بعد أقل من 48 ساعة من إعلان مسؤول كبير في «سيتي جروب» المصرفية رفض المصرف الأميركي العملاق لأي خطط لتجزئته أو التدخل في سياساته، وافق البنك على خطة أميركية تبلغ كلفتها نحو 326 مليار دولار منها 20 مليار دولار ضخت بشكل مباشر، فيما تبلغ كلفة تحمل ديون ورهون متعثرة وأصول عالية المخاطر تعهدت بها الحكومة الأميركية نحو 306 مليارات دولار.
ومقابل الخطة ستحصل الحكومة الأميركية على أسهم ممتازة تتمتع بتوزيعات نقدية عالية النسبة. وحصلت المجموعة على الدعم الأخير بعد أن هوى سهمها 60% الأسبوع الماضي وسط مشاعر قلق من افتقارها لرأس المال الكافي من أجل البقاء.
وبدا أن المساهمين هم الخاسرون الأكبر من الصفقة، حيث أنها تتضمن تقليصاً أو اختفاء كاملاً للتوزيعات النقدية على مساهمي البنك اذ لن يكون بوسع البنك توزيع أرباح فصلية أكثر من سنت واحد للسهم خلال السنوات الثلاث المقبلة بغير موافقة الحكومة، في حين تبلغ التوزيعات الفصلية الآن 16 سنتا عن السهم الواحد، لكن على الرغم من ذلك قال الأمير الوليد بن طلال أكبر المساهمين في البنك إنه ملتزم شخصياً بالمجموعة أي بمعنى آخر الإبقاء على استثماراته في البنك.
وأياً كان الأمر ستجسد عملية التدخل الحكومي في «سيتي بانك» والتي تعتبر الأكبر في التاريخ المصرفي على الإطلاق. فسيتي جروب ليس مجرد مصرف بل هو مؤسسة ضخمة تتربع على تريليوني دولار من الأصول وتملك أفرعاً وأنشطة في أكثر من 100 بلد حول العالم، لذلك فإن أي تأثيرات مرتبطة به قد تنتشر وتؤثر على العديد من القطاعات الأخرى التي يشتغل فيها والتي تتضمن سلسلة طويلة من الأنشطة بينها التمويل المباشر والرهون العقارية والاستثمارات الإنتاجية وغيرها من الأنشطة الأخرى.
وفي الجانب الآخر تكشف العملية وبشكل صريح عن مدى اتساع وانتشار حدة أزمة الائتمان التي انتقلت عدواها لتشمل قطاعات واسعة من المصارف العالمية، ولا يبدو أنها ستتقلص في ظل الأوضاع المعقدة التي تعيشها المصارف، وهي الأوضاع التي صنعتها الولايات المتحدة بيدها عندما تخلت في العام 1971 عن قاعدة إسناد النقد بالذهب وبدأت في ضخ أموال مجهولة الهوية في السوق المصرفي وصلت بحسب تقديرات الخبراء إلى 600 تريليون دولار.
وبالطبع تحولت تلك الأموال إلى أنشطة تدرك العديد من البنوك الأميركية أنها كانت ستقود إلى ما وصل إليه الحال اليوم.
والغريب في الأمر أن دافع الضرائب الأميركي المصاب أصلاً بلعنة البنوك حيث وصلت تراكمات ديون الأميركيين إلى نحو 14 تريليون دولار، هو الذي يتحمل عبء الإنقاذ الآن. ورغم أن الحكومة الأميركية تقول إن خطة الإنقاذ تأتي في إطار الجهود المبذولة لوقف فلتان الأسواق وإعادة الثقة إلى المستثمرين، إلا أن دافع الضرائب العادي له رأي آخر.
والمؤكد أن الفورة المالية التي حدثت في بداية العقد الحالي ستتمخض عنها دروس عديدة يمكن أن يستفيد منها صناع القرار والمستهلكين والمستثمرين بنفس القدر. لكن أهم درس يمكن أن تتعلمه المصارف هو أن واقعية القرار الاستثماري هي الطريق الأجدى والأمثل لتجنب المخاطر والخروج من دائرة الخسائر التي تقود الاقتصاد العالمي في مجمله إلى الهاوية وتعريض مدخرات وممتلكات الناس للخطر.
والمؤكد أيضاً أن لصفقة إنقاذ «سيتي بانك» وغيره من المصارف والمؤسسات المالية المنهارة تأثيرات وتداعيات عديدة على موقف العملة الأميركية، فالسؤال الذي يمكن أن يطرح نفسه بقوة هو إلى متى ستظل السلطات الأميركية تستند إلى سياسة الضخ المالي المباشر في ظل تغييب أطر أخرى مثل سندات الخزينة وغيرها. ويدرك الخبراء جيداً أن خطوات مثل هذه ستؤدي في نهاية الأمر إلى زيادة متاعب العملة الأميركية وتعريضها للمزيد من الانهيارات.
كتب - كمال عبد الرحمن