قال خبير مالي إن الخطة الاقتصادية التي طورتها الحكومة لمواجهة الأزمة المالية العالمية والتي أطلق عليها اسم «خطة الدفع الثلاثي» يمكن أن تحقق نتائج أفضل إذا ما تم تطبيقها في آن واحد، معربا عن تفاؤله بان الدولة سوف تجتاز هذه الأزمة بسلام كما سبق لها وان اجتازت أزمات صعبة وشديدة، مشيرا إلى أن التأخر أو التقاعس في حل الأزمة سوف يزيد من عمرها.
وتعمل هذه الخطة بحسب نبيل فرحات الشريك في شركة »الفجر للأوراق المالية« على ثلاثة مستويات الأول يعني بتعزيز الثقة في القطاع المصرفي والثاني بدعم القطاع العقاري والمستوى الثالث يعني بتعزيز الثقة في الأسواق. ولفت فرحات، في حوار مع «البيان الاقتصادي»، إلى ضرورة صب الحلول في قلب المشكلة، فبالنسبة لنقص السيولة في الجهاز المصرفي يجب ضخ ما يقارب من 37 مليار درهم إضافية زيادة على مبلغ الـ 70 مليارا لإعادة التوازن بين القروض والودائع، ومن ثم نحتاج أيضا إلى ما يفوق 100 مليار درهم خلال العام المقبل لتحقيق مستوى نمو في نشاط الإقراض بنسبة 10% إلى 12% وبالتالي سريان عجلة الاقتصاد. وأكد فرحات أن استقرار أسعار الأصول (الأسهم والعقار) هي النقطة الثانية التي يمكن العمل عليها، لأنه لا يمكن أن نحقق الاستقرار في الجهاز المالي المحلي إذا ما استمرت أسعار الأصول في التدهور. وقال فرحات إننا متفائلون بأداء الأسواق المالية خلال السنوات المقبلة، مشيرا إلى أن الشركات المدرجة يمكن أن تساهم في تحسين الأسعار من خلال الإفصاح المسبق عن خطط الشركة لتوزيعات الأرباح المستقبلية ووضع خطط معقولة للنمو وإعداد دراسات لتقييم الأوضاع الحالية. وفيما يلي نص الحوار:
مخاطر الانكماش * ما هو آخر تقييم للأزمة المالية العالمية؟ ــ إن الأزمة المالية العالمية دخلت في مرحلة جديدة فبعد أن كان التخوف من المخاطر النظامية أي مخاطر الإفلاس وارتفاع حالات التعثر للنظام المالي العالمي وبعد قيام الحكومات باتخاذ إجراءات فريدة من نوعها لدرء هذه المخاطر. فقد أصبح الشغل الشاغل حاليا هو درء مخاطر الانكماش الاقتصادي، حيث ان انقطاع التمويل وانخفاض أسعار الأصول (الأسهم والعقار) وأسعار البضائع والسلع الأولية أدى إلى انحسار الطلب العالمي نتيجة لشعور الجمهور بالإفقار. وهذا النوع من الانكماش الاقتصادي يؤدي إلى تدهور أسعار السلع والخدمات وأسعار الأصول وبالتالي قيام المستهلكين بتأجيل طلبات الشراء ،على أمل أن يتم الشراء فيما بعد بأسعار أفضل (عكس التضخم)، وهذا بدوره يدخل الاقتصاد في دورة انخفاض أسعار شديدة تكون نتائجها أسوأ من دورة ارتفاع الأسعار التي شاهدناها خلال السنتين الماضيتين، فمع انخفاض الأسعار وانكماش الطلب فان الشركات التجارية تعمل على تخفيض الأعباء من خلال التفتيش وتقليص حجم الاستثمار والاستهلاك، ولذلك يمكن القول إن المخاطر النظامية قد تم تجنب معظمها أما الآن فإننا نتعامل مع مخاطر الدورة الاقتصادية.
إجراءات الحكومة
كيف تنظرون إلى الإجراءات التي تقوم الحكومة الإماراتية لدرء المخاطر الاقتصادية عن الدولة؟
إن الحكومة طورت خطة اقتصادية يمكن أن نسميها بـ «خطة الدفع الثلاثي» تعمل على ثلاثة مستويات الأول يعني بتعزيز الثقة في القطاع المصرفي والثاني يعني بدعم القطاع العقاري والثالث يعني بتعزيز الثقة في الأسواق المالية. وقامت الحكومة مؤخرا بضمان الودائع المصرفية لمدة ثلاث سنوات وضخ سيولة تقارب 70 مليار درهم لدعم الوضع المالي لدى البنوك.
وقامت وتقوم الحكومة أيضا بخلق كيانات عقارية يعمل على تمويل تطوير البنية التحتية وبناء الوحدات السكنية وتمويل شراء السكن، بالإضافة إلى توريق القروض العقارية من خلال طرح سندات مضمونة برهونات عقارية. أما بالنسبة للأسواق المالية فان احد المسؤولين نفى بأن تقوم الحكومة الاتحادية بإنشاء محفظة لشراء الأسهم ولكن هذا لا يمنع من تدخل المباشر من قبل الحكومات المحلية.
حيث نعلم بان بعض الحكومات المحلية ضخت سيولة جديدة في محافظ تعمل على دعم أسعار الأسهم من الهبوط الحاد الذي شهدته مؤخرا. أو بمعنى آخر تعمل على إيجاد قاع للأسهم وبالتالي استقرارها على مستويات معينة إلى أن تنحسر آثار الأزمة المالية.
أسعار العقار
ما تفسيرك لانخفاض أسعار العقار؟
إن استقرار أو انخفاض أسعار العقار يعكس عدم توفر السيولة الكافية في الاقتصاد وانخفاض أسعار المواد الإنشائية. ولقد أفرطت بعض البنوك ومؤسسات التمويل الخاصة في تمويل النشاط العقاري على أسعار مرتفعة، ما خلق طبقة من المضاربين كانت تعتمد على تدوير الوحدات السكنية، وأدى تقلص التمويل إلى عدم قدرة المضارب على تدوير (بيع) هذه الوحدات لسداد الإقساط الباقية وبالتالي نرى قيام هؤلاء بالتخلص من وحداتهم السكنية بأية أسعار تحت ضغط البنوك الممولة.
واعتقد انه متى ما انتهت هذه الشريحة من تسييل ما لديها وبدء البنوك بعمليات التمويل فان الأمور ستعود إلى وضعها الطبيعي. حيث ان هناك إحصائيات ما بين 80 إلى 85% من شراء الوحدات السكنية هو للاستعمال الخاص والاستثمار من خلال الإيجار وليس المضاربة (شراء وبيع الشقق الهوائية).
عمليات الدمج
ما تعليقك على دمج مؤسسة تمويل وأملاك لإنشاء بنك التنمية؟
إن هذه خطوة جيدة تتجه نحو علاج الخلل الناتج عن التراكمات الماضية من الطفرة العقارية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
الحلول العاجلة
في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية هل ترى النور في نهاية النفق للخروج من الأزمة؟
نعم لكن يجب ان نكون أكثر حزما وتصميما في معالجة الأزمة الحالية. حيث انه كلما تأخرنا أو تقاعسنا في حل هذه المشكلة فإن عمق الأزمة سيزيد وعمرها سيطول.
ولذلك نعتقد انه يجب صب الحلول في قلب المشكلة وهي نقص السيولة في الجهاز المصرفي. وهذه المشكلة واضحة من حيث أن نسبة القروض المعطاة من قبل البنوك إلى الودائع المصرفية تفوق 117% أو بمعنى آخر أن هناك نقصاً بحوالي 107 مليارات درهم ما بين حجم الودائع إلى القروض المعطاة.
ولذلك نرى انه يجب ضخ ما يقارب 107 مليارات درهم (37 مليار درهم زيادة عن الـ 70 مليار درهم التي ضختها الحكومة) لإعادة التوازن إلى وضعه الطبيعي مع الأخذ بعين الاعتبار عدم قيام البنوك في التمويل خلال هذه الفترة.
ومن ثم نحتاج أيضا إلى ما يفوق الـ 100 مليار خلال العام القادم لتحقيق مستوى نمو في نشاط الإقراض بنسبة 10 إلى 12، لذلك فان المبلغ الإجمالي الذي يجب ضخه هو 137 مليار درهم. ونرى انه من الضروري ضخ السيولة الكافية لمعالجة الآثار السلبية التي نتجت عن هذه الأزمة.
والنقطة الثانية التي يمكن العمل عليها هو استقرار أسعار الأصول (الأسهم والعقار) في الدولة وذلك يعود إلى انه لا يمكن ان نحقق الاستقرار في الجهاز المالي المحلي اذا ما استمرت أسعار الأصول في التدهور.
وكما ذكرنا سابقا ان الجهاز المصرفي يستطيع تحمل حركة تصحيح في القطاع العقاري ولكن لا يستطيع تحمل حركة تصحيح في العقار والأسهم في آن واحد.
ولذلك فان هناك حاجة لاتخاذ إجراءات مباشرة لدعم الأسواق المالية للحد من المخاطر النظامية التي قد تتعرض لها بنوكنا المحلية نتيجة لانخفاض أسعار الأسهم وأسعار العقار معا. والخلاصة أن معالجة الأزمة الحالية من قبل الحكومة تسير بالمسار الصحيح.
حيث إن خطة الدفع الثلاثي التي تقوم بتنفيذها حاليا تحقق نتائج أفضل اذا ما تم اتخاذ تطبيقها في آن واحد ولذلك نحن متفائلون بأن دولة الإمارات ستجتاز هذه الأزمة بسلام كما سبق لها أن اجتازت أزمات أصعب وأشد من الأزمة الحالية.
الأسواق المالية
ما تصورك للأسواق المالية خلال السنوات القادمة؟
نحن متفائلون بأداء الأسواق المالية خلال السنوات القادمة حيث إن أسعار الأسهم بالوضع الحالي بلغت مستويات تقييم منخفضة، كما أن انخفاض أسعار الأسهم لم يكن نتيجة المضاربات أو نتيجة لخلل في التقييم ولكن كان نتيجة لوضع السيولة المتردي ونتيجة لخلل في تمويل أنشطة أخرى كالنشاط العقاري. ولذلك اعتقد ان ارتداد الأسواق المالية إلى وضعها الطبيعي سيكون أسرع من المتوقع.
حيث انه بدراسة بسيطة لمعظم الشركات غير المالية نرى ان هناك توجها لرفع مستوى التوزيعات هذا العام بحيث يصبح العائد من التوزيعات النقدية أعلى من العائد على الودائع البنكية بنسبة تتراوح من 30 إلى 50%.
أما بالنسبة للمؤسسات المالية كالبنوك وشركات التمويل فانه من المتوقع ان تستقر أو تنخفض التوزيعات النقدية هذا العام نتيجة لحاجتها إلى السيولة ولكن مقابل ذلك نرى بأن هذه المؤسسات ستقوم برفع مستوى توزيعات أسهم المنحة إلى مستويات قياسية مما يعزز من فرص نجاح الاستثمار في هذه الأسهم مستقبلا بالنسبة للمستثمر المتوسط الأجل.
مع العلم ان ذلك سيتم في بيئة ينخفض بها مستوى المضاربات وبالتالي استقرار الأسواق المالية مع احتمال تحسن الأسعار خلال العام القادم. ولذلك لاحظنا مؤخرا توجه من المستثمرين إلى معاملة استثماراتهم في الأسهم كمعاملة استثماراتهم في الودائع المصرفية.
حيث ظهرت شريحة جديدة من المستثمرين تبحث عن عائد أعلى من العائد على الودائع المصرفية وذات نظرة زمنية استثمارية لا تقل عن عام تقتني الفرص في الأسواق المالية وخصوصا الأسهم التي تملك فيها الحكومة المحلية نسب جيدة وتحظى أيضا بدعمها المتفاني واخصها الأسهم القيادية المدرجة في سوق أبوظبي.
نصائح
حدد الخبير المالي نبيل فرحات عددا من النصائح لصغار المستثمرين خلال المرحلة المقبلة، قائلا انه على المستثمر أن يقيم وضعه المالي وقدرته على تحمل التقلبات السعرية العالية قبل أن يبدأ في الاستثمار.
وأحد اكبر الأخطاء التي يقوم بها المستثمر هو محاولة توقيت السوق للحصول على أفضل الأسعار. ولتحقيق ذلك يلجأ إلى التحليل الفني للتنبؤ بمستوى القاع لأسعار الأسهم وهذا في نظري خطأ حيث اعتقد أن القاع لا يتكون في يوم واحد انما هو مكون من عدة مراحل.
وأضاف: ننصح صغار المستثمرين بالشراء الزمني المتباعد، أي يحدد الأسهم التي يعتقد أن وضعها المالي قوي وان أرباحها المستقبلية تناسب تقييمها المالي، ومن ثم يحدد مبلغ الاستثمار بناء على تقييم وضعه المالي الحالي والمستقبلي ومن ثم يبدأ في شراء هذه الأسهم على فترات زمنية متفاوتة.
وهذا طبعا لن يبعد كليا مخاطر الاستثمار في الأسهم الا انه يقلصها ويعظم من فرص نجاح الاستثمار مستقبلا.
أبوظبي ـ أحمد محسن


