عصفت الأنباء الاقتصادية المخيبة للآمال بأداء أسواق المال العالمية، وفيما تزايدت سرعة انزلاق الاقتصادات الكبرى في مستنقع الركود، استمر قطاعا التصدير والبنوك في إرسال الإشارات السالبة. وأعلن بنك كريدت سويس السويسري وبنك أتش أس بي سي البريطاني تخفيض 1150 من وظائفهما في بريطانيا.
وقال كريدت سويس ، ثاني أكبر بنك سويسري، إنه سيخفض 650 فرصة عمل أي ما يمثل نحو 10% من وظائفه في بريطانيا، فيما قال بنك أتش أس بي سي أن سيلغي 500 وظيفة. ويعمل في كريدت سويس 48500 شخص في أكثر من 50 دولة ، بينما يصل عدد الوظائف في أتش أس بي سي داخل بريطانيا وحدها إلى 58 ألف وظيفة.
وأدت هذه المعلومات إلى جانب سلسلة من الأنباء الاقتصادية السيئة في أوروبا والولايات المتحدة إلى تقلبات كبيرة جديدة في الأسواق بعد أسبوع من الهدوء النسبي. وانخفضت بورصة طوكيو بنسبة 3, 6% مقابل 9, 4% لبورصة هونغ كونغ، وخسرت بورصة تايبيه 9, 3% ومانيلا 3, 4%.
وكانت وول ستريت اكبر بورصات العالم انخفاضاً حيث خسر مؤشر داو جونز 7, 7% والناسداك 9, 8%. وتدهورت بورصات أوروبا بشكل كبير. وانتقلت عدوى التراجع إلى كندا حيث خسرت بورصة تورونتو 2, 9% والى أميركا اللاتينية أيضاً حيث تراجع مؤشرا بورصتي ساو باولو ومكسيكو 07, 5% و8, 4% على التوالي.
وأنهت الأسهم اليابانية في بورصة طوكيو للأوراق المالية بتراجع كبير لينخفض مؤشر نيكاي إلى أقل من 8000 نقطة في أعقاب الخسائر الكبيرة للأسهم الأميركية في الجلسة السابقة في بورصة وول ستريت بنيويورك. وتراجع مؤشر نيكاي بمقدار 53, 533 نقطة ليصل إلى 69, 7863 نقطة. وتراجع مؤشر توبكس للأسهم الممتازة في طوكيو بمقدار 35, 40 نقطة أي بنسبة 88, 4% إلى 12, 787 نقطة. وجاء تراجع الأسهم اليابانية رغم قرار قرر بنك اليابان المركزي اتخاذ إجراءات طارئة لدعم الشركات اليابانية المتضررة من الأزمة المالية العالمية.
وفي أوروبا تراجعت الأسهم وقادة قطاعات البنوك والسلع الأولية الاتجاه النزولي لتواصل التراجع الذي شهدته في الجلسة السابقة بينما يدرس مستثمرون قلقون أنباء عن مزيد من الإجراءات تتخذها بنوك مركزية لإنقاذ اقتصادات ضعيفة.
وفي إحدى مراحل التداول نزل مؤشر يوروفرست 300 للأسهم الأوروبية الرئيسية 2, 1% إلى 21, 800 نقطة بعدما نزل 6% في اليوم السابق. وتسببت البنوك وشركات النفط في اكبر خسائر للمؤشر. وانخفض سهم بنك اتش.اس.بي.سي بنسبة 8, 2% بينما فقد بانكو سانتاندر 7, 1% وبي.ان.بي باريبا 4, 3%. وانخفضت أسهم بي.بي 2, 1% وبي.جي 8, 3% وتوتال 4, 1%.
وأعلنت اللجنة الأميركية المكلفة تحديد حقب الدورات الاقتصادية أن الاقتصاد الأميركي في ركود لكن الجديد انها حددت بداية الصعوبات التي يواجهها اكبر اقتصاد في العالم في ديسمبر 2007. وأصدرت اللجنة التابعة للمكتب الوطني للبحث الاقتصادي حكمها على وضع الاقتصاد الأميركي، مع انه جاء متأخرا مثل عادته عن الاقتصاديين الذين يتحدثون
منذ اشهر عدة عن الركود في الولايات المتحدة.
وأوضحت هذه اللجنة الخاصة التي تعتبر أحكامها مرجعية في بيان أنها سجلت ذروة في النشاط الاقتصادي في ديسمبر 2007. وهذه الذروة شكلت نهاية النمو الذي بدأ في نوفمبر 2001 وبداية انكماش. وبالتالي فان الحقبة الأخيرة من النمو الاقتصادي استمرت ست سنوات وشهرا، وأشارت اللجنة إلى أن الحقبة السابقة من النمو الاقتصادي في التسعينات استمرت 120 شهرا.
أي عشر سنوات بالتمام. واستمرت حقبتا الركود السابقتان ثمانية أشهر من يوليو 1990 إلى مارس 1991 ومن مارس إلى نوفمبر 2001. وأطول فترة ركود في القرن العشرين هي فترة الكساد الكبير التي استمرت من أغسطس 1929 إلى مارس 1933.
وبدأ الانكماش في ديسمبر 2007 بعد ستة أشهر على الحدث الذي شكل بنظر العديد من المراقبين انطلاقة أزمة القروض العقارية العالية المخاطر، وهو تصفية صندوقي مضاربة استثمرهما مصرف بير ستيرنز في هذا النوع من القروض. وقال وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون إننا نعمل جاهدين على وضع برامج إضافية تهدف إلى تعزيز نظامنا المالي بحيث تتدفق القروض إلى الاقتصاد، مجددا.
ولخص المكتب الوطني للبحث الاقتصادي معاييره لتوصيف الركود فأوضح أن الركود هو تراجع كبير في النشاط الاقتصادي ينتشر إلى جميع قطاعات الاقتصاد لفترة تتخطى بضعة أشهر ويظهر عادة في الإنتاج والوظائف والدخل الفعلي ومؤشرات أخرى.
وفي حين تعرف معظم الدول الركود بفصلين متعاقبين من التراجع في إجمالي الناتج الداخلي، أوضح المكتب انه لا يستند إلى إجمالي الناتج الداخلي وحده بل يعتمد على أربعة مقاييس شهرية من اجل الحصول على صورة أكثر تكاملا للوضع الاقتصادي.
وفند المكتب هذه المقاييس الأربع فذكر أن عدد الوظائف في الاقتصاد الأميركي بلغ ذروة في ديسمبر 2007 وتراجع شهريا منذ ذلك التاريخ. كما أشار إلى أن مقياس دخل الأسر سجل حدا أقصى في ديسمبر 2007، تلته مرحلة من التقلبات استمرت حتى يونيو 2007 وبلغ خلالها مستويات أكثر تدنيا بقليل من الحد الأقصى، ثم تراجع بصورة عامة منذ يونيو.
ويتريث المكتب طويلا بين ستة أشهر و18 شهرا قبل تحديد بداية فترة من الركود الاقتصادي ونهايتها مفضلا الانتظار لفترة طويلة بما يكفي حتى لا يكون واقع الانكماش موضع تشكيك وحتى يتمكن من تحديد تاريخ دقيق . كما يبدي التريث نفسه في تحديد تاريخ بدء مرحلة جديدة من النمو، غير ان المؤشرات الاقتصادية الرديئة التي أعلنت أخيرا وتشاؤم الخبراء الاقتصاديين في توقعاتهم للعام 2009، كل ذلك يوحي بان هذه الفترة لن تكون قريبة.
ورافقت الإعلان عن الركود في الولايات المتحدة أرقام سيئة أخرى. فقد انخفضت نفقات البناء في أكتوبر 2, 1% وتراجع مؤشر النشاط الصناعي 2, 36 نقطة في نوفمبر ليصل إلى أدنى مستوى منذ مايو 1982. وفي ألمانيا انخفضت مبيعات المفرق 6, 1% وهو تراجع اكبر مما كان متوقعا. وفي فرنسا بلغ مؤشر الشراء لقطاع المنتجات الصناعية مستوى تاريخي في نوفمبر. وكان المؤشر نفسه انخفض في منطقة اليورو الى ادنى مستوى الشهر الماضي. وفي اليابان كان نوفمبر أسوأ شهر لقطاع السيارات منذ 1969.
وذكرت بيانات رسمية أن صادرات إندونيسيا تراجعت بنسبة 11% بسبب انخفاض الطلب على الصادرات وتراجع الأسعار. وقالت وكالة الإحصاء الإندونيسية إن القيمة الإجمالية لصادرات إندونيسيا بلغت خلال أكتوبر الماضي 8, 10 مليارات دولار مقابل 23, 12 مليار دولار خلال سبتمبر.
وفي مواجهة خطورة الوضع اعترف رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بن برنانكي بأنه من الممكن إجراء خفض جديد لمعدلات الفائدة الأساسية، ويبلغ هذا المعدل حاليا 1%.
ولكن برنانكي حذر من أن إجراءات أخرى سيتعين أن تكون محط الاهتمام حيث تسعى الولايات المتحدة للخروج من أزمة مالية حادة. وقال بيرنانكي خلال اجتماع لغرفة التجارة بمدينة أوستن بولاية تكساس رغم أن مزيدا من التخفيض ممكن بالتأكيد ، يبدو واضحا في هذه المرحلة أن فرص استخدام سياسات معدل الفائدة التقليدية لدعم الاقتصاد محدودة.
ولم تقل معدلات الفائدة عن 1% منذ عقد الخمسينيات من القرن الماضي. ويتوقع بعض خبراء الاقتصاد أن يصل معدل الفائدة إلى حدود الصفر. واتخذ المصرف المركزي الاسترالي إجراءً فعلياً في هذا الجانب حيث خفض معدل الفائدة نقطة مئوية واحدة ليبلغ 25, 4%، بعد خطوة مماثلة قام بها مطلع الشهر الماضي. وينتظر المستثمرون قراري المصرف المركزي الأوروبي وبنك انجلترا.
ويمكن ان يخفض المصرف المركزي الأوروبي معدل الفائدة 50, 0 نقطة أو 75, 0 نقطة، بعد تخفيضه إلى 25, 3% مطلع نوفمبر من اجل إنعاش النشاط في منطقة اليورو. وكانت بريطانيا أعلنت خفضا مؤقتا في ضريبة القيمة المضافة من 5, 17% إلى 15% الحد الأدنى المسموح به في الاتحاد الأوروبي.
وسيكلف هذا الخفض 5, 12 مليار جنيه (8, 14مليار يورو). وقال مساعد ديمقراطي إن الديمقراطيين في مجلس النواب الأميركي قد يسعون الشهر المقبل لإقرار مشروع قانون بحافز اقتصادي يتكلف حوالي 500 مليار دولار. وأضاف أن البرنامج سيتضمن تكلفة خفض ضريبي للطبقة المتوسطة يريده الرئيس المنتخب باراك اوباما ومليارات الدولارات لمشروعات طرق وجسور وبناء ومساعدة لولايات واستثمارات في تطوير الطاقة المتجددة.
«وكالات»
