رغم اتفاق المتحدثين في جلسة عمل عقدت ضمن فعاليات أسبوع مركز دبي المالي على بدء تعافي اقتصادات منطقة الخليج خلال النصف الثاني من عام 2009 وأرجعوا أسباب ذلك إلى عدم معاناة المنطقة من نفس المشاكل الهيكلية التي تواجه كلا من الولايات المتحدة وأوروبا.
فضلا عن بروز منطقة الخليج كسوق صاعد من شأنه أن يساعد في عودة الازدهار بوتيرة سريعة، إلا أنهم وجهوا ا اللوم إلى وكالات التصنيف الائتمانية بتحميلها قدرا من المسؤولية عن الأسباب التي قادت إلى تفجر الأزمة المالية العالمية، وعلق أحدهم بالقول أن هذه الوكالات قد غاب دورها كليا ولم تعد موجودة بحكم الواقع، وذلك في ظل تحول حوالي 70% من القروض العقارية إلى أوراق مالية.
وفقدان الكثير من الأصول لقيمتها وهو وضع من شأنه أن يفرض العمل على استعادة عامل الثقة، وتعزيز مستويات الشفافية، وبشر متحدثون ببروز نظام مالي عالمي جديد، كما تحدث البعض عن إمكانية تأسيس مصرف مركزي عالمي، ولكنهم أعربوا عن عدم تفاؤلهم بشأن نجاح مجموعة العشرين في تغيير صورة الاقتصاد العالمي.
وجري طرح قضية أثر انخفاض أسعار النفط على الاستثمارات في منطقة الخليج، باعتبار أن النفط يشكل عصب هذه الاقتصادات، وأجاب أحد المتحدثين عن هذا السؤال بإشارته إلى أن سعر استخراج النفط في منطقة الخليج يقل كثيرا عن سعره في مناطق أخرى كبحر الشمال الذي يستلزم أن لا يقل سعر برميل النفط عن 70 دولارا حتى تكون تكلفة استخراجه مجدية اقتصاديا.
فضلا عن أن دول منطقة الخليج تمتلك السيولة التي تكفل لها التعايش مع أسعار نفط منخفضة على مدى الأشهر القادمة، ولكن مع قدوم عام 2009، من المتوقع أن تستعيد أسواق النفط توازنها بوصول متوسط سعر البرميل إلى 65 دولارا.
وقال محمود سالم نائب رئيس بنك أوف نيويورك مليون إن المسألة المهمة هنا تتعلق باستقرار أسواق النفط، وذلك حتى تستطيع الشركات والكيانات الاقتصادية في المنطقة التخطيط للمستقبل.
وبالتالي، سيكون ارتياحاً يعم المنطقة إذا ما تعزز استقرار أسعار النفط، وبخلاف ذلك، فأن هذه الشركات ستنتابها مشاعر الذعر من اهتزاز الأرض تحت أقدامها، وذلك في ظل هبوط أسعار النفط من مستوى يتجاوز مئة وأربعين دولارا للبرميل إلى 50 دولارا، ولكن وبمجرد عودة هذه الأسعار إلى الاستقرار، فأنه سيكون بمقدور الشركات توقع السيولة والنمو، وبالتالي، تخطيط أعمالها ضمن هذا الإطار.
وتوقع المتحدثون أن تستقر أسعار النفط على المدى المتوسط في نطاق سعري يتراوح بين 60 و100 دولار للبرميل، وهو المستوى الذي تحتاجه حكومات دول مجلس التعاون الخليجي للحفاظ على نموها المستدام.
وتسائل بيتر باركر هوميك الرئيس التنفيذي لشركة أبوظبي الوطنية للطاقة (طاقة) عما إذا كانت اقتصاديات منطقة الخليج قادرة على مواجهة أسعار نفط تبلغ 40 دولار للبرميل لفترة تتراوح بين 18 و24 شهرا، وأجاب على هذا السؤال قائلا انها بالقطع قادرة على ذلك.
وتابع هوميك حديثه قائلا: ان الأزمة الحالية جعلت جهات الإصدار تمر بوقت حيوي، من زاوية أنه صار من المتعين عليها العمل على بناء علاقات مع المستثمرين وان تظهر مستويات عالية من الشفافية، وهو ما يستلزم منها أن تنتهج أساليب حوكمة جيدة.
وأن تتواصل مع المستثمرين لتعزيز عامل الثقة لديهم، ومن شأن انتهاج الشركات مثل هذه الأساليب، أن يدر عليها مكاسب، وذلك إذا ما أرادت أن تصبح لاعبا عالميا في البورصات الدولية، وان تجتذب الفئة المناسبة من المستثمرين، وبالتالي، فمن المتعين على الشركات وجهات الإصدار أن تذعن لمثل هذه المعايير والمقاييس.
وقال براد بورلاند كبير الاقتصاديين في شركة جدوى للاستثمار السعودية إن شركته تتوقع بان تتراوح أسعار النفط على المدى القريب بين 65 و70 دولارا للبرميل، ثم تعاود الصعود إلى 100 دولار في غضون السنوات القليلة المقبلة، وهو مستوى سعري من شأنه أن يدعم ما قامت بفعله الحكومات في السنوات الأخيرة.
وتابع قائلا: إن السؤال الذي يطرحه شخصيا هو ما إذا كان تحقيق الاستقرار لأسعار النفط في عام 2009 يعتمد على استعادة الأسواق لعامل الثقة أم أنه يعتمد على حدوث المزيد من التآكل لعامل الثقة.
ورأى متحدثون أن المسألة هنا تتعلق بكيفية التعلم من الدروس التي فرضتها الأزمة المالية العالمية، وكيفية ترسيخ الوعي بنوعية المخاطر الناجمة عن الأزمة.
ورغم أنه من غير المتوقع أن يكون التدخل الحكومي مفرطا في تسيير النظم المالية، وفي كيفية مباشرة الأعمال، إلا أنه من المعتقد أن تحفز الأزمة المالية على نشوء أنظمة إشرافية عالمية، وأن تكون هناك نظم عالمية للتصنيفات الائتمانية، وبالتالي، سيصير من المهم بمكان العمل على إرساء تظم تعزز الاستقرار والتي بدورها تدعم الثقة على نحو يؤدي إلى توليد سيولة تكون عاملا مفيدا في اجتياز مثل هذه الأوقات الصعبة.
وقدرت آراء أنه بالرغم من ورود توقعات بأن تواصل منظمة التجارة العالمية القيام بدورها كحارس لحرية الأسواق، وأن تتعافى مجددا جولة الدوحة لتحرير التجارة، إلا أنه من المعتقد أن الحكومات ستتجه إلى اتخاذ المزيد من الإجراءات الحمائية، وهو ما يفتح الآفاق أمام إمكانيات حدوث تغيرات لمنظمة التجارة العالمية.
خاصة إذا ما تبنت الإدارة الأميركية الجديدة سياسات حمائية لدعم الصناعات والمزارعين، وهو ما سيؤثر بشكل كبير على مستقبل منظمة التجارة العالمية، وبالتالي، فمن المتوقع أن تكون الجولة القادمة لمفاوضات منظمة التجارة العالمية ذات نكهة ومذاق مختلفين، مما يكسبها قدرا كبيرا من الإثارة والاهتمام.
دبي ـ مجدي عبيد
