دعا متحدثون في جلسة نقاش بعنوان «متطلبات قيادة الجيل التالي من الخدمات المالية الإسلامية والتي عقدت أمس الأول ضمن فعاليات أسبوع مركز دبي المالي العالمي إلى مراجعة التمويل الإسلامي لتصويب مساره، وكذلك مراجعة المنتجات المالية الإسلامية، وذلك من خلال التركيز على العمليات المصرفية المدعومة بالأصول، والامتناع عن إقراض الكيانات التي تعتمد على أسلوب الرفع المالي.
وطالب البعض بضرورة العمل على البناء على الخبرات المتراكمة للتمويل الإسلامي، وان تمضي الصناعة قدما نحو تعزيز مصداقيتها، وتطوير القدرات البشرية بالانفتاح على خبرات اتباع الديانات الأخرى، وتعزيز مشاركة المرأة في العمل بالقطاع المصرفي الإسلامي، وذلك على نحو اكبر مما هو موجود في الوقت الراهن، وأوصت آراء أخرى بأن يتجه التمويل الإسلامي إلى ابتكار أساليب في تسعير الأصول بخلاف تلك المستقاة من الأساليب المصرفية التقليدية.
وأعربت بعض وجهات النظر عن تطلعها إلى تأسيس أساليب رقابية جديدة، وان تعدل المصارف المركزية نهجها بما يحول دون نشوب أزمة مالية أخرى في المستقبل، وطالبت آراء بأن تنسق المصارف الإسلامية بشكل أكبر مما هو قائم في الوقت الحالي.
واتفقت آراء المشاركين على أن التمويل الإسلامي سيسلك مسار النمو والإزهار بالرغم من التداعيات السلبية للأزمة المالية العالمية وأوعزوا أسباب هذا النمو إلى إقبال المستثمرين على المنتجات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، فضلا عن إقبالهم على توظيف أموالهم في بنوك تعمل وفقا لمنظومة أخلاقيات وقيم اجتماعية، وهو ما ظهر جليا في افتتاح عدد من البنوك الإسلامية في الدول الغربية والآسيوية، ولكنهم قدروا بأن التمويل الإسلامي لن يكون بمنأى عن مضاعفات الأزمة المالية التي تصيب القطاع المصرفي في شقيه التقليدي والإسلامي.
وأشاروا في هذا السياق إلى أنه على الرغم من أن أزمة السيولة العالمية والاستثمار بكثافة في القطاع العقاري أديا إلى انعكاسات سلبية على قطاع الخدمات المالية الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن المنطقة ما زالت تعد أهم مركز للخدمات المصرفية الإسلامية في العالم.
نقص السيولة
وقال خالد عبد الله جناحي، رئيس مجلس إدارة بنك الإثمار والرئيس التنفيذي لمجموعة دار المال الإسلامي: لقد توقف الإقراض، سواء بالنسبة للمصارف الإسلامية أو التقليدية، ومن غير الواقعي القول إن الأزمة لن تطال قطاع التمويل الإسلامي باعتباره غير منخرط في عمليات الاستثمار المرتبطة بمنتجات المشتقات والتعاملات الآجلة، ولكن في حقيقة الأمر يعاني هذا القطاع من نقص في السيولة.
فضلا عن انكشاف استثماراته في قطاع العقارات لمخاطر عمليات التصحيح المواكبة للأزمة المالية العالمية والتي ستفضي إلى انخفاض العقارات بنسب تتراوح بين 20 إلى 25 %، وتواجه المصارف الإسلامية مثل هذه التحديات أسوة بالمصارف الأخرى، وتتطلع إلى الخروج من دائرة مضاعفاتها.
سماسرة عقارات
وأشار المتحدثون إلى أن الأوعية الاستثمارية الجديدة والابتعاد عن القطاع العقاري يشكلان أهم عوامل مواصلة النمو بالنسبة لقطاع التمويل الإسلامي. وقال جناحي: «لقد بالغ الكثير من المصارف الإسلامية بالاستثمار في القطاع العقاري. ولاستعادة الثقة، علينا تثقيف أنفسنا وكذلك المستثمرين والتركيز على الاستثمار في الاقتصاد الفعلي».
ولفت إلى أن المصارف المركزية تميز في تعاملها بين المصارف الإسلامية والتقليدية، ففي حين تتعامل مع الأولى بشكل غليظ، فإنها تنتهج أسلوبا لينا في تعاملها مع الفئة الثانية، مشيرا إلى أنه على الرغم من ضخ المصارف الإسلامية الكثير من الأموال في القطاع العقاري، ودخولها هذا القطاع بوصفها سماسرة، إلا أن الحكومات تعد مسؤولة عن ذلك، كما أن التمويل الإسلامي لم ينخرط في مجال التوريق والمشتقات، وإنما أعتمد في نموه على الأصول الحقيقية والملموسة، وتعامل مع الاقتصاد الحقيقي وليس الاقتصاد الورقي.
وطالب جناحي المصارف الإسلامية بأن تعيد النظر في أساليبها الاستثمارية، بأن تنظر إلى القطاعات الاقتصادية الحقيقية كالقطاع الزراعي والصناعي، مذكرا بأن قيمة أصول المصارف الإسلامية مجتمعة تقل عن نصف قيمة أصول مصرف واحد غربي من العيار الثقيل على غرار «سيتي بنك»، وتوقع ان يواجه التمويل الإسلامي تحدي السيولة على مدى فترة تتراوح بين 9 إلى 18 شهرا.
مشيرا إلى انه على مدى السنوات الثماني الماضية، أصبحت المصارف الإسلامية في المنطقة تقوم بدور الوسيط العقاري، وينبغي وضع حد لذلك، وأكد أن الوقت قد حان للبنوك الإسلامية لتحدد مسارها الصحيح وأن تمضي قدما في عمليات الاستحواذ على المصارف التقليدية لتتحول إلى مصارف إسلامية، وذلك على الرغم من عدم استساغة المصارف المركزية لمثل هذه العمليات.
ودعا جناحي المصارف المركزية إلى تغيير نظرتها إلى البنوك الإسلامية، وأن تكف السلطات الرقابية عن توجهها العدائي حيالها، شارحا أن المصارف المركزية على امتداد البقعة الجغرافية من إندونيسيا حتى الأطلنطي تميز في تعاملها بين المصارف التقليدية وتلك الإسلامية، وبالتالي، هناك ثمة حاجة لأن تغير المصارف المركزية عقليتها تجاه المصارف الإسلامية.
السيولة الزائدة
وقال البروفيسور كيه سي تشان، وزير الخزانة والخدمات المالية في هونج كونج إن سبب الأزمة يعود إلى زيادة كبيرة في التمويل بالإقراض، كما أن المصارف المركزية تعتبر مسؤولة عن هذه الأزمة، حيث أنها ساهمت في خلق مشكلة «الائتمان السائب»، وهو أمر لم يشجع عليه فحسب بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي، بل كانت هناك كذلك مستويات سيولة عالية في كل من الصين واليابان، ولكن من الصعب القول إن ما يجري هو انفجار للفقاعات.
وتابع شارحا بأن البنوك الصينية لم تنتهج أساليب على شاكلة تلك المتبعة من قبل البنوك في أوروبا وأميركا، حيث إنها لم تنخرط في تقديم الرهون العقارية، فضلا عن ابتعادها عن هيكلة المنتجات الاستثمارية والانخراط في عمليات التداول على الأسهم، وبالتالي، أظهرت هذه البنوك أداء جيدا، رغم تصاعد حدة الأزمة المالية العالمية.
ولفت أحد المتحدثين إلى أن الكثير من البنوك التقليدية في منطقة الخليج تحولت إلى مصارف إسلامية، كما أن الكثير من المصارف التقليدية في الغرب وآسيا قد ركبت الموجة وفتحت نوافذ للتمويل الإسلامي، وذلك رغم عدم تسميتها بالبنوك الإسلامية على غرار الحال بالنسبة للمصارف في كل من تركيا وهونج كونج، وهو ما يرجع إلى طلب جمهور العملاء الذين صاروا يقبلون على التعامل مع المصارف الإسلامية، ومن ثم، صار من المتعين على التمويل الإسلامي أن يبرهن على مصداقيته، وأن يبرهن على أنه نظام يتمتع بالقدرة على الحياة والبقاء، إلى جانب إبراز أوجه تميزها واختلافها عن البنوك التقليدية.
وفي حالة تحقق مثل هذا الأمر، فإنه من المتوقع أن يواصل التمويل الإسلامي مسيرة نموه وازدهاره، نظراً لثقة جمهور المتعاملين بأن أموالهم يجري استثمارها في أصول ملموسة وحقيقية، وأنها تضخ في منتجات متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
جشع المصارف
ورصد أحد المتحدثين ظاهرة انخراط المصارف التقليدية في صنع منتجات تمويل إسلامية قائلا: إن المصارف التقليدية على غرار سيتي بنك ومورجان ستانلي قد طوروا الكثير من المنتجات الإسلامية، نظرا لما تحققه هذه المنتجات من أرباح ضخمة، ولكن عندما تتقلص سيولة هذه المنتجات، فإن هذه المصارف سوف تتحول إلى مجالات أخرى،
وناقش المتحدثون في الجلسة الإطار التنظيمي، مشيرين إلى أهميته في قطاع التمويل الإسلامي وطرحوا فكرة إعادة النظر في الهيكليات، وقال هاري بامبرا، شريك أول في «برازيدوم»: نشأ التمويل الإسلامي وهو محاط بأنظمة التمويل التقليدية، واليوم لدينا فرصة للعودة إلى الأساسيات وإعادة تقييم الأسلوب الذي تمت هيكلة المنتجات وفقاً له.
وأوضح إقبال أحمد خان، الرئيس التنفيذي لشركة الفجر كابيتال أن أكثر ما يمكن أن يحلق الضرر بالتمويل الإسلامي هو وجود إطار رقابي غير سليم مشيرا إلى أن التمويل الإسلامي، لا يستطيع المشاركة في عمليات تنطوي على نسبة دين كبيرة مثل صناديق التحوط أو المشتقات، حيث تقتصر حدود التمويل على قيمة الأصول وحسب.
استعادة الثقة
وطرحت على مائدة النقاش قضية «استعادة الثقة في النظام المصرفي»، وتعددت هنا مداخلات المتحدثين، ودعا أحدهم إلى ضرورة العمل على تثقيف النفس والآخرين والتعلم من الأخطاء، وأن تركز صناعة التمويل الإسلامي على الاقتصاد الحقيقي، من دون الانجراف إلى الاستثمار في الأوعية الاستثمارية بدافع الرغبة في تحقيق أرباح فاحشة.
ولفت رأي آخر إلى أن المصارف الإسلامية في المنطقة العربية تتحرك دائما بدافع الضرورة والحاجة، وأنها لا تميل إلى تنظيم ذاتها، وهو ما يستدعي أن تفكر هذه المصارف بطريقة صحيحة، وأكد رأي ثالث ضرورة أن يكون للسلطات الرقابية دور في استعادة الثقة بالنظام المصرفي.
وناقش المتحدثون قضية اندفاع المصارف نحو تحقيق أرباح فاحشة بوصفها أحد مسببات الأزمة المالية العالمية، ودافع أحد المتحدثين عن المصارف قائلا: إن الجشع لم يأت من جانب المصارف وإنما من جانب المستثمرين والأفراد الذين أرادوا تحقيق مكاسب مالية ضخمة من استثمار أموالهم، وينسحب هذا الوضع على المستثمرين في أوعية استثمارية تقليدية أو منتجات إسلامية، وعلى الجانب الآخر من المعادلة، اندفع مسؤولو المصارف سواء تقليدية أو إسلامية نحو العمل على تحقيق أرباح طائلة، وبالتالي، برز الجشع كأحد المسببات الرئيسية للأزمة.
وشكا متحدث آخر بأن المصارف المركزية تفرط في رقابتها على المصارف الإسلامية، فيما تترك المصارف التقليدية طليقة الأيدي لتفعل ما يحلو لها، وبالتالي، فإن المصارف المركزية مسؤولة عن مشكلة «جشع المصارف»، باعتبار أن هناك أخطاء جرى ارتكابها في البيئة التشريعية بشأن كيفية التعامل مع المخاطر، ومن ثم، تبرز الحاجة لأن تنتهج الأجهزة الرقابية أساليب إفصاح شفافة لكي يستعيد القطاع المصرفي الثقة التي افتقدها.
وقال إقبال أحمد خان الرئيس التنفيذي لشركة الفجر كابيتال أنه بإمكان صناديق الثروة السيادية أن تنظر إلى هيكليات إسلامية وتتخذها نموذجاً وبذلك تضرب هذه الصناديق مثلاً يحتذيه الآخرون. وعلينا أن نتطلع إلى المنتجات المبتكرة ونركز عليها. واختتم خان بقوله إن مواصلة النمو في قطاع الخدمات المالية الإسلامية مرتبطة بتقديمه حلولا شاملة تغطي كل المتطلبات، فضلاً عن مزيد من الانفتاح.
واقترح المتحدثون أيضاً ضرورة مبادرة رؤوس الأموال بالعودة إلى المنطقة للقيام بمشاريع مدروسة وليس كردة فعل على حدث معين. وقال جناحي: «على مدى الإثني عشر شهراً الأخيرة، تم إنفاق 30 مليار دولار أميركي في مختلف أنحاء المنطقة من أجل إنقاذ مصارف في الغرب، وكان من الأجدى بقاء هذه الأموال هنا. ولو كنا قد أولينا منطقتنا الاهتمام الأكبر، لكان من المحتمل أن تكون الأوضاع اليوم مختلفة».
وحدد المشاركون المهارات المطلوبة لتطوير قطاع الخدمات المالية الإسلامية، حيث قال هاري بامبرا بهذا الصدد: «يحتاج قطاع التمويل الإسلامي إلى مزيد من العلماء والفقهاء، وكذلك إلى تطوير الكوادر البشرية العاملة في القطاع، إضافة إلى تطوير اللوائح التنظيمية، كما ينبغي على اتباع الديانات الأخرى النظر بمزيد من الانفتاح إلى التمويل الإسلامي.
دبي ـ مجدي عبيد
