قال د. صالح بن سليمان الرشيد أستاذ إدارة الأعمال والتسويق بجامعة الملك فيصل بالمملكة العربية السعودية لا شك أن الأزمة المالية العالمية سيكون لها تأثيراتها المباشرة على أنشطة وإيرادات منظمات الأعمال، حيث يترقب الجميع حدوث حالة من الركود قد تصل إلى حد الكساد وهو ما يعني تعرض الشركات والمؤسسات لخسائر وتراجع ملحوظ في أرباحها. ودائماً ما تفرز الأزمات فرصا وتهديدات، اقتناص الفرص ومواجهة التهديدات يرتبط بشكل مباشر بالتخطيط لمواجهة الأزمة وتجنب العشوائية في الأفعال وردود الأفعال.

وأشار إلى أن نقطة البداية للتعامل مع الأزمة تتمثل في التهيئة النفسية للشركة ومنسوبيها، والملاحظ الآن أن هناك حديثاً يدور عن استغناء شركات عن بعض منسوبيها وهو ما يشكل ضغوطا نفسية هائلة ربما تؤثر سلباً على معدلات الأداء داخل الكثير من الشركات والمؤسسات. الحقيقة أنه ليس من العدالة أو الحكمة على الإطلاق تبني هذا التوجه لعدة أسباب، أولاً: حجم الاستثمارات المنفقة في توظيف وتدريب وتأهيل العنصر البشري، ومن ثم فالاستغناء يعني الخسارة المؤكدة لتلك الاستثمارات، ثانياً: بدراسة وتحليل أوجه الإنفاق داخل الشركة من الممكن تماماً اكتشاف أن هناك الكثير من مظاهر الإسراف وهدر الموارد، وسيتضح هذا جلياً في الشركات التي تفتقد أنظمة هيكلية ومالية قوية.

ومن ثم المشكلة قد لا تتعلق باحتياجات ومتطلبات الموارد البشرية بقدر ما تتعلق بالنظم التي تدير تلك الموارد. ثالثاً: مساندة الشركة لمنسوبيها في تلك الظروف والعمل قدر الإمكان على تحييد تأثير الأزمة المالية على دخول الموظفين من شأنه أن يخلق حالة من الولاء للشركة وهي حالة فريدة ومؤثرة للغاية في استقرار الشركة وتطورها.

رابعاً: من السهل إعادة توظيف الشركة لمواردها البشرية في أداء مهام متنوعة بحيث يتم الاستفادة منهم وتجنب حدوث بطالة مقنعة داخل الشركة. المطلوب هو بث الطمأنينة لدى العاملين بالشركة بتمسك الشركة بهم وبأن الاستغناء عن بعض العاملين هو الخيار الأخير للشركة في التعامل مع الأزمة.

وقال الرشيد يأتي بعد ذلك تغيير إستراتيجية الشركة في السوق، وفي هذا السياق هناك الكثير من الممارسات التي يمكن القيام بها، أهمها البحث عن أسواق جديدة وعملاء جدد، إعادة تصميم سياسة المنتجات بحيث يتم التركيز على منتجات تحقق عوائد مرتفعة نتيجة ارتفاع الطلب عليها وعدم تأثره (أو تأثره المحدود) بتداعيات الأزمة، إعادة تصميم سياسة التسعير لتتناسب مع الانخفاض المتوقع في الإنفاق الاستهلاكي (هناك مبدأ جدير بالاهتمام في هذه المرحلة يشير إلى أن الحصول على درهم واحد من 1000 عميل أفضل من الحصول على 1000 درهم من عميل واحد).

تقديم منتجات جديدة تشبع احتياجات جديدة وهنا نؤكد على أن الإبداع في تصميم وتقديم منتجات جديدة وكذلك الإبداع في تطوير سياسة التوزيع والترويج ربما يكون هو فرس الرهان في السباق نحو الخروج من الأزمة بأقل خسائر ممكنة، والشركات التي ستصل إلى قمة الإبداع هي تلك الشركات التي ستطور علاقة جديدة ومؤثرة مع عملائها الحاليين خلال الأزمة تقدم من خلالها قيمة حقيقية لهم تساندهم في مواجهة الأزمة، تلك القيمة قد تتمثل في منتج أو خدمة أو دعم أو معلومات أو توجيهات.

أيضاً هناك فرصة سانحة أيضاً كي ترتب الشركة أوضاعها في الداخل فالركود يتسبب في انخفاض الطاقة الإنتاجية وساعات العمل ومن ثم هذا يتيح إمكانية تنظيم موارد الشركة المادية والبشرية (كثير من الشركات والمؤسسات تتحجج بعبء العمل المتزايد والذي يعوقها عن عملية التنظيم والتطوير). الأزمة المالية ستضع شركات ومؤسسات الأعمال على المحك وستكشف مدى قوة أنظمتها واستراتيجياتها، هناك شركات ستخرج من الأزمة أكثر قوة وتطور، وهناك شركات ستخرج من السوق بلا عودة.

وأكد الرشيد على انه ومثلما تجتهد منظمات الأعمال الآن في التعامل مع تداعيات الأزمة المالية وتأثيراتها المباشرة على أنشطتها وإيراداتها، يجب أن يسلك الأفراد نفس المنحى، فالفرد أو المستهلك هو في الواقع يدير مؤسسة عائلية تلك المؤسسة تواجه في الفترة المقبلة ظروف غير مواتية نتيجة حالة من الركود المتوقع في العالم المحيط بها.

وإذا كانت منظمات الأعمال سوف تسعى إلى تغيير استراتيجياتها وخططها، فالفرد في أمس الحاجة إلى ذلك. أيضاً الفرد بحاجة إلى تهيئة نفسه ذاتياً وتهيئة منسوبي مؤسسته الأسرية والعائلية للتعامل مع الأزمة ( بالطبع هنا لن يخشى أفراد الأسرة أن يستغني رب الأسرة عن واحد منهم). ليس من الملائم على الإطلاق أن يجلس من خسر استثماراته في الأسهم مثلا ليندب حظه العاثر بجانب أفراد أسرته ينتظرون جميعاً الطوفان القادم.

عليه أن يتجاوز تلك المرحلة بسرعة وأن يفكر في كيفية الخروج من الأزمة سالماً غانماً هو ومن يعولهم، وإذا كان المستهلك الفرد يواجه تهديدات حقيقية تتمثل في تعرض دخله النقدي لمخاطر التقلص أو مستقبله المهني لحالة من عدم الاستقرار أو قلق وترقب مستمر لاستكشاف ما هو قادم، فإنه في المقابل أمامه فرصة سانحة لتحقيق العديد من المكاسب، أهمها اعتماد نمط استهلاكي جديد يقدم الضروريات ويؤخر الكماليات، وهذا يتطلب بداية التأهيل النفسي لأفراد المؤسسة العائلية لتقبل وتبني أوضاع استهلاكية جديدة غير معتادة.

المشكلة الحقيقية التي تواجهنا هي أننا تعودنا على العيش في ظل أوضاع اقتصادية مواتية ومستوى معيشي مرتفع أغرانا بالتوسع في الإنفاق والبحث عن الكماليات قبل الضروريات، وبمراجعة بسيطة لما أنفقتاه على المستوى الشخصي والعائلي خلال السنوات الثلاث الأخيرة سنكتشف أنه كان بالإمكان التنازل عن كثير من مشترياتنا السلعية والخدمية، ودائماً عندما نواجه أزمة مالية نصنعها بأيدينا أو تفرض علينا نشعر بالندم وتأنيب الذات.

الفرصة متاحة الآن لتبني ثقافة استهلاكية رشيدة تتعامل بحكمة مع معطيات جديدة، ربما يكون من الضروري خلق قناعة لدى أفراد العائلة أو الأسرة بضرورة تخفيض النفقات والتوجه نحو بدائل جديدة، إنها فرصة سانحة ليتحمل الجميع المسؤولية داخل المؤسسة الأسرية والتعود على نمط استهلاكي مختلف. أيضاً قد تكون الفرصة سانحة ليقضي رب الأسرة مزيد من الوقت مع أسرته بعدما كان يقضي معظم وقته في العمل أو متابعة مؤشرات الأسهم.. كل أزمة وأنتم بخير.. ومع كل ركود دعواتي لكم بأن تكونوا أكثر قدرة على العطاء.

دبي ـ البيان