قال تقرير لمركز دراسات الوحدة العربية إن دول مجلس التعاون الخليجي تشكل «منطقة عملة مثلى».
مؤكداً أن إصدار عملة خليجية موحدة يمتلك كافة المقومات الضرورية كانفتاح اقتصادات الدول الخليجية، وتشابه معدلات التضخم والسياسات النقدية والمالية ونظم التجارة. ولفت التقرير، الذي يحمل اسم «الاتحاد النقدي الخليجي والعملة الخليجية المشتركة» وأعدّه الدكتور عبدالمنعم السيد علي، إلى أن أبرز التحديات التي تواجه مشروع العملة الموحدة تعرّض أسعار النفط إلى تقلبات كبيرة، ما يتطلب تسريع نمو القطاعات غير النفطية، إضافة إلى اختلاف معدلات النمو الحقيقية وتنامي الديون الحكومية. وسلّط التقرير الضوء على مسيرة التكامل الاقتصادي. وفي ما يلي أبرز الإمكانات والمتطلبات والتحديات أمام التكامل النقدي:
الإمكانات
هل تشكّل دول مجلس التعاون الخليجي «منطقة عملة مثلى»؟
هناك خمسة معايير لتحديد «منطقة عملة مثلى» هي:
1ـ حرية حركة عوامل الإنتاج بين الأقطار المعنية.
2ـ مدى انفتاح الاقتصادات الوطنية أمام التجارة الخارجية، وحجم تجارتها البينية.
3ـ مدى تنوّع إنتاج المنطقة.
4ـ مدى تعرّضها للصدمات الخارجية، ودرجة تشابه أو اختلاف استجابتها لتلك الصدمات.
5ـ المنافع والتكاليف الناشئة عن تكوين مثل هذه المنطقة.
لنأخذ كلاً من هذه المعايير لنرى مدى انطباقها على الدول المذكورة.
إن حرية عوامل الإنتاج في الانتقال بين هذه الدول هي أمر مضمون تقريباً، ولكن أية عوامل هذه؟
انتاج نوعي واحد
إن عنصر العمل المحلي شحيح أصلاً في هذه الدول، ومعظم العمالة الموجودة هي عمالة وافدة، عربية أو غير عربية.
ولذلك فإن أهمية هذا العنصر في تكوين مثل هذه المنطقة هي ضئيلة حقاً. والعامل المهم والأساسي في هذه الدول هو «رأس المال النقدي»، فهناك فوائض مالية ـ نفطية فيها كلها تقريباً، ما عدا البحرين وعُمان.
وقد أشرنا مسبقاً إلى أن حرية انتقال هذا العامل مضمونة أصلاً بين هذه الدول. فاقتصاداتها مفتوحة، وسياساتها حرة، وضرائب الدخل محدودة، والضرائب الجمركية ضئيلة، وليس هناك من قيود على حركة رأس المال القصير أو الطويل الأجل، سواء بالنسبة إلى المعاملات الجارية، أو بالنسبة إلى معاملات رأس المال الطويل الأجل.
وبهذا المعنى، وإلى هذا الحد، تفي دول مجلس التعاون الخليجي بواحد من المعايير المذكورة أعلاه، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن الإنتاج الرئيسي لهذه الدول هو متشابه وواحد، وهو النفط، ما يجعل من هذه الدول «منطقة إنتاج نوعي واحد» يتماثل فيه الطلب على عوامل إنتاج ذات مواصفات موحدة، كما يتماثل فيه الطلب على الإنتاج من حيث المصدر والتأثير. فحين يزداد الطلب، أو ينقص، على المنتوج المذكور، تتأثر بذلك جميع هذه الدول بشكل أساسي، ولو ربما، باختلاف في الدرجة إلى حد ما.
ومع أننا نلاحظ أن ذلك يخالف معيار «تنوّع الإنتاج»، إلا أنه يجعل من دول الخليج منطقة إنتاجية موحدة تجاه العالم الخارجي، ما يجعل من المفيد لها تثبيت أسعار صرف عملاتها بعضها تجاه بعض، وتركها مرنة تجاه باقي العالم، علماً بأن أسعار النفط تتم على أساس نقدي واحد، وهو الدولار الأميركي.
ولكون هذه الأسعار تتحدد بصورة مستقلة في السوق العالمية للنفط، لذا فإن أسعار صرف العملات المحلية تجاه العملات الأجنبية لن يكون له تأثير يُذكر في علاقات البلدان الاقتصادية بباقي العالم.
ومن ناحية أخرى، ليست هناك علاقات تجارية مهمة، أو تبادل تجاري مهم بين الدول المذكورة.
لذا ليس هناك ما يبرر إقامة أسعار صرف مرنة بين عملاقتها، بل على العكس من ذلك، تدعو هذه الحقيقة إلى تبيت أسعار الصرف المتقابلة هذه بدلاً من تركها عائمة، إذ ليس هناك من تنافس قائم بين هذه الدول من حيث تجارتها الدولية، كما لا يوجد احتمال ـ على الأمد القريب أو المتوسط ـ بأن تحصل اختلالات في موازين مدفوعاتها بعضها تجاه بعض، لضآلة حجم التبادل التجاري بينها.
ونظراً إلى صغر حجم هذه الأقطار نسبياً، ولأن تجارتها تصديراً واستيراداً، تتجه إلى خارج نطاقها، وليس في ما بينها، فإنه من المتوقع أن ترتبط عملاتها بعملات شركائها التجاريين من ناحية، وأن يكون عرض عملاتها والطلب عليها عالمياً من ناحية أخرى محدوداً إلى حد كبير، إذ ليس هناك من طلب عالمي مهم عليها.
وقد سبقت الإشارة إلى أن معظم العمالة هي عمالة وافدة، وبالتالي لا تعاني هذه الدول مشكلة «بطالة»، إذ إن أي انخفاض في مستوى النشاط الاقتصادي فيها لن تنتج عنه «بطالة» بقدر ما سيترتب عليه من «هجرة» أجنبية إلى خارجها.
تشابه السياسات النقدية
هل هناك من مقايضة بين البطالة والتضخم في هذه الدول؟
لا أظن ذلك، أولاً لأن البطالة الممكنة سينتج عنها هجرة أجنبية إلى الخارج، مما يقلل من عرض العمل المتاح، ويخفف من مشكلة البطالة المحلية، وثانياً لأن التضخم هو في الغالب ليس محلياً، ناتجاً من عوامل داخلية، كالشح في الإنتاج أو ضغط في الطلب وإنما من عوامل خارجية متمثلة بالاستيرادات الكبيرة من الخارج.
وهذا يجعل معدلات التضخم في هذه البلدان متقاربة نسبياً، وهو ما يسهل عليها التنسيق بين سياساتها المالية والنقدية في مواجهة أية ضغوط تضخمية قد تنشأ عن ارتباطها الشديد بالاقتصادات الرأسمالية المتقدمة.
وهكذا، فإن حرية حركة العوامل، وتوحد الإنتاج، وتوجهه في الغالب نحو الأقطار الأجنبية، وانفتاح اقتصاداتها تجاه باقي العالم، وضآلة التبادل التجاري بينها، وأهمية عنصر رأس المال النقدي فيها كلها، وتوجهه نحو الاستثمار في أسواق النقد والمال الغربية نفسها، وتشابه معدلات التضخم فيها نسبياً؛ كل هذه العوامل تجعل من دول الخليج «منطقة عملة مثلى» حقاً، ما يؤكد إمكانية اتباع هذه الدول لسياسة أسعار صرف ثابتة بين عملاتها، كخطوة أولى نحو تحقيق التكامل النقدي في ما بينها، مدعوماً بالعوامل المشتركة التالية:
1ـ تشابه السياسات النقدية في هذه الدول، وذلك من حيث وسائلها وأهدافها ومحدداتها. فعرض النقد يتأثر فيها كلها بشكل رئيسي بمراكز موازين مدفوعاتها من جهة، وبالإنفاق الحكومي من ناحية أخرى، ما يضعف من وسائل السياسة النقدية الكمية في التأثير في عرض النقد، ويجعل الإنفاق الحكومي هو العامل الأساسي في ذلك.
أما السلطات النقدية، فينحصر دورها في الإصدار النقدي استجابة للمتطلبات الحكومية، ومراقبة أسعار الصرف والعمل على ربطها بقاعدة نقدية أو عملة أجنبية أو بسلة من هذه العملات. وتتشابه دول مجلس التعاون الخليجي في ذلك كله، حيث ينعدم استقلال سلطات النقد المركزية في رسم السياسات النقدية فيها.
كما تنعدم أهمية سعر الصرف كوسيلة نقدية، خاصة بالنسبة إلى صادرات النفط التي يتحدد سعرها في السوق العالمية للنفط. كما ان توحيد سعر الصرف سيجعل المنطقة كلها منطقة موحدة تجاه باقي العالم من حيث استيراداتها من السلع والخدمات، مما سيزيد من قوتها التساومية لصالح شعوبها عموماً. ولما كانت معدلات التضخم فيها متقاربة نسبياً.
كما ان محددات التضخم هي في الغالب عوامل خارجية تتعرض لها جميع البلدان على حد سواء، لذا فإن التنسيق بين السياسات النقدية من حيث الوسائل والأهداف سيكون أمراً سهلاً، وذلك على مستوى الاتحاد ـ أو المجلس ـ من دون أن يعني ذلك فقداناً مهماً لسيادة كل دولة من هذه الدول في مجال النقد والصيرفة، نظراً إلى التشابه المذكور بين سياساتها النقدية وسائر أهدافها، وكذلك عدم استقلالية السلطات النقدية في صنع السياسة النقدية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
موقف مسام قوي
2ـ التشابه الكبير في السياسات المالية، حيث تنعدم عموماً ضرائب الدخل، وتنخفض عموماً الرسوم الجمركية، وتكون الموارد النفطية المصادر المالية المهمة لميزانيات هذه الدول جميعها. ولا تلجأ أي من هذه الدول إلى الجهاز المصرفي لغرض تمويل عجوزات في ميزانياتها، فلا حاجة لحكوماتها إلى الاقتراض من المصارف، وتبقى إيرادات النفط هي الممول الأساسي في هذه الدول عموماً. فليس من الصعب إذن توحيد السياسات المالية في ما بينها.
3ـ ليس هناك مقايضة بين البطالة والتضخم. فقد أشرنا إلى غلبة العنصر الأجنبي على العمالة في دول مجلس التعاون، وأن البطالة فيها لن تسبب لها مشكلة سياسية أو اقتصادية. كما ان التضخم هو تضخم مستورد قد لا تستطيع هذه الدول منفردة التحكم به، بل إن مواجهته مجتمعة سيسهل عليها الحد منه عن طريق المساومات الجماعية من قِبل الدول المذكورة.
4ـ نظراً إلى الصادرات الضخمة من النفط، والاستيرادات الكبيرة من السلع والخدمات، خاصة الاستهلاكية منها، فإن التوحيد النقدي بين هذه الدول سيجعلها في موقف تساومي قوي جداً في مواجهة الشركات الأجنبية الاحتكارية، ما يقتصد في تكاليف الاستيرادات، فيحد من التضخم، من ناحية، ويزيد من الناحية الأخرى من إمكانية تحسين أسعار النفط في السوق العالمية، وهذا كله يدعو إلى تحقيق تنسيق في السياسات التجارية والاقتصادية والنفطية بين الدول المذكورة.
5ـ يتصل بما ورد أعلاه ضرورة التنسيق بين هذه الدول في مجال استثمار الفوائض الضخمة التي راكمتها أو ستراكمها، وذلك في أسواق النقد والمال الأجنبية، وكذلك النظر سوية في إمكانية رسم سياسة مشتركة في ما بينها بشأن استثمارها عربياً.
إن ذلك سيزيد من القوة التساومية لهذه الدول تجاه البلدان الرأسمالية المتقدمة، فيحسن من شروط استثماراتها في الخارج، ويحمي قيمتها وأصولها ضد التضخم والتدهور في قيم العملات الأجنبية، وكذلك ضد المصادرة أو المخاطر السياسية من أي نوع كان.
6ـ التشابه الكبير بين نظم التجارة، وفي المؤسسات الاقتصادية القائمة في دول مجلس التعاون، مما يبشر بإمكانية كبيرة للتنسيق بين سياساتها الاقتصادية في مختلف المجالات، ويضمن عدم تعارض هذه السياسات، خاصة في مجال أسعار الصرف.
المتطلبات
سيتحقق تعظيم في المنافع وتقليل في التكاليف إلى حدها الأدنى عند النظر إلى التوحيد النقدي، خاصة بصيغة العملة المشتركة، على أنه مجرد جزء واحد فقط من مكونات عدة لجهد تكاملي خليجي أوسع بكثير، يمكن الإشارة إليه باعتباره متطلبات أساسية وشروطاً مسبقة للوحدة النقدية المنشودة، وهي تتلخص في ما يلي:
1ـ تعميق التكامل الاقتصادي الخليجي المتبادل، من خلال سياسات واتفاقيات اقتصادية في الحقول الاقتصادية المختلفة، مما يساهم بشكل مهم في زيادة التجارة والاستثمار المتبادلين، ويزيد من الرغبة في العملة المشتركة كوسيلة تبادل وتقييم، وكخزين قيمة في البلدان الأعضاء جميعاً.
وقد اتخذت هذه البلدان فعلاً خطوات مهمة في هذا الشأن إذ أزالت إلى حد كبير العوائق أمام الحركة الحرة للسلع والخدمات والعمل ورأس المال في ما بينها، كما وضعت قواعد لفتح فروع مصرفية في أقطار المجلس، وعملت على تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر والتدفقات البينية لرأس المال والتنسيق بين قوانين الاستثمار ونظم الصرف الأجنبي. على أنه من الضروري، إضافة إلى ذلك، تنسيق السياسات الضريبية وسياسات العمل وسياسات القطاع المالي.
2ـ تعزيز استقرار الاقتصاد المحلي في الأقطار الأعضاء، وذلك من خلال تحاشي الاختلالات الاقتصادية الكلية القطرية، التي يمكن أن تنشأ عنها آثار خارجية تصيب الاقتصادات الخليجية الأخرى، وتنشأ بدورها عن ميزانيات حكومية غير متوازنة وأزمات اقتصادية نظامية في القطاعات المالية.
ويتمثل ذلك بشكل أساسي في عجوزات مفرطة في الميزانية، بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، تزيد على حد معين، 3 في المئة مثلاً كما في الاتحاد الأوروبي، وينتج منها دين حكومي إجمالي يتجاوز نسبة معقولة من الناتج المحلي الإجمالي، 60 في المئة مثلاً كما في الاتحاد الأوروبي كذلك.
3ـ التكامل السياسي، كل ما قيل سابقاً يتطلب التزاماً سياسياً قوياً من قِبل أقطار المجلس، والإيمان بأن الفوائد الاقتصادية للتكامل النقدي تفوق تكاليفه.
التحديات
إن توفر الشروط الأولية لمنطقة «العملة المثلى» لدى دول مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي توفر إمكانات إقامة اتحاد نقدي بصيغة «عملة خليجية مشتركة»، لا يعفي هذه الدول من مواجهة تحديات كثيرة قد تعرقل قيام مثل هذا الاتحاد بالسلامة المطلوبة وبالسرعة المناسبة. ويمكن تلخيص هذه التحديات في ما يلي:
1ـ تعرض هذه البلدان إلى تقلبات قد تكون كبيرة أحياناً في أسعار النفط بما يهدد إيراداتها النفطية ودخولها القومية بتذبذبات مستمرة، وقد تكون خطيرة. ولأن الطلب على النفط هو عالمي، ولأن أسعاره تتحدد في الأسواق العالمية، فإن دور تلك الأقطار في الطلب العالمي على النفط، وفي تحديد سعره، هو محدود جداً، إن كان لها دور! وبالتالي فإن الأجر يتطلب تقليل دور القطاع النفطي في اقتصاداتها، وهو أمر ليس بالسهل حتى على المدى الطويل.
ولفعل ذلك يتطلب الأمر تسريع نمو القطاعات غير النفطية وخلق فرص عمل لقوة عمل محلية متنامية.
2ـ اختلاف معدلات التضخم بين بلدان المجلس من قطر إلى آخر، مما يؤدي إلى أسعار صرف حقيقية فعالة مختلفة.
3ـ كما تختلف معدلات النمو الحقيقية بينها، خاصة بالنسبة إلى الناتج المحلي غير النفطي، إذ تراوحت تقديراتها لعام 2007 بين 5 .7 في المئة في الإمارات و5 .8 في المئة في قطر.
4ـ بسبب التقلبات الواسعة في أسعار النفط العالمية، فقد عانت بعض دول المجلس عجوزات مالية كبيرة زادت منها مستويات الإنفاق الحكومي المرتفعة نسبياً، مما أدى إلى تزايد الدين الحكومي، 5ـ ونظراً إلى بعض الممارسات التنظيمية المصرفية المختلفة، خاصة بالنسبة إلى القيود على الدخول، ومتطلبات السيولة، وتصنيف وتخصيصات القروض، والملكية، فقد تباطأت عملية التكامل بين الأسواق المالية والرأسمالية الخليجية، وأدت إلى هياكل نظم مصرفية مختلفة.
وعلى المستوى المؤسسي هناك اختلافات في قوانين الوكالة التجارية، ومنح الإجازات الصناعية، وقوانين ونظم الإفلاس والعطاءات والعقود الحكومية.

