أكد تقرير اقتصادي خليجي ان نسبة العجز المالي غير النفطي في دولة الإمارات هو الأقل بين دول مجلس التعاون الخليجي حيث يتم تحقيق دخل غير نفطي كبير من قبل دبي على وجه الخصوص. وأشار التقرير إلى ان الارتفاع الكبير في أسعار النفط خلال الاشهر التسعة الأولى من العام الحالي أدى إلى زيادة فائض الحساب الجاري لدول مجلس التعاون الخليجي إلى أعلى مستوى له على الإطلاق.

ويوضح التقرير الذي أعدته الأمانة العامة لاتحاد غرف التجارة والصناعة بدول مجلس التعاون في هذا الخصوص للفترة من يناير إلى سبتمبر 2008 وقبيل التراجع الحاصل في أسعار النفط ان صندوق النقد الدولي كان قد رفع تقديراته لهذا الفائض إلى 4 .463 مليار دولار بالمقارنة مع توقعاته السابقة بداية العام وهي 332 مليار دولار و215 مليار دولار في 2007، وهو ما يمثل 2 .40% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2008 بالمقارنة مع 5 .27% عام 2007، وسوف يسمح ذلك بنمو كبير أخر في ثروات المنطقة الهائلة من صافي الأصول الأجنبية والتي تقدر الان بحوالي 6 .2 تريليون دولار.

وبحسب التقرير يقدر صندوق النقد الدولي ان تبلغ عائدات صادرات النفط تريليون دولار عام 2008، وهو ما يزيد بنحو الضعف عن عام 2007، لا يزال الطلب القوي على النفط يأتي من أسيا والشرق الأوسط، إضافة إلى قلة المعروض والتوترات الجيوسياسية، كما ساعدت المضاربات في سوق النفط المستقبلية أيضا إلى دفع الأسعار إلى أعلى، الا ان تباطؤ الاقتصاد العالمي قلص هامش الزيادة خلال الأشهر الماضية على الرغم من بقائه عند مستويات مرتفعة.

وبالمثل كان أداء عائدات صادرات الغاز أداء حسنا، حيث يقدر أنها ارتفعت بنسبة 19% عام 2008 و18% في عام 2007 لتبلغ 28 مليار دولار، ويأتي معظم هذا النمو من قطر، اما صادرات دولة الإمارات فقد تباطأت بسبب تحويل نسبة اكبر من مصادر الغاز إلى قطاع الكهرباء المحلي، وفي المجموع، يتوقع ان تمثل صادرات الهيدروكربون 82% من إجمالي عائدات الصادرات عام 2008 بالمقارنة مع 77% عام 2007، مرتفعا من 73% في عام 2002، كذلك شهدت عائدات الصادرات غير الهيدروكربونية نموا قويا أيضا، حيث يقدر صندوق النقد الدولي ان تبلغ 150 مليار دولار عام 2008 بزيادة قدرها 23% عن عام 2007.

وبالنسبة للسياسات الاقتصادية فقد واصلت حكومات دول مجلس التعاون الخليجي إتباع سياسات تهدف إلى تشجيع النمو الاقتصادي، وقد ساعدها في ذلك أسعار النفط المرتفعة جدا، التي سمحت بتسجيل فائض مالي كبير حتى في ظل زيادة الإنفاق، ومع ذلك، ساهمت إستراتيجية النمو السريع في بعض البلدان في خلق ضغوط تضخمية كبيرة، ومما ضاعف من هذه الضغوط ربط عملات المنطقة بسعر تحويل ثابت إلى الدولار، ومع انه تبذل جهود متواصلة لمعالجة المشاكل الهيكلية، مثل أسواق العمل غير المرنة والدعم الكبير لأسعار السلع وعدم كفاءة معايير الحكومة الإدارية في الشركات، الا ان تلك المشاكل لازالت قائمة.

ويقدر صندوق النقد الدولي ارتفاع الفائض المالي لدول مجلس التعاون الخليجي إلى 1 .35% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008 بعد ان كان 19% عام 2007 و23% عام 2006 وسوف يكون ذلك ناتجا بشكل رئيسي عن زيادة الإيرادات بأكثر من الضعف عام 2008 وعلى الرغم من ذلك، استقر الإنفاق كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي عند 29% على الرغم من ان ذلك الفائض انخفض كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي 5 .53% عام 2007 إلى 3 .50% عام 2008.

وتستخدم دول المجلس معظم الفائض في مراكمة الموجودات الأجنبية التي يتوقع ارتفاعها إلى 6 .2 تريليون دولار عام 2008، وكذلك في تسديد الديون، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي انخفاض نسبة إجمالي الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 10% عام 2008 بالمقارنة مع 5 .14 عام 2007 و7 .19% عام 2006، وعند الأخذ بالاعتبار ودائع القطاع العام لدى البنوك المحلية، فا ن تلك النسبة سوف تتحول إلى السالب بنحو 8 .2%.

وبحسب التقرير لا يزال العجز المالي غير النفطي، وهو المؤشر الذي يدل على مدى استمرارية الإنفاق الحكومي على المدى الطويل، واضحا في أكثر دول المنطقة، حيث يقدر صندوق النقد ان يبلغ 9 .38% عام 2008، كما يقدر ان يبلغ العجز غير النفطي في المملكة العربية السعودية 6 .61% وهو في تزايد نظرا لقيام الحكومة السعودية بزيادة الرواتب وتخفيض الرسوم لمواجهة موجة ارتفاع الأسعار.

وفي عمان تبلغ النسبة 7 .59%، الا انه شبه مستقر، وتبلغ ادنى مستوى عجز مالي غير نفطي في دولة الإمارات بنسبة 6 .16%، حيث يتم تحقيق دخل غير نفطي كبير من قبل دبي.

ويرى التقرير ان من العناصر الهامة المساعدة خاصة بالنظر إلى وجود عجز غير نفطي في دول مجلس التعاون الخليجي هو التراكم السريع للأصول الأجنبية في السنوات الأخيرة، خصوصا من قبل دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية والكويت، وفي جميع هذه الدول كان هذا التراكم أعظم من تزايد العجز غير النفطي، وهو ما يوفر مصدر دخل بديل كبير ومتعاظم، ومع ذلك، في عمان والبحرين على سبيل المثال، لم يكن هناك تراكم أصول أجنبية يعوض العجز المالي غير النفطي الكبير أو المتزايد.

وبالنسبة للسياسة النقدية وسعر الصرف يوضح التقرير ان السياسة النقدية في دول مجلس التعاون الخليجي تظل مقيدة بسعر صرف ثابت مع الدولار، وهذا يدفع بأسعار الفائدة المحلية بتعقب نسب الفائدة المطبقة في الولايات المتحدة، بينما تنحصر عمليات المصارف المركزية بشكل كبير في تحسين وضع السيولة من خلال إصدار شهادات الودائع أو الأدوات الأخرى.

ولا يبدو في الأفق توجه بارز لدول مجلس التعاون لتغيير سياسات الارتباط بالدولار باستثناء الكويت التي تحولت إلى ربط عملتها بسلة من العملات »دون الكشف عن أوزان هذه العملات الأمر الذي سمح بارتفاع الدينار الكويتي بنسبة 8% مقابل الدولار وخفف الضغوط على البنك المركزي الكويتي فيما يخص بتخفيض سعر الفائدة«، الا ان ذلك لا ينفي الحاجة لممارسة سياسات نقدية أكثر مرونة فيما يخص تقييم العملات المحلية مقابل الدولار، خاصة ان الركود الاقتصادي الأمريكي سوف يستمر، وفقا للعديد من التوقعات، حتى عام 2009.

ووفقا للتقرير فقد ساهم ارتفاع أسعار النفط المرتفعة في دعم تنفيذ مشاريع كبيرة جدا في كافة أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي، وتهدف هذه المشاريع إلى خلق فرص عمل وتنويع القاعدة الاقتصادية وتطوير الموارد البشرية وتحقيق قيمة مضافة أعظم من مصادر الهيدروكربون، ويشير إشراك القطاع الخاص بصورة اكبر في مشاريع الازدهار الحالي إلى ان الكثير من المشاريع التي يجري التحضير لها حاليا ستكون فعالة، ومع ذلك تبقى أخطار الطاقة الإنتاجية الفائضة واردة في بعض القطاعات.

وتشير التوقعات ان حجم المشاريع قيد التنفيذ في دول مجلس التعاون الخليجي ارتفعت إلى مستويات قياسية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وبلغت القيمة الإجمالية لهذه المشاريع أكثر من 4 .2 تريليون دولار لغاية يونيو 2008، مع الأخذ بالاعتبار ان جانبا من ارتفاع هذه القيمة يعود إلى ارتفاع كلف المواد الإنشائية الأولية بنسبة تتراوح ما بين 40ـ 75% خلال العام 2008 بالمقارنة مع العام 2007.

ووفقا لتقرير أعدته مجلة »ميد« فان نحو 3 .1 تريليون دولار من هذه المشاريع هي في قطاع الإنشاءات وتتوزع ما بين تشييد مدن جديدة ومشاريع سياحية وعقارات تابعة لجهات خاصة، وكذلك مشاريع البنية التحتية، يليه قطاع النفط والغاز ويحوز على مشاريع بقيمة 266 مليار دولار تتضمن مشاريع لتوسعة الطاقة الإنتاجية لدول المجلس بنحو 3 ملايين برميل يوميا خلال السنوات الثلاث المقبلة، تليها مشاريع البتروكيماويات في السعودية وقطر بنحو 130 مليار دولار، بينما تحوز المشاريع الصناعية والمرافق العامة على نحو 180 مليار دولار.

ويؤكد التقرير أن أسواق العمل في دول المجلس بحاجة إلى إصلاحات هيكلية في كلا جانبي العرض، المخرجات التعليمية والتدريب والتأهيل ووضع سقف أعلى على حجم العمالة الأجنبية للجم الزيادة الهائلة والخطيرة في نسبتها مقارنة باجمالي السكان والطلب، تحسين الرواتب والامتيازات. وهذا الأخير يتطلب بدوره التوسع في الأنشطة الاقتصادية القائمة على التكنولوجية ذات القيمة المضافة العالية بدلا من القائمة على كثافة العمالة الرخيصة.

تقرير

العمالة الأجنبية

يرى التقرير ان نموذج الأنشطة الاقتصادية للقطاع الخاص لا يزال يرتكز على العمالة الأجنبية المتوفرة بمختلف التخصصات وبرواتب تعتبر ملائمة بالنسبة له، لكن لوحظ في السنتين الأخيرتين لجوء العديد من دول المجلس إلى إدخال إصلاحات في سوق العمل بغية رفع تكلفة العامل الأجنبي لدفع القطاع الخاص لتوظيف العمالة المحلية.

وقد تزامن مع ذلك بروز تذمر في صفوف العمالة الأجنبية نتيجة انخفاض القيمة الحقيقية لرواتبها بسبب انخفاض قيمة العملات المحلية في الأسواق العالمية نظرا لارتباطها بالدولار، وبنفس الوقت ارتفاع تكلفة المعيشة بسبب التضخم.

ويرى أيضا ان تقليص الامتيازات الوظيفية للعمالة الماهرة الأجنبية قابله زيادة في الطلب العالمي على العمالة الماهرة المهندسين والمحاسبين ومدراء المشاريع والمتخصصين في مجال المال والبنوك. ولتفادي هذه الأوضاع لجأت الكثير من المؤسسات الخاصة إلى زيادة الأجور الأمر الذي أدى بدوره إلى زيادة الطلب المحلي.