تناولت الجلسة الثانية أمس لمؤتمر الأسبوع المالي والذي ينظمه مركز دبي المالي العالمي والتي جاءت تحت عنوان الآفاق الاقتصادية للعالم ومجلس التعاون لدول الخليج العربية 2009 وشارك فيها ناصر الشيخ المدير العام للدائرة المالية في دبي والدكتور باسم عوض الله الرئيس السابق للديوان الملكي الأردني الهاشمي وبيتر اوبنهاير الشريك والمخطط الاستراتيجي العالمي لمؤسسة جولدمان ساكس.
والدكتور سعد حمد البراك العضو المنتدب ونائب مجلس الادارة والرئيس التنفيذي لمجموعة زين الكويتية وجينز سولستروب المدير التنفيذي لأكسفورد أنالتيكا والذين يعدون أهم خبراء المال والاستثمار في العالم حالياً. الجلسة اتسمت بالصراحة والشفافية حول تأثير الأزمة المالية الواضح في الاقتصاد العالمي متوقعين زوال الأزمة منتصف العام المقبل بالرغم من شعور الاقتصاديين بالإحباط تجاه ذلك.
أكد ناصر الشيخ المدير العام للدائرة المالية في دبي على ضخامة قاعدة أصول حكومة دبي والتي تقدر بحوالي 3 ,1 تريليون دولار، قائلا: لا داعي للقلق حيال الديون السيادية الخارجية التي لا تتجاوز بحسب التقديرات الرسمية 10 مليارات دولار.
وتحدث الشيخ عن وجود تنسيق كامل بين المجلس الاستشاري الذي شكله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي لدراسة مدى تأثر اقتصاد دبي بالأزمة المالية العالمية وبين الحكومة الاتحادية، مشيرا إلى حقيقة أن بعض القطاعات خاضع تنظيمها للمستوى الاتحادي لا للحكومات المحلية.
وطبقا لما قاله الشيخ فإن المجلس الاستشاري بدأ بثلاثة أعضاء ومن ثم تم تفعيل دوره بقوة في الآونة الأخيرة وعلى مدى الأسابيع الماضية وبتوجيه من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله تم زيادة عدد أعضاء المجلس بصورة ملموسة وأكد أن المجلس يتحرى الوضوح والشفافية في بحث ودراسة أوضاع القطاعات الاقتصادية في الدولة وخاصة القطاع العقاري، وأضاف الشيخ أن المشاريع الاقتصادية التي بدأت ستتم وتنجز واصفاً المسألة بالالتزام.
وتحدث الشيخ عن المشاريع الجديدة قائلا إن الأمر يخضع بالدرجة الأولى لتقدير شركات التطوير العقاري ذاتها وتحدث الشيخ عن تأثير الأزمة على دول مجلس التعاون الخليجي قائلا إن حجمها سيتفاوت تبعا للتباين في الوضع الاقتصادي لكل دولة..
فالسعودية على سبيل المثال أكثر اعتمادا على النفط اقتصاديا أما في الإمارات فالوضع مختلف إذ تبنت دبي سياسات توسعة قاعدة الموارد الاقتصادية وهي تعتمد بدرجة أكبر على التجارة والخدمات، وتوقع الشيخ أن تتباين أيضا حركة التعافي وأبدى الشيخ تفاؤلا كبيرا بالتعاون العالمي في مواجهة التحديات مؤكدا فاعلية الخطوات التي أقرتها حكومة الدولة بضخ السيولة ودعم الودائع.
الصناديق السيادية
تناول الشيخ خلال الجلسة دور الصناديق السيادية قائلا إن الأوضاع اليوم قد تبدلت بشكل جذري على حد تعبيره فالصفقات التي كانت قد واجهت معارضة فيما مضى في الولايات المتحدة الأميركية تلقى اليوم الترحيب الحار. مضيفا أنه من الأهمية اليوم بمكان أن تكون اللعبة عادلة موضحا أن الصناديق السيادية اليوم عليها ألا تعطي السيولة ما لم يكن لها تأثير في صناعة القرار على مستوى إدارة الشركات التي تستثمر فيها أموالها.
وتحدث الشيخ عن تبدل للأولويات في ظل الواقع الاقتصادي الجديد للعالم وأضاف كان من الطبيعي أن تركز الإمارات في البداية على الداخل لتأمين استقرار الأسس الاقتصادية المحلية ومن ثم عليها أن تتطلع إلى كل من يحتاج الدعم والمشاركة على الساحة العالمية.
وأوضح الشيخ بأنه لا أحد بإمكانه التكهن بتوقيت حدوث التعافي الاقتصادي معلقا بالقول هذه ليست نهاية العالم فقد توقع البعض أن ينتهي العالم خلال أزمة الثلاثينات إلا أن تلك التوقعات خابت وعاد الاقتصاد للتعافي وبقوة مقارنة بما قبل الأزمة.
وقال الشيخ إن العالم لم ير الأسوأ بعد « فيما يتعلق بالأزمة» داعيا إلى التمتع بذاكرة أقوى وأطول في مواجهة الأزمة المالية العالمية الراهنة كما دعا إلى ضرورة اتخاذ العظة والعبرة من الأزمة الراهنة.
قطاع الاتصالات
تناول سعد البراك العضو المنتدب ونائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة زين أهمية التركيز على الاقتصاد الحقيقي قائلا إن البنوك ينبغي لها أن ترى السيولة في القطاعات الاقتصادية الحقيقية مثل قطاع الاتصالات والذي يمثل فرصة حقيقية للاستثمار الآمن بدلا من التركيز أسواق المشتقات. وأضاف بأن البنوك ستتجه للنظر إلى قطاع الاتصالات بصورة مختلفة عن السابق وباهتمام أكبر خلال المرحلة المقبلة.
قائلا بأنه لا يرى ما يدعو للقلق بشأن مستقبل قطاع الاتصالات فهو على حد قول البراك قطاع حيوي وعلى درجة كبرى من الأهمية وخاصة أن الأفراد عادة ما يميلون إلى التواصل في أوقات المحن والأزمات. وأكد البراك أنه يرى آفاق نمو قطاع الاتصالات قويا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وشرح البراك رؤيته الخاصة بشأن صناديق الثروات السيادية قائلا إن الاقتصاد بأسره لا يتجاوز 7 % من اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية كما أنه ليس بالضخم مقابل سوق الرهونات العقارية الأميركي الذي وصل 10 تريليونات دولار وقال إن أهمية المنطقة الحقيقية تتركز في النفط وتأثيره على اقتصاد العالم. ودعا البراك إلى ضرورة وجود إستراتيجيات عمل واضحة لكل دولة يتم متابعتها وتنفيذ توصياتها بفعالية.
أما باسم عوض الله الرئيس السابق للديوان الملكي الأردني فيرى أن الأزمة المالية العالمية الراهنة تضع أمام دول المجلس فرصة مهمة في إعادة تشكيل الهيكل الاقتصادي للعالم، داعيا إلى اغتنام الفرصة والتي وصفها بالهائلة وخاصة في ظل الفوائض الضخمة التي تتمتع بها الدول الخليجية تراكمت على مدى السنين. وأضاف أنه من شأن تلك الفوائض أن تدعم مشاركة الدول الخليجية على الساحة العالمية.
وأضاف عوض الله أن صناديق الثروات السيادية واجهت تحديات كبيرة فيما مضى في ظل تعالي أصوات تطالبها بالشفافية والمصارحة والتنظيم، إلا أن الوضع الآن قد تبدل على حد قول عوض الله داعيا إلى ضرورة أن تستفيد تلك الصناديق من الفرص المتاحة أمامها. قائلا إن المنطقة بات أمامها فرصة أكبر ليسمع صوتها ليس على الصعيد السياسي وإنما على صعيد السياسات الاقتصادية.
ودعا عوض الله إلى ضرورة مشاركة صناديق المنطقة في توفير السيولة لباقي دول المنطقة التي تفتقر إلى الموارد اللازمة لتمويل المشاريع الأساسية، كما دعا دول المنطقة إلى تفعيل مشاركة القطاع الخاص وأن تسعى لخلق محركات نمو جديدة خاصة مع التراجع في حجم العوائد النفطية.
وقال عوض الله مخاطبا الحضور أن أسوأ ما يمكن أن نواجه في المرحلة المقبلة هو التراجع عن ما تم تحقيقه من إنجازات وخاصة فيما يتعلق بتحرير الاقتصاديات والعولمة مؤكدا على أن الدعوات المنادية بالانغلاق الحمائية لن تسهم في حماية الاقتصاديات من تأثير الأزمة العالمية بل على العكس ستفرض المزيد من التحديات.
عارف نقفي الرئيس التنفيذي لمجموعة أبراج كابيتال علق على أهمية الصناديق السيادية بالقول بأنه سواء علينا رغبنا أم أبينا فلن تؤمن البنوك سيولة طويلة سواء كان ذلك لمشاريع البنية التحتية أو غيرها.
ودعا نقفي إلى أن يكون هناك صوت واحد للمنطقة وأن يكون لدينا القدرة على التحكم في إدارة الشركات التي نستثمر فيها أموالنا معلقا «هذا ينطبق أيضا على شركة مثل سيتي بنك» فالعالم اليوم يتغير والقضية باتت قضية عرض وطلب حتى على الأموال لذلك يجب أن لا نستغرب التغيير.
جولد مان ساكس يؤكد أهمية التعاون
رجح بيتر أوبنهاير الشريك والمخطط الإستراتيجي العالمي لدى مجموعة «جولدمان ساكس» أن يبدأ اقتصاد العالم في الاستقرار بحلول 2010 متوقعا أن تبدأ أسواق المال في التعافي قبل ذلك الموعد.
وتطرق بيتر أوبنهاير للحديث عن التدخل الحكومي في تحركات أسواق المال قائلا إنه سواء على صعيد ضخ السيولة أو التنظيم والإشراف، وأشار إلى أهمية هذه المشاركة وخاصة في ظل هيكلة جديدة لقطاعات الأعمال والتغيير اللازم لأنظمة وسياسات أقرت قبل عقود طويلة وأضاف أن أسواق المشتقات تمثل جزءا من إدارة المخاطر من الاقتصاد بشكل عام وأشار إلى أن المشكلة تكمن في سوء التنظيم الأمر الذي ألقى بظلال غامضة على طبيعة وحجم المخاطرة.
وجنح أوبنهاير للحديث عن أهمية التعاون الدولي قائلا بأن العالم يواجه اليوم تحديات استثنائية مما يفرض تنسيقا استثنائيا على المستوى الدولي، كما أكد أن العمل الجماعي والمثابرة والجهد من قبل حكومات العالم من شأنه أن يصب في مساعدة الاقتصاد العالمي على تجاوز الأزمة الراهنة.
الإيقاع المتسارع للأزمة أمر ايجابي
يرى جينز سولستروب المدير التنفيذي لأكسفورد أنالتيكا أن هناك أمرا إيجابيا في الإيقاع المتسارع للأزمة المالية العالمية وهو أن هذا التسارع من شأنه أن يقودنا سريعا إلى نقطة القاع ومن ثم ليبدأ بعد ذلك الاقتصاد العالمي طريقه الصحيح وأعرب سولستروب عن تفاؤله بنتائج قمة مجموعة العشرين حيث يرى أنها تضمنت حملة تدابير مهمة من شأنها أن تساعد الاقتصاد العالمي على التعافي تجاه الأزمة.
وختم بالقول أن إدراك مخاطر الإسراف في الاقتراض بما يفوت إمكانيات السداد يعد أهم الدروس المستفادة من الأزمة، ودعا سولستروب حكومات العالم والمنظمات إلى التركيز على المستقبل وأن تقر معايير الإفصاح والشفافية بشكل أفضل.
