تبدد حلم الثراء السريع لدى العديد من أفراد الطبقة الوسطى في الهند مع تهاوي المؤشر الرئيسي للبورصة الهندية الى أدنى مستوى في ثلاث سنوات الشهر الماضي لتصل خسائره في عام 2008 إلى أكثر من 50% مما اضطر الكثيرين لتغيير نمط حياتهم.

وكان سونيل كاباديا يقترض بشكل منتظم من البنوك للاستثمار في أسواق الأسهم الهندية على اعتبار أن هذه وسيلة مضمونة لصعود سلم الطبقة الوسطى مع نمو اقتصاد الهند بمعدلات تقترب من خانة العشرات، لكن بعد الخسائر الكبيرة التي تعرض لها اضطر كاباديا إلى نقل أسرته إلى شقة صغيرة في إحدى ضواحي العاصمة نيودلهي.

حسبما يقول كاباديا البالغ من العمر 48 عاما والذي فقد 20 مليون روبية (400 ألف دولار) في تجارة الأسهم هذا العام «سعيا وراء الثراء فقدت قوت يومي».

وأشار تقرير سابق إلى أن الأزمة بدأت تبرز مشكلات اجتماعية خطيرة. وقالت وسائل إعلام هندية إن شرطة العاصمة نيودلهي اعتقلت خريجين جامعيين كانا اختطفا طالبا للحصول على فدية بعد أن خسرا أموالهما في سوق الأسهم.

وذكرت شبكة «إن دي تي في» الهندية إن الرجلين اللذين درسا إدارة الأعمال استأجرا بلطجية وقاما بخطف صبي عمره 14 عاما من الحي الجنوبي في دلهي الأسبوع الماضي وبعدها طالبا بفدية قدرها 8 ملايين روبية (3, 159 ألف دولار)لكن الشرطة المحلية اقتفت أثرهما واعتقلتهما في إحدى ضواحي دلهي. وقالت الشبكة إن الشرطة نجحت في إنقاذ الصبي المختطف واعتقلت ستة من بينهم الخريجين.

ووقعت عدة جرائم في الهند تتعلق بمستثمرين تكبدوا خسائر هائلة في سوق الأسهم بسبب التباطؤ المالي. وقتل سمسار في البورصة الشهر الماضي زوجته الحامل قبل أن ينتحر في العاصمة المالية الهندية مومباي. وفي وقت سابق تخلص سمسار آخر من حياته في مدينة حيدر أباد جنوبي البلاد هو وزوجته وابنه بعد أن مني بخسائر مالية كبيرة.

واجتذب بريق أسواق الأسهم والسلع الأولية المزدهرة آلافا من صغار المستثمرين مع نمو الاقتصاد بمعدلات تبلغ 9% أو أكثر خلال السنوات المالية الثلاث الماضية وحديث الحكومة عن رفع معدلات النمو إلى خانة العشرات.

لكن مع الانهيار الحاد للبورصات فقد هؤلاء مدخراتهم وأصبحوا عاجزين بل وزاهدين في الاستثمار مرة أخرى. كما أضر الانهيار بالسلع الأولية حيث انخفضت أسعار السلع من زيوت الطهي الى المعادن بنسب تتراوح بين 40 و 50% خلال أربعة إلى خمسة شهور مضت.

وجاء هذا بمثابة ضربة قوية لثقة الطبقات الوسطى في الهند التي تتطلع لتحسين مستواها كما أن تقلص إنفاق هذه الطبقة أثار أيضا قلق الشركات الأجنبية والمستثمرين الذين كانوا يتهافتون على العمل في الاقتصاد الهندي الذي يبلغ حجمه تريليون دولار.

وقال فيكرام بات رئيس شركة اجميرا اسوشييتس ليمتد للسمسرة في مومباي «في الوقت الحالي أصبح المستثمرون يخافون من ظلهم وسيستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يعودوا للسوق». وكان معظم صغار المستثمرين قد أغرتهم موجة ارتفاع بدا أنها لن تتوقف في سوق الأسهم حيث ارتفع المؤشر الرئيسي لبورصة مومباي إلى ستة أمثاله خلال خمس سنوات حتى نهاية عام 2007 تدعمه الأموال الأجنبية.

وبعد أن اشتروا حجما قياسيا من الأسهم بلغت قيمته الصافية 4, 17 مليار دولار في العام الماضي مع ارتفاع السوق 47% باع كبار المستثمرين الأجانب أكثر من 5, 13 مليار دولار من الأسهم في عام 2008.

وأصبح المتعاملون الباحثون عن الكسب السريع رمزا لتطور اقتصاد الهند واكتسب تداول الأسهم شعبية هائلة بين المستثمرين حتى أنه أصبح بإمكان البعض كسب رزق زهيد على الأرصفة من خلال بيع طلبات الاكتتاب في عمليات الطرح الأولي مقابل بضع روبيات (سنتات).

بيد أن صغار المستثمرين اختفوا إلى حد كبير مع تهاوي السوق. ومن مستوى قياسي فوق 21200 نقطة في يناير هوى المؤشر القياسي لبورصة مومباي بشدة إلى اقل من 7700 نقطة الشهر الماضي.

ورغم أن الإحصاءات تظهر أن 5, 2% فقط من سكان الهند البالغ عددهم 1, 1 مليار نسمة يستثمرون في الأسهم فان الخبراء يقولون إن عدد المستثمرين كان ينمو بشكل مطرد عندما تحولت السوق للهبوط الحاد.

وقال ابيجيت تشودري وهو مستثمر في الأسهم من مدينة كولكاتا الشرقية خسر مليوني روبية خلال شهر واحد فقط ''أسعى لبيع شقتي كي أتمكن من سداد ديوني ولكن الجميع يعرفون الآن أنني أمر بظروف صعبة ولذا فان العروض ليست جيدة».

وأضاف تشودري الذي ظل عاطلا عن العمل لسنوات قبل أن يحقق ثراء في سوق الأسهم «لقد تحطمت تماما ولن أعود أبدا لسوق الأسهم».

ومع إحجامهم عن الاستثمار في أصول محفوفة بالمخاطر يفضل المستثمرون الآن أمان الودائع الثابتة. وارتفعت الفائدة على الودائع المصرفية إلى أكثر من 10% خلال شهرين إلى ثلاثة شهور مضت.

وقال فينود كومار شارما رئيس الأبحاث في مؤسسة اناجرام كابيتال ليمتد «إلى أن تنتعش الأسواق مرة أخرى وتصل إلى مستوى يشعر معه الناس بالارتياح فان المستثمرين سيظلون بعيدا عن الأسواق وسيفضلون الدخل الثابت والودائع الثابتة».

وخفض المحللون توقعاتهم لنمو اقتصاد الهند ولكن لا يزال من المتوقع أن ينمو الاقتصاد بنحو 7% في السنة المالية التي تنتهي في مارس المقبل.

ونتيجة لذلك أصبح كثير من المتعاملين والمستثمرين الذين حجزوا سيارات فارهة وشققا فاخرة بقروض مصرفية يكافحون الآن لتدبير نفقات تعليم أطفالهم أو حتى سداد فاتورة مشتريات البقالة. ويقول دارميش ديف المتعامل في النحاس «كنت أقود سيارة تويوتا اينوفا ولكني الان أفضل أن أستقل دراجة بخارية ذات ثلاث عجلات في طريقي للعمل».

وكان يشير إلى عربات الركشة التي تعمل بمحرك صغير وتجوب شوارع الهند. ويضيف ديف قائلا «كنت أريد شراء منزل ولكن كل رأسمالي في التجارة الآن. وعلى أية حال فمثلما انهارت أسواق الأسهم فمن المرجح للغاية أن تحذو أسعار العقارات حذوها».

ويقول بعض الخبراء إن أسواق الأسهم قد ترتفع بعد عام أو نحو ذلك إذا استقرت الأسواق العالمية ولكن الارتفاع سيكون في حدود 20 إلى 30% فقط فوق المستوى الحالي للمؤشر البالغ نحو 9000 نقطة.

وقال تشاندرا موهان موخرجي المدير في ايس فاينانشيال سيرفسيز في كولكاتا «من غير المحتمل أن يرتفع المؤشر إلى المستوى القياسي بين 20 و 21 ألف نقطة الذي بلغه في يناير نظرا لان من المتوقع أن يستمر تأثير الاضطراب المالي العالمي حتى بعد عام من عودة كبار المستثمرين الأجانب للسوق».

(الوكالات)