يبدو أن بعض الاقتصاديات الخفية، لم تتأثر بأزمة الائتمان التي تجتاح العالم منذ أسابيع، فنشاطات الجريمة المنظمة على الانترنت، تشهد انتعاشا وتنوعا في مصادر دخلها مما يجعلها الأكثر مناعة من غيرها، إذ قدرت شركة سيمانتيك لأمن الانترنت في تقرير الاقتصاد السري (صَلمْهَُِّْل كٍَُُ؟) قيمة البضائع والمعلومات والخدمات المقرصنة المعروضة على الانترنت بأكثر من 276 مليون دولار أميركي.

بينما قدرت شركة كاسبرسكي الروسية قيمة نشاطات الجريمة المنظمة على الانترنت ب100 مليار دولار سنويا. ورغم اختلاف أهم شركات امن الانترنت العالمية على الحجم الحقيقي لنشاطات الجريمة المنظمة أو ما يعرف بالاقتصاد السري على الإنترنت، إلا أنها تتفق على أن هذا السوق وصل إلى مرحلة متقدمة من النضج تجعله سوقاً تجارية فاعلة على مستوى العالم، يتم فيها بانتظام بيع وشراء البضائع والخدمات المسروقة أو المرتبطة بأعمال الاحتيال.

وبلغت القيمة التقديرية لكافة البضائع المعروضة المرصودة من قبل سيمانتيك أكثر من 276 مليون دولار أميركي خلال فترة التقرير. وتم تحديد هذه القيمة بناء على الأسعار المعلنة للبضائع والخدمات المعروضة، وبحساب الأموال التي يمكن للمعلنين جنيها فيما لو تم تسييل هذا المخزون بكامله.

وقال جوني كرم المدير الإقليمي لمبيعات سيمانتيك في الشرق الأوسط وأوروبا وشمال افريقيا إن تقرير (سيمانتيك) يستمد بياناته من المعلومات التي جمعتها مؤسسة تقنية الأمن والاستجابة التابعة لها(سشءز) من خوادم الاقتصاد السري، خلال الفترة 1 يوليو 2007 إلى 30 يونيو 2008.

جاءت معلومات بطاقات الائتمان في المرتبة الأولى بين أصناف البضائع والخدمات المعروضة في الاقتصاد السري، بنسبة بلغت 31؟ من إجمالي المعروض. ومع أن أرقام بطاقات الائتمان المسروقة تباع بمبلغ ضئيل لا يتجاوز 10. 0 إلى 25 دولاراً للبطاقة الواحدة، إلا أن متوسط الحد الائتماني للبطاقات المسروقة وفق معلومات سيمانتيك بلغ أكثر من 000. 4 دولار. ووفقاً للحسابات التي أجرتها سيمانتيك، فإن القيمة التقديرية لجميع بطاقات الائتمان المعلن عنها خلال فترة التقرير كانت 3. 5 مليارات دولار أميركي.

ويعود التوافر الواسع لمعلومات بطاقات الائتمان إلى تنوع وسائل الحصول على هذه المعلومات وسهولة استخدامها في الاحتيال، فهي يسيرة الاستخدام في التسوق عبر الإنترنت، وغالباً ما يكون من الصعب على التجار أو الجهات التي تصدر بطاقات الائتمان اكتشاف عمليات الاحتيال قبل انتهاء المحتالين من إتمام هذه التعاملات واستلام بضائعهم. إضافة إلى ذلك، فإن معلومات بطاقات الائتمان تباع غالباً للمحتالين بالجملة، مع حسومات أو مع تقديم أرقام مجانية للمشتريات الكبيرة.

ويأتي في المرتبة الثانية بين الأصناف الأكثر شيوعاً من البضائع والخدمات المعلن عنها الحسابات المالية، بنسبة بلغت 20؟ من مجمل المعروضات. وفي حين تباع معلومات الحسابات المصرفية المسروقة بسعر يتراوح بين 10 إلى 1000 دولار، فإن متوسط رصيد الحساب المصرفي المسروق بلغ 000. 40 دولار.

وبحساب متوسط الرصيد المعلن للحساب المصرفي مع متوسط سعر أرقام الحسابات المصرفية المسروقة، فإن قيمة الحسابات المصرفية المعلن عنها خلال فترة هذا التقرير كانت 7. 1 مليار دولار. ويرجح أن يكون سبب انتشار شعبية معلومات الحسابات المالية هو ارتفاع مردودها المحتمل، وسرعة الحصول على هذا المردود. وفي إحدى الحالات، تم تحويل رصيد بعض الحسابات المالية نقداً عبر الإنترنت في أقل من 15 دقيقة إلى أمكنة لا يمكن تعقبها.

وخلال فترة التقرير، رصدت سيمانتيك وجود 130. 69 معلناً نشطاً و095. 321. 44 رسالة تم إرسالها إلى المنتديات السرية. وبلغت القيمة التقديرية لإجمالي البضائع المعلن عنها لدى أكبر عشرة معلنين نشطين 3. 16 مليون دولار لبطاقات الائتمان، ومليوني دولار للحسابات المصرفية. إضافة إلى ذلك، فإن القيمة التقديرية للبضائع العائدة للمعلن الأنشط خلال فترة الدراسة بلغت تبعاً لحسابات سيمانتيك 4. 6 ملايين دولار.

وينتشر الاقتصاد السري في مناطق شاسعة من العالم، ويقدم عوائد مجزية لمجرمي الإنترنت الذين يتراوحون من أفراد متفرقين إلى مجموعات كبيرة تعمل بشكل منظم. وخلال فترة التقرير، استضافت أميركا الشمالية العدد الأكبر من خوادم الاقتصاد السري، حيث بلغت نسبتها 45؟ من العدد الإجمالي، في حين استضافت منطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا 38؟، تأتي بعدها منطقة آسيا والمحيط الهادئ 12؟ وأميركا اللاتينية 5؟. وتتغير المواقع الجغرافية لخوادم الاقتصاد السري بشكل منتظم تجنباً لاكتشافها.

وأكد يوجن كاسبرسكي الرئيس التنفيذي والمؤسس لشركة كاسبرسكي لاب الروسية أن الاقتصاد الخفي هو الوحيد الذي لم يتأثر بالأزمة المالية العالمية، وأن لصوص الانترنت ومافيتها لم يعودوا مجرد أفراد أو هواة بل صناعة منظمة وتمتلك هيكلية بالغة التعقيد. وأضاف: «إنها تجارة مربحة جدا، ونحن نواجهها لحظة بلحظة، والحوادث التي يعلن عنها ما هي إلا جزء ضئيل من الصورة الكاملة لنشاطات الجريمة الالكترونية الدولية، ولعل القطاع المصرفي هو الأكثر عرضة للاعتداءات، ففي البرازيل قامت مجموعة باختلاس 50 مليون دولار في أقل من سنة، وفي أحد البنوك الأميركية سرق شخص واحد نصف مليار دولار من ميزانيته».

وحذر يوجن من مواقع الانترنت (الخضراء) التي تتبنى قضايا البيئة والاحتباس الحراري قائلا: «أينما رأيت اللون الاخضر على الانترنت فاحذر من الخديعة، لأن مجرمي الانترنت يجدون ضالتهم المنشودة في تلك المواقع التي تستقطب أناسا أثرياء ويريدون التبرع لانقاذ العالم». وتوقع أن يصل عدد شيفرات الفيروسات العام المقبل أكثر من 20 مليونا، مقارنة بمليوني كود في العام الماضي، موضحا أن هذا مؤشر خطير على شراسة المعركة مع مافيات الانترنت، مشيرا إلى أن خسائر الافراد والشركات تتجاوز 100 مليار دولار سنويا.

وقال إن قراصنة الانترنت لم يتركوا نشاطا أو تجمعا على الانترنت إلا واقتحموه، فهم يمتلكون مواقع للالعاب المجانية على الانترنت، معظمها في الصين وآسيا، وهم ينشطون في تجارة الأسهم في البورصات، وهم وسطاء مسجلون في بورصات كنيويورك، يتلاعبون بسعر السهم ويضربون منافسيهم من الوسطاء بأساليب خبيثة جدا.

وقال إن الخطر في المنطقة آخذ بالتصاعد بعد أن تبخرت السيولة في أمريكا وأوروبا، لأن المنطقة العربية لا تزال تمتلك السيولة وتتمتع بفرص نمو عالية رغم ما ألقته أزمة الائتمان من ظلال قاتمة على المشهد الدولي، وهذا يعني من الناحية الأمنية أن مجرمي الانترنت سيركزون جهودهم الإجرامية على المنطقة وتحديدا على المصارف وخاصة بطاقات الائتمان لسهولة سرقة أرقامها. مضيفا أن الهجمات الافتراضية لن تقتصر في المرحلة المقبلة على القطاع المصرفي بل قد تنطلق من خلفية سياسية أو عرقية أو اجتماعية.

وأشار يوجن بأن منطقة الشرق الأوسط تحتل موقعاً مهماً من حيث النمو الاقتصادي على الرغم من التباطؤ العالمي، وأن الحاجة إلى الاستثمار في البنية التحتية لتقنية المعلومات أساسية للمنطقة لتكتسب قدرة التنافسية على الغرب أثناء تحول الثقل المالي العالمي إلى الشرق». وصرح طارق الكزبري المدير الإداري للشركة في الشرق الأوسط قائلاً: أحرزت منطقة الشرق الأوسط أعلى مستوى تقدم في جهوزية الشبكة خلال السنوات السبع الأخيرة، وارتفع عدد مستخدمي الإنترنيت ليزيد عن 600 بالمئة أي ثلاث مرات أكثر من معدل الزيادة العالمي.

دبي ـ «البيان»