تدافعت أفكار المتحدثين في جلسة نقاش بعنوان «استعادة الثقة» عقدت أول من أمس ضمن فعاليات أسبوع مركز دبي المالي العالمي، في محاولة من جانبهم لتحديد أنجع وأفضل السبل لكي تستعيد الأسواق عامل الثقة، وتنوعت توصياتهم ما بين الدعوة إلى إحياء طريق الحرير.
والمطالبة باتباع ما درج على توصيفه «بسياسات الشمس المشرقة» في إشارة إلى الشفافية والحكومة، والتوصية بضرورة الاستفادة من فرص تقلص قيمة الأصول لاستحواذ على حصص في أكبر شركات في العالم، على أن ينصرف الاهتمام أولا إلى الاستثمار الداخلي في تطوير البنى التحتية، فضلا عن حث البعض بضرورة الانتظار إلى حين تمر العاصفة وتعود الثقة مرة أخرى إلى الأسواق، وعبر البعض عن وجود حاجة لقيادة تتسم بالحصافة والحكمة، وألقى المتحدثون بالكرة في ملعب الحكومات باتفاقهم في الرأي على أن استعادة الثقة بالأسواق رهن بالتدخل الحكومي.
وصاغت ماريا بارتيرومو، المذيعة المعروفة على قناة «سي ان بي سي» تساؤلاتها على نحو عكس مدى دقة وصعوبة المرحلة الحالية التي تمر بها الأزمة، بحثها المتحدثين على تقديم أفكار ملموسة وواقعية للخروج من الأزمة، باعتبار أنه لم تعد هناك رفاهية الانتظار، باعتبار أن الأزمة آخذة في الامتداد والتوسع والانتشار بوتيرة سرعة غير طبيعية.
وأنه بات الآن من غير الممكن التنبؤ بما ستكون عليه صيرورة الأمور، وصار الكثير من الناس مهددين بفقدان وظائفهم، وهو ما يجعل إجراءات استعادة الثقة بمثابة طوق نجاة.
إحياء طريق الحرير
وفي البداية، دعا فيكتور تشو، رئيس مجلس إدارة «فيرست إيسترن إنفستمنت بنك ليمتد»، إلى «إحياء طريق الحرير» كأفضل السبل لتنشيط الاقتصاد وإتاحة الفرصة أمام الصين ومجلس التعاون لدول الخليج العربية لتوحيد جهودهما واستثمار السيولة والموارد الكبيرة المتوفرة لديهما من أجل إعادة بناء الأسواق وإرجاع الثقة للاقتصاد العالمي.
وقال تشو إن هناك عوامل تسهّل إحياء طريق الحرير، أبرزها أن الصين ومجلس التعاون لدول الخليج العربية يكمّلان بعضهما بعضاً من الجوانب الاقتصادية والثقافية، فالأسواق العربية والآسيوية تمتلك سمات مشتركة مثل التركيز على عنصر الثقة، فضلاً عن التقارب الثقافي بينهما. وبالتالي، فإننا سوياً نمثل الصوت الأقوى في الأسواق الناشئة.
وتابع تشو قائلاً إن إحياء طريق الحرير قد بدأ بالفعل، إذ إن منطقة الخليج تجتذب الكثير من الاستثمارات الصينية، كما وجهت الصين الدعوة مؤخراً إلى شركات النفط السعودية للاستثمار في الأسواق الصينية.
وشرح تشو وجهة نظره بالقول: إن العالم قد تغير تماما خلال الأسابيع القليلة، واهتزت الثقة بشكل جذري وعميق، وكانت وكالات التقييم واحدة من الأسباب التي قادت إلى فقدان الثقة، ولإعادة النظام والاستقرار سيكون من خلال الإرادة السياسية والتعاون الدولي الحقيقي، وتحتاج مثل هذه الأمور إلى الكثير من الوقت، ولديّ قناعة بأننا ليس لدينا فرصة الوقت للانتظار.
حيث تبرز هناك فرصة كبيرة للوصل بين الشرقين الأوسط والأقصى عن طريق إعادة إحياء طريق الحرير، وهو ما ينطوي على فرصة لدول مجلس التعاون الخليجي والصين لكي يقوموا بتوحيد موارد السيولة والأسواق والقدرات من أجل توفير فرصة النمو والاستقرار في مناطقنا المختلفة.
وهو ما سوف يساعد في استعادة الانتعاش إلى الأسواق والبناء على الصداقة التاريخية التي تعود إلى القرن الثاني، وبالتالي من الممكن القول بأن إحياء طريق الحرير من خلال التجارة والتبادل الثقافي يعد معادلة تخدم مصلحة الجانبين.
وحثّ جورج مخول، رئيس شركة مورجان ستانلي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حكومات المنطقة على اعتماد ما أسماه «سياسة الشمس المشرقة» من أجل إعادة الثقة بالاقتصاد، مشيراً إلى أهمية قيام الحكومات بتطبيق أرقى معايير الشفافية وأفضل ممارسات حوكمة الشركات.
وشرح مخول فكرته بقوله: إن الحوكمة والشفافية لهما قيمة مضافة مهمة، وفي غياب الشفافية، ستتفاقم مضاعفات الأزمة، وستتصاعد المخاوف، وستنتشر الإشاعات، وفي النهاية، يدخل الجميع في دائرة مغلقة غير معروف كيفية الخروج منها، وبالتالي، من المهم للحكومات أن تتولى بنفسها وضع معايير الشفافية والحوكمة، وعندما يجري اتباع هذه الحزمة من سياسات الشمس المشرقة، نستطيع استعادة الثقة.
حيث بمقدور الفرد معرفة ما يحدث فعلا وإلى أين تتجه الاقتصادات، حيث شهدت هذه المنطقة ازدهاراً لم يسبق له مثيل ليس في مجال النفط فحسب، ولكن في المجالين الديموغرافي والاقتصادي، وهو ما واكب الكثير من الإصلاحات الاقتصادية، وبالتالي، ليس في الإمكان إدارة الوضع الاقتصادي من دون توافر البيانات والإحصائيات في مختلف المجالات.
وقال مخول: عندما تسير كل الأمور بشكل سلس، لا نسمع أحداً ينادي بالشفافية والحوكمة، كما أن غالبية دول المنطقة تفتقر إلى سياسات وإجراءات واضحة في هذا المجال. والواقع فإن اعتماد إجراءات لا ترضي جميع الأطراف يبقى أفضل بكثير من عدم امتلاك فكرة وافية عن الإجراءات والسياسات المتبعة.
وتابع بقوله: في ضوء الدور المهم الذي تتولاه الحكومات في المنطقة، من المهم أن نرى هذه الحكومات تتقدم الركب، ولن نستعيد الثقة إلا بحصول ذلك.
اقتناص الأصول
وتابع حديثه بقوله: لقد سبق لنا أن شاهدنا فترات نمو لم نستغلها ونستفيد منها كليا، وبالنظر إلى الأزمة التي نواجهها، يجب على حكومات دول مجلس التعاون الخليجي أن تستخدم احتياطياتها المالية بحكمة، بأن توظفها أولا في الاستثمار في المنطقة وفي مشروعات البنية التحتية.
وفي المشروعات الطويلة الأجل والتي من شأنها أن توفر فرص عمل بالمنطقة، وبعد ذلك، النظر إلى الاستثمار في الخارج لتنويع الأصول الاقتصادية، بشراء أصول استراتيجية، فهناك تقرير نشر مؤخرا ورد فيه أن الصناديق السيادية ستصبح أكثر أهمية بالنظر إلى امتلاكها السيولة والأموال.
وبناء على تقدير مؤداه أنه لكي تصبح اكبر مساهم في أكبر 10 شركات في العالم، فإنه يتطلب إنفاق 50 مليار دولار، وهذا ليس مبلغا كبيرا، حيث يجب الأخذ في الحسبان مقدار القوة والسلطة التي ستملكها هذه المنطقة إذا ما كانت مساهمة في أكبر 10 شركات على مستوى العالم، فهذه الشركات هي التي تتحكم في العالم وليس السياسيون.
الحدس الفكري
وشارك عارف مسعود نقفي، مؤسس والرئيس التنفيذي لـ «أبراج كابيتال» في جلسة النقاش، حيث ناشد قادة القطاع الاعتماد على ما أسماه «الحدس الوجداني» في الوقت الذي خذلهم فيه «الحدس الفكري».
وقال نقفي: في هذه الأوقات، أكثر ما نحتاجه هو التركيز على الحدس الوجداني، إذ علينا العمل على تعزيز الثقة، وربما تصلكم فكرتي بوضوح أكبر عندما نتذكر أن الثقة هي عبارة عن مفهوم مجرد لا يمكننا رؤيته أو لمسه، ولكن يمكننا إدراكه والإحساس به. والثقة قادرة على إيجاد الدافع لاستعادة الثقة.
وأضاف بقوله: إن الحكومات وحدها قادرة على العمل على استعادة الثقة وذلك من خلال ضخ السيولة في النظام المالي وتأجيل المساءلة والمحاسبة إلى وقت لاحق، فالمهم الآن هو المحافظة على الاستقرار والهدوء.
وأجاب سمير الأنصاري، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «دبي انترناشيونال كابيتال» عن سؤال بشأن ما إذا كانت شركته ستتبع استراتيجية أعمال لزيادة حصتها في الشركات التي تسهم فيها أم ستسعى إلى الحصول على حصص في الشركات الجديدة بقوله : نحن سوف ننهج الأسلوبين معا.
وهذا يعتمد على الكثير من العناصر، فهناك فرص عظيمة لم ننظر إليها في الماضي، والآن أصبحت أكثر رخصا، وهناك أسهم جيدة خسرت جزء من قيمتها.
وهناك فرص في ذلك، وهناك فرصا في كافة أنحاء العالم وليس فقط في السوق الغربي، وحتى الأسواق الصاعدة في روسيا والصين والهند، فهذه المنطقة، هناك فرصا جيدة في كافة أنحاء العالم ولكن التوقيت هو العنصر الحاسم ولا يوجد أحد يمتلك البللورة السحرية، ولكنني لست مرتاحا بأن أراهن على أن هناك ثمة شيء أكيد.
وأعرب سمير الأنصاري عن اقتناعه بوجود إرادة سياسية قائلا: أن الإرادة السياسية موجودة ، لأن الجميع يعترفون بأن هناك أزمة ضخمة ومن المتعين معالجتها، وهذا يعيدنا إلى النقطة التي أردت أثيرها وهي إن كان هناك زمن لم يتسن لنا فيه الوقت، فهاهو الوقت، لم يعد لدينا الوقت، وليست هذه الأزمة مرحلة ركود سطحية ولكنها ركود عميق جدا.
وفي الولايات المتحدة، كانت البيانات الاقتصادية هي الأسوأ، وستزداد الوضع سوءا في الولايات المتحدة، ولا يمكننا انتظار الحلول ولكن يجب علينا أن نتصرف من الآن، ويجب أن نتصرف كلنا معا، ولهذا قلت أن إذا كان هناك أمر يفرض علينا ضرورة العمل معا وسويا، فهذه هي الأزمة التي نواجهها والتي تجعلنا نتحد مع بعضنا البعض، ومن هنا الأزمات تحدد القيادة.
وعلق جاك كيمب بقوله: إن الحكومات هي الوحيدة التي ستستعيد الثقة، لأنها يجب أن تضع القواعد بشان الكيفية التي بها سيتم تخصيص الأموال التي ترصدها لإنقاذ النظامين المالي والمصرفي، وبالتالي، فإنه إذا كان من المتعين على الحكومات التدخل، فانه من المتعين كذلك أن تنظم الأسواق نفسها.
وأن يقوم المديرون التنفيذيون بواجباتهم ومسؤولياتهم بتوخي الحرص والحصافة، ولعل السؤال المطروح بشأن ما إذا كان من المقدر بعد خمس سنوات نسيان الأزمة، ومن ثم، الوقوع في نفس الفخ مجددا، بإعطاء المزيد من القروض والرواتب والمكافآت التي من شأنها أن تخلق ذات الأزمة من جديد، وبالتالي، إذا لم تنهض الأسواق بتنظيم ذاتها وتنهض بمسؤولياتها، فإن الحكومات ستضطر لأن تقوم بذلك بنفسها.
وتابع حديثه قائلا: عند النظر إلى الحكومات، تجد أن موظيفها لم يتقاضوا نفس مرتبات المديرين التنفيذيين الذين تقاضوا مرتبات منخفضة، ولكنهم تقاضوا مكافآت باهظة، بيد أن حملة الأسهم هم الذين دفعوا إلى مثل هذا الوضع، كما أن مجالس الإدارات لم تنهض هي الأخرى بمسؤولياتها.
إجراءات فورية
وتساءل نادر سلطان من شركة النفط الكويتية عن ما يجب أن تتخذه مجموعتا الثمانية والعشرين من قرارات وتدابير للخروج من الأزمة، فضلا عن ماهية القناعات التي يجب الإيمان بها لاستعادة الثقة.
دبي ـ مجدي عبيد

