتفعت بنحو 400 ألف برميل إلى 8. 320 مليون برميل ، فيما توقع الخبراء ارتفاع المخزون بنحو مليون برميل.

وفي الوقت نفسه ارتفع المخزون الأميركي من البنزين بشكل مفاجئ بنحو 8. 3 ملايين برميل إلى 7. 202 مليون برميل فيما أشارت تقديرات الخبراء إلى انخفاض بنحو 300 ألف برميل. وارتفع كذلك مخزون زيت التدفئة والديزل بنحو 6. 5 ملايين برميل إلى 6. 13 مليون برميل بينما توقع الخبراء انخفاض المخزون بنحو 900 ألف برميل.

ومن المتوقع أن يتفق أعضاء أوبك في اجتماعهم الذي سينعقد الأربعاء المقبل بمدينة وهران الجزائرية على خفض جديد في الإنتاج لإبقاء الأسعار بعيدة عن أدنى مستوياتها منذ أربع سنوات الذي سجلته الأسبوع الماضي في الوقت الذي تكافح فيه انخفاض الطلب. وأظهر استطلاع أجري في أوساط الخبراء أن أوبك ستعلن خفضا آخر يبلغ نحو 5. 1 مليون برميل يوميا في إنتاجها النفطي.

وأجمع 11 بنكا وشركة وجماعة أبحاث شاركت في الاستطلاع على أن أوبك ستخفض الإنتاج بواقع مليون برميل يوميا على الأقل. ويعتقد بعض المحللين أن أوبك ربما تخفض مليوني برميل يوميا من إنتاجها وقال سينتي ديك محلل شؤون النفط في اتش.اس.اتش نوردبنك بمدينة هامبورج «من الواضح أنه يتعين على أوبك التحرك من أجل إشاعة الاستقرار في أسعار النفط». وأضاف «يجب أن تخفض الإنتاج بشكل حاسم وسريع».

خفض

قال وزير البترول السعودي علي النعيمي إن إنتاج السعودية من النفط في نوفمبر جاء متفقا مع مستويات الإنتاج المستهدفة لأوبك. وأوضح النعيمي «سنعطيكم رقم نوفمبر لان هذا ما يترقبه الجميع. انه 4. 8 ملايين برميل يوميا». وأضاف أن من السابق لأوانه إعلان أرقام ديسمبر. وقالت مصادر بصناعة النفط أنها تتوقع أن تكون إمدادات السعودية في يناير اقل من المستويات التي تستهدفها أوبك مما يوحي بأن السعودية تتوقع أن تتفق أوبك على خفض جديد في الإنتاج. ووفقا لتقديرات الخبراء فقد انخفض إنتاج السعودية أكثر من مليون برميل يوميا عن مستوى الذروة الذي بلغه في أغسطس عند 6. 9 ملايين برميل يوميا.

مخزون

أكدت مصادر بصناعة ناقلات النفط أن إيران تخزن 12 مليون برميل من النفط الخام على متن ست من ناقلاتها العملاقة المملوكة للدولة في الخليج على مقربة من مرفأها الرئيسي لتصدير النفط. وقال مصدر بارز «بدأوا بناء المخزونات قبل حوالي شهر. لا شك أنهم يخزنون النفط». مضيفا أن الناقلات كلها مملوكة لشركة الناقلات الوطنية الإيرانية.

وقدرت مصادر بتجارة النفط ووسطاء للشحن البحري في الأسابيع القليلة الماضية أن إيران خصصت عددا مماثلا من الناقلات كمستودعات تخزين عائمة. وتخزن شركات النفط الكبرى ومؤسسات تجارية مستقلة بالفعل ما لا يقل عن 24 مليون طن من النفط الخام على متن ناقلات حول العالم للاستفادة من التراجع الحاد في أسعار العقود الآجلة للنفط.

(الوكالات)