كشف رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروسو أمس النقاب رسميا عن خطة إنعاش اقتصادي تبلغ قيمتها 200 مليار يورو (260 مليار دولار) تستهدف مساعدة الدول الـ 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على تجاوز الأزمة الاقتصادية الحالية والإفلات من الوقوع في هاوية الركود.
وقال باروسو إن الجانب الأكبر من تمويل الخطة ويبلغ 170 مليار يورو سيقع على عاتق حكومات الدول الأعضاء، أما المليارات الثلاثين المتبقية فستتحملها المفوضية الأوروبية وبنك الاستثمار الأوروبي.
وتفوق قيمة الخطة بكثير ما كانت تتوقعه بعض الدوائر الدبلوماسية إذ كان الحديث يدور حول 130 مليار يورو. ويشكل ال200 مليار يورو 5, 1% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي.
وأكد باروسو أن الخطة التي تتبناها المفوضية توفر «رد فعل استثنائياً» يماثل ما دعاه بـ «الأزمة الاستثنائية» التي يواجهها الاقتصاد الأوروبي والناجمة عن الأزمة المالية التي يشهدها العالم حالياً. وتمهد الخطة الطريق أمام الدول الأعضاء لبدء اقتصاداتها في النمو في أعقاب الأزمة المالية العالمية من خلال مزيج من الإجراءات الرامية لتخفيف الأعباء الضريبية وزيادة الإنفاق الاستهلاكي.
ويعني تمويل الجانب الأكبر من الخطة من خلال الدول الأعضاء، أنه سيكون على قادة دول الاتحاد الاستعداد لخوض معركة عندما يطلب منهم الموافقة على الخطة خلال القمة المقرر انعقادها الشهر المقبل في بروكسل. فألمانيا على سبيل المثال تعارض تقليدياً استخدام أموال دافعي الضرائب الألمان من أجل إنقاذ اقتصادات دول أعضاء أخرى في الاتحاد.
وترغب المفوضية في أن تقلص الدول الأعضاء الضرائب المفروضة على العمال وكذلك تقليص ضريبة القيمة المضافة بهدف زيادة الإنفاق الاستهلاكي إلى جانب الموافقة على إجراءات تستهدف دعم الأسر الأكثر فقراً في التكتل الأوروبي.
وستوجه الاستثمارات الإضافية إلى إقامة مشروعات بنية أساسية وتطوير التقنيات صديقة البيئة وكذلك دعم القطاعات المتعثرة مثل قطاعي صناعة السيارات والإنشاء. كما من المقرر أن تخفف المفوضية من قواعدها الصارمة بشأن العجز في الميزانية للدول الأعضاء خلال عامي 2009 و2010.
وفي ظل عدم تدفق أموال جديدة بالاتحاد الأوروبي فإن من المتوقع أن تدعو المفوضية إلى أن يتم ترشيد استخدام المخصصات المالية المتاحة بالفعل حاليا في مجالات مثل التوظيف والتعليم والابتكار والبناء.
ومن شأن القرار أن يمنح حكومات الدول الأعضاء الحرية في خفض معدلات ضريبة القيمة المضافة عقب الخطوة التي اتخذتها الحكومة البريطانية التي أعلنت أول من أمس الاثنين أنها سوف تخفض هذه الضريبة المفروضة على السلع الاستهلاكية اعتبارا من الشهر المقبل من 5, 17% إلى 15% وذلك حتى نهاية العام المقبل.
وتتراوح معدلات ضريبة القيمة المضافة الحالية ما بين 25% في السويد والدنمارك إلى 15% في قبرص ولوكسمبورج. كما يمكن للدول الأعضاء أن تخفض الضرائب المفروضة على منتجات معينة. ومن المقرر أن يشدد مسؤولو المفوضية على أن أي خفض في معدلات الضرائب ينبغي أن يكون مؤقتا ولا يجب أن يقل عن الحد الأدنى للتكتل البالغ 15%.
ويأتي ذلك بعد دعوات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي اللذين قالا إن التخفيف من ضوابط ميثاق الاستقرار والنمو للاتحاد الأوروبي سوف يساعد الدول الأعضاء على التخفيف من تداعيات الأزمة المالية العالمية ومن آثار التباطؤ الاقتصادي الناجم عن ذلك.
وقالت ميركل في مقال مشترك مع ساركوزي نشر في صحيفة «فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج» الألمانية وصحيفة «لوفيجارو» الفرنسية إننا «نعاني من أسوأ أزمة مالية منذ سبعين عاما». وقال الزعيمان إنه في ظل «الأوقات الاستثنائية»، من الواجب عدم معاقبة من يتجاوز الضوابط المالية الصارمة للميثاق التي تنص على ألا تتجاوز نسبة العجز في الميزانية ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وكررت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في كلمة أمام البرلمان الألماني القول ان العام المقبل سوف يكون «عاما للأنباء السيئة» لأكبر اقتصاد في أوروبا، لكنها توقعت أن يتحسن الوضع في عام 2010. وقالت: إن ألمانيا «قوية للغاية»، مضيفة انها في وضع يمكنها من تجاوز الأزمة الحالية. وأضافت ميركل بالقول إن برنامج التحفيز الاقتصادي الذي أعلنت عنه حكومتها يهدف إلى «بناء جسر» للاستثمارات وتوفير الوظائف «لحين حدوث انتعاش اقتصادي».
وتسببت الأزمة المالية العالمية في حدوث اضطراب في الاقتصاد العالمي الأمر الذي دفع الحكومة الألمانية وحكومات دول أخرى إلى الإعلان عن خطط للتحفيز الاقتصادي بهدف تعزيز النمو. وقالت ميركل إن ألمانيا ليست في وضع يسمح لها بمواجهة كل التوجهات العالمية، مشيرة إلى أن بلادها تحتاج إلى العمل بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى اتخاذ إجراءات خاصة بها للتغلب على الأزمة الاقتصادية.
وتتوقع برلين أن تؤدي خطة إنقاذ قيمتها 12 مليار يورو إلى تعزيز الاستهلاك والاستثمار بمقدار 50 مليار يورو. وتشمل الخطة خطوات لتشجيع الاستثمار في تشييد مبان تتبع أساليب حديثة لترشيد الطاقة وتقديم حوافز لمشتري السيارات. وأدى تراجع العائدات الضريبية نتيجة لانكماش الاقتصاد إلى اضطرار الحكومة إلى زيادة حجم الإقراض بمقدار ثمانية مليارات يورو من أجل الوفاء بخطط تحفيز النمو الاقتصادي.
واعترفت المستشارة في الوقت نفسه بأن الدول الصناعية لم تكن هي محرك عجلة النمو خلال السنوات الماضية بل إن الدول ذات الاقتصادات الصاعدة والدول النامية هي التي قامت بهذا الدور.
وكان ساركوزي أعلن ان الحكومة الفرنسية ستعلن في غضون الايام العشرة المقبلة خطة تتضمن حوافز مهمة لتنشيط الاقتصاد الراكد.
واضاف ساركوزي أن الخطة ستتضمن اجراءات لدعم قطاعي التشييد والسيارات وخصوصا الصناعات المغذية للسيارات التي تضررت بشكل خاص من التباطؤ الاقتصادي الذي بدأ مؤخرا. وقال ساركوزي الذي كان يتحدث في شمال فرنسا «في أقل من 10 أيام سنعلن خطة لانقاذ صناعة السيارات، وتعزيز قطاع البناء».
وفي وقت لاحق قال رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيون امام البرلمان ان الاجراءات ستتضمن مبادرات ضريبية لمساعدة شركات السيارات قائلا ان لديها مخزونا يبلغ حوالي مليون سيارة. واضاف ان الحكومة ستقوم ايضا باستثمارات لتمكين الشركات من ايجاد سيارات تعمل بالوقود الهجين وبالكهرباء. وقال فيون ان التنسيق مع الاتحاد الاوروبي والادارة الاميركية الجديدة سيكون حاسما في تنفيذ مثل هذه الخطة لمساعدة الاقتصاد العالمي.
ويسعى الاتحاد الاوروبي للحصول على موافقة الدول الاعضاء على مجموعة واسعة من الاجراءات بما في ذلك تخفيضات مؤقتة لضريبة المبيعات لانتشال الاتحاد المؤلف من 27 دولة من الركود.
وتتولى فرنسا حاليا رئاسة الاتحاد الاوروبي وتسعى جاهدة لاجراءات على مستوى الاتحاد للرد على التباطؤ الاقتصادي في اعقاب اجراءات منسقة في وقت سابق من هذا العام لتخفيف الازمة المالية التي ألحقت أضراراً شديدة بالنظام المصرفي. وعبرت فرنسا عن خيبة أملها لمقاربة أكثر حذراً تنتهجها المانيا للرد على الركود مع عدم رغبة برلين في التعهد بضخ اموال ضخمة لحفز الاقتصاد.
وأبرزت سلسلة بيانات اقتصادية ونتائج ضعيفة على مدى الشهر المنصرم التحدي الذي يواجه اوروبا في وقت تعاني فيه بالفعل شركات السيارات في القارة. وأعلنت شركة بيجو ـ ستروين الاسبوع الماضي انها تعتزم الاستغناء عن 3550 وظيفة في مصانعها في فرنسا بينما قالت شركة رينو انها ستستغني عن 6000 وظيفة في ارجاء اوروبا. وتئن صناعة التشييد في فرنسا ايضا تحت وطأة الازمة. وأظهرت بيانات ان عدد المساكن الجديدة هبط بنسبة 20.6 في المئة في الاشهر الثلاثة حتى نهاية اكتوبر.
(وكالات)
