رسمت تقارير صدرت أمس صورة قاتمة عن الأوضاع الاقتصادية في بريطانيا وألمانيا وكندا في ظل تطورات تداعيات وآثار الأزمة المالية العالمية.
وفي أميركا أعلن أن الحكومة الجديدة تعتزم تنفيذ ثاني خطة للإنعاش في أقل من عام تبلغ كلفتها 700 مليار دولار. وأظهرت بيانات ان الاقتصاد البريطاني سينكمش بنسبة 5ر1 في المئة العام المقبل. وانخفض مؤشر مناخ الأعمال في ألمانيا مجددا في نوفمبر للشهر السادس على التوالي. وفي أول اعتراف حكومي قال وزير المالية الكندي إن الأزمة المالية قد دفعت الاقتصاد الكندي الى الركود.
وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية أن الرئيس الأميركي المنتخب باراك اوباما والأعضاء الديمقراطيين المنتخبين في الكونغرس يضعون اللمسات الأخيرة على خطة واسعة للإنعاش الاقتصادي قد تبلغ كلفتها 700 مليار دولار على مدى سنتين.
واعتبرت الصحيفة أن هذا المشروع، في حال إقراره، سيكون من أكثر الخطط المالية ضخامة منذ الثلاثينات. وستكون هذه الخطة الثانية للانعاش الاقتصادي في اقل من سنة بعد الخطة التي اقرت في بداية 2008.
فقد وقع الرئيس جورج بوش في 13 فبراير خطة إنعاش بكلفة 168 مليار دولار على مدى سنتين، من اجل محاولة تجنب سقوط الاقتصاد الأميركي في الانكماش. واستبعد بوش في وقت سابق ضرورة الإعداد لخطة ثانية بهدف دعم الاستهلاك الذي تباطأ نتيجة أزمة العقارات.
وقالت «واشنطن بوست» إن حاكم نيوجرزي جون كورزين، مستشار اوباما، ولورنس سامرز، الخبير الاقتصادي في جامعة هارفرد الذي اختاره اوباما ليقود فريقه الاقتصادي في البيت الابيض، أشارا إلى احتمال أن تبلغ تكاليف الخطة من النفقات العامة 700 مليار دولار.
وأشارت الصحيفة إلى أن روبرت رايتش، مستشار اوباما ووزير العمل السابق في عهد بيل كلينتون والسناتور الديمقراطي تشارلز شومر طرحا كذلك مبلغا يتراوح بين 500 و700 مليار دولار للنهوض بالاقتصاد الأميركي.
خطة انعاش
وكان اوباما قد أعلن مطلع الأسبوع انه طلب من مستشاريه الاقتصاديين التحضير لخطة إنعاش تهدف إلى استحداث 5, 2 مليون وظيفة خلال السنتين الجديدتين. وأوضح اوباما انه يعتزم توفير فرص عمل من خلال شق طرق وبناء جسور وتحديث مدارس وتصنيع سيارات مقتصدة للبنزين، إضافة إلى تطوير موارد طاقة بديلة بهدف تحرير الولايات المتحدة من التبعية للواردات النفطية.
وقال المعهد الوطني للأبحاث الاجتماعية والاقتصادية في لندن ان البطالة في بريطانيا قد ترتفع الى 5, 2 مليون شخص في عام 2010. وقدر المعهد ان برنامجا تبلغ تكاليفه 30 مليار دولار يمكن ان يحسن النمو بنسبة واحد في المئة العام المقبل. وأضاف «نتوقع ان ينكمش الاقتصاد البريطاني لستة ارباع من السنة على التوالي ولن يبدأ الاقتصاد في الانتعاش قبل اوائل 2010».
وقال من المتوقع ان يهبط التضخم لاقل من نسبة اثنين في المئة التي توقعها بنك انجلترا خلال المدى المتوسط. واضاف المعهد انه لو لم تنخفض اسعار النفط بشكل حاد لكان النمو سيصبح اضعف وقد تصل البطالة الى ثلاثة ملايين نسمة اذا لم يغادر المهاجرون الذين وصلوا حديثا بريطانيا.
وذكر معهد «إيفو» للأبحاث الاقتصادية في مدينة ميونيخ جنوبي ألمانيا أن مؤشر مناخ الأعمال تراجع في نوفمبر إلى 8, 85 نقطة بعد هبوطه إلى 2, 90 نقطة في أكتوبر الماضي.
وجاءت بيانات المعهد بعيدة مجددا بشكل ملحوظ عن متوسط توقعات كثير من الاقتصاديين بأن ينخفض المؤشر في هذا الشهر إلى 89 نقطة. وأشار المعهد إلى ازدياد نظرة الشك لدى الشركات التي شملها الاستطلاع تجاه الوضع الحالي لأعمالها وتوقعاتها الاقتصادية خلال الأشهر الستة الأولى من العام المقبل. ويعد مؤشر «إيفو» من أهم المؤشرات التي تتنبأ بتطور أوضاع الاقتصاد الألماني بشكل مبكر.
تحفيز اقتصادي
وحذرت الحكومة الالمانية في وقت سابق من ان سنة 2009 ستكون سنة قاتمة على الاقتصاد، الا انها لا تزال منقسمة حول العلاج المناسب لحل الازمة المالية في البلد صاحب اكبر اقتصاد في اوروبا. وقال وزير الاقتصاد مايكل غلوس ان صفقة التحفيز الاقتصادي التي تم وضعها هذا الشهر ليست سوى البداية اذا ارادت المانيا تحصين نفسها من الازمة المالية العالمية.
وفي ذات الإطار قال رئيس غرفة التجارة والصناعة الالمانية لودفيغ جورج براون ان المستهلكين يحتاجون الى توفر المزيد من المبالغ النقدية معهم فورا، مؤكدا ان «خفض الضرائب هو افضل برنامج للنمو». ونشرت صحيفة شبيغل وثيقة داخلية لوزارة الاقتصاد تتحدث عن تشاؤم عميق بين كبار الاقتصاديين في البلاد.
وجاء في الوثيقة «نحن نتجه الى انكماش اقتصادي عالمي لم نر في حجمه وعمقه منذ عقود». واضافت الوثيقة «وبالنسبة لالمانيا بشكل خاص وبصفتها واحدة من اكثر الدول الصناعية انفتاحا، فمن المحتمل ان يؤدي انهيار الطلب من الخارج الى انهيار داخلي طويل».
لكن فرانك يورجن فايزيه رئيس مكتب العمل الاتحادي في ألمانيا توقع أن يكون تأثير الركود الاقتصادي المحتمل على سوق العمل أقل شدة من تأثير الأزمات الاقتصادية السابقة.
وقال فايزيه إن تقديرات معهد الأبحاث التابع لمكتب العمل تشير إلى أن معدل نمو الاقتصاد الألماني في عام 2009 سيتراجع في أسوأ حالاته إلى سالب 5, 0% .
وأن عدد العاطلين عن العمل سيزداد في هذه الحالة بنحو 130 ألف عاطل ولكنه سيزداد بواقع 30 ألف شخص فقط في حالة عدم هبوط معدل النمو عن الصفر. وفي الوقت نفسه أشار فايزيه إلى وجود نحو مليون وظيفة شاغرة في الوقت الحالي مضيفا أن العديد من المناطق تشهد تشغيلا كاملا.
وفي كندا قال وزير المالية جيم فلاهيرتي بان الازمة المالية العالمية ربما تكون قد دفعت الاقتصاد الكندي الى الركود في اول اعتراف من الحكومة الكندية المحافظة بهذا الاحتمال. وأوضح فلاهيرتي «ربما نكون في ركود فني في الربع الاخير من هذا العام والربع الاول من العام قبل. من المحتمل تماما ان تصبح كندا تحت هذا الخط بفارق بسيط في كل من هذين الربعين وهو ما سيكون من الناحية الفنية ركودا».
وتأتي تصريحات فلاهيرتي بعد كلمة القاها محافظ بنك كندا مارك كارني الاسبوع الماضي قال فيه ان خطر الركود يتزايد. ويحدد الاقتصاديون الركود بأنه انكماش لربعين متعاقبين. وقال كارني ان من المحتمل ان يخفض البنك المركزي اسعار الفائدة مرة اخرى للحفاظ على الاقتصاد الكندي المعتمد على الصادرات في مواجهة ركود عالمي وتراجع طلب المستهلكين في الولايات المتحدة الشريك التجاري الرئيسي لكندا.
ويواجه الاقتصاد التركي أيضاً مشكلات عصيبة وتضاربت التقارير حول حجم تتفاوض تركيا للحصول عليه من صندوق النقد الدولي، ففيما قالت صحيفة زمان اليومية التركية ان تركيا قبلت عرضا نهائيا من الصندوق يقضي بحصولها على قروض بقيمة 19 مليار دولار بعد أن طلبت أنقرة في البداية 30 مليارا، أكدت مصادر حكومية ان تركيا مازالت تجري مباحثات مع الصندوق حول اتفاق جديد للحصول على قروض وانه لم يتم الاتفاق على حجم القروض حتى الان.
تقدم كبير
وقال مصدر حكومي «المباحثات الفنية مع الصندوق مستمرة. حققنا تقدما كبيرا لكننا لم نصل بعد الى المرحلة النهائية وليس صحيحا الحديث عن رقم لحجم القروض الان. وأكد مصدر اخر أنه لم يتم الاتفاق على حجم القروض.
وفي الظروف العادية فان الصندوق يقدم لدولة ما قروضا قيمتها 15 مليار دولار لكنه رفع عرضه الى 19 مليارا في مفاوضاتها مع أنقرة. وفي الأسبوع الماضي قالت مصادر في حزب العدالة والتنمية الحاكم إن من المتوقع أن تبرم تركيا اتفاقا مع الصندوق يسمح لها بالحصول على تمويل يتراوح بين 20 و40 مليار دولار اذا اقتضى الأمر لتجاوز أزمة الائتمان العالمية.
ولم تشهد تركيا مشاكل مالية مثل المشاكل التي أجبرت ايسلندا وأوكرانيا والمجر وصربيا ولاتفيا على طلب العون من الصندوق لكنها بدأت تعاني من تباطؤ اقتصادي وانخفاض حاد في قيمة عملتها. ويقول زعماء قطاع الأعمال وخبراء اقتصاد إن إبرام اتفاق مع الصندوق سيمثل عامل استقرار مهما في ضوء الأزمة المالية العالمية.
(وكالات)
