قبل الاسترسال في الحديث لابد لنا أن نتوقف عند القدرات الروسية والقطرية والإيرانية في قطاع الغاز، فنحو 60% من احتياطي العالم من الغاز يوجد في روسيا وإيران وقطر، فيما تمتلك روسيا وحدها أكثر من ربع الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي طبقا لتصريحات جانا بوريسوفنا خبيرة الطاقة الروسية لـ «البيان»، ولدى روسيا أكبر شبكة خطوط لتوزيع الغاز في أوروبا وآسيا، وتطمح في أن تصبح هي المحتكر الأول لنقل الغاز العالمي من مختلف الدول المنتجة له.

وذلك عن طريق شركتها العملاقة «غاز بروم» التي تملك وحدها حتى الآن أكثر من 60% من خطوط أنابيب نقل الغاز والنفط في العالم، ويشكل الغاز أكثر من 30% من صادرات روسيا، وخلال السنوات الست الأخيرة ارتفع إنتاج الغاز في روسيا بما يزيد على 36 مليار متر مكعب، فيما بلغ إنتاج «غازبروم» (بدون الشركات التابعة لها) في عام 2007 ما إجماله 6ر548 مليار متر مكعب من الغاز.في حين أن حوالي 20 بالمئة من إيرادات الميزانية الفدرالية لروسيا تأتي من نشاطات «غازبروم» التي ارتفعت قيمتها السوقية منذ أوائل عام 2000 بما يربو على 46 مرة». «غازبروم» كما وصفه الرئيس الروسي مدفيديف مؤخرا بسفينة علم للاقتصاد الروسي وقوة عالمية تؤخذ حتما بالحسبان أما قطر فتحتل المرتبة الثالثة عالميا من حيث احتياطي الغاز بعد روسيا وإيران.

وتبلغ احتياطات قطر المؤكدة من الغاز 8ر25 تريليون متر مكعب. أما بالنسبة لإيران فيقول الخبير الروسي سيرغي دروجيلوفسكي إن احتياطيات إيران المؤكدة من الغاز تبلغ 28 تريليون متر مكعب أو 18% من احتياطي العالم اليوم. وتصدر إيران فقط 1% من إنتاجها من الغاز إلى الخارج الآن مع العلم أن إيران تعيد 40% من الغاز المستخرج في أراضيها إلى باطن الأرض ثانية بقصد المحافظة على الضغط المطلوب في طبقات النفط.

تكتل

استضافة العاصمة القطرية للاجتماع الأول لـ «لجنة الغاز الثلاثية» التي تضم كلا من قطر وروسيا وإيران منذ أيام قلائل وقد تم بحث فرص تنفيذ مشاريع مشتركة خاصة بإنتاج الغاز الطبيعي وتسويقه بين الدول الثلاث، اجتماعات لجنة الغاز الثلاثية يثير دوما قلق وأعصاب المفوضية الأوروبية من مخاوف احتمالات تأسيس تكتل للغاز، فيما تستعد المفوضية الأوروبية لتقديم تقرير جديد عن تأمين إمدادات الطاقة لبلدان الاتحاد الأوروبي يطالب بتقليل اعتماد بلدان الاتحاد الأوروبي على امتدادات الغاز الآتية من مصدر واحد هو روسيا ممثلة بشركة «غازبروم».

وسيدعو إلى ضرورة أن تتعدد مسارات وصول الغاز إلى أوروبا وضرورة الإسراع بشق «الطريق الجنوبي» لنقل الغاز من تركمانيا وأذربيجان إلى أوروبا دون المرور في الأراضي الروسية، هذا القلق لم يتلاشى بالرغم من النفي القطري والروسي لتلك التكهنات.

وبالرغم من كشف ممثل المفوضية الأوروبية في موسكو، مارك فرانكو، في 10 نوفمبر الماضي عن اتجاه الاتحاد الأوروبي لتخفيف لهجتها حيال الخطوات التي تقوم بها روسيا وقطر وإيران لتأسيس تكتل للغاز، قائلا إن الاتحاد الأوروبي لن يرد على ما تتخذه هذه الدول من إجراءات إلا إذا رأى أنها تترك أثرها السلبي على الأمن الاقتصادي للبلدان المستهلكة.

وبالرغم من إعلان رئيس مجلس إدارة «غازبروم» الكسي ميلير مؤخرا أن أسعار الغاز الروسي الذي يصدر للمستهلكين في أوروبا، ستخفض اعتباراً من بداية عام 2009 إلا أن الإعلان الروسي يبدو أنه غير كاف لطمأنة المخاوف الأوروبية وربما يعاني الطرفان من أزمة ثقة كتلك التي ولدتها أزمة المال العالمية الراهنة. قلق المفوضية الأوروبية لم يصل بعد لشركات الغاز الأوروبية الكبرى فهي ترى أن علاقاتها بمصدري الغاز حصنتها عقود طويلة الأجل.

فكرة قديمة

ويقول إيغور تومبيرغ، الخبير الرئيسي في مركز دراسات الطاقة لدى معهد الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية أن فكرة إقامة منظمة مشتركة مع روسيا للتعاون في مجال الغاز على غرار منظمة «أوبك» ليست بالجديدة فقد طرحها آية الله على خامنئي خلال اجتماع له مع سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي إيغور إيفانوف العام الماضي.

وكان محمود أحمدي نجاد الرئيس الإيراني قد تقدم بفكرة مماثلة أثناء لقاءه مع الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين في يونيو من عام 2006 في شنغهاي، الفكرة ذاتها طرحت على بساط البحث أثناء زيارة وزير الصناعة والطاقة الروسي فيكتور خريستينكو للجزائر. بل وقد تم رسم الحدود الجغرافية التقريبية للمنظمة المحتملة التي يمكن أن تشمل أيضا دولة قطر إلى جانب إيران وروسيا.

وسيسيطر هذا التكتل الافتراضي على نصيب هائل من المخزون العالمي، بحيث تنتج هذه البلدان الأربعة أكثر من 30 بالمائة من مجموع الغاز المستخرج في العالم حاليا. مع العلم بأن مخزونها المؤكد من الغاز يزيد على 60 بالمئة من الاحتياطي العالمي. وهي نسبة قريبة من نصيب أوبك من احتياطي النفط العالمي والبالغ 68 بالمئة تقريبا. وبالإضافة إلى ذلك يمكن توسيع دائرة المشتركين المحتملين في هذه المنظمة.

وفي 2006 نشرت صحيفة «الفاينانشال تايمز» البريطانية مقتطفات من التقرير التحليلي السري الذي أعده الخبراء الاقتصاديون في الناتو. ويعزي هذا التقرير إلى ما يسميه بـ «أوبك الغازية» والذي تضم كلا من الجزائر وقطر وليبيا وروسيا وبلدان آسيا الوسطى وإيران.

ويمكن إن يضاف إلى هذه القائمة موريتانيا ومالي وبعض بلدان إفريقيا الوسطى. وعلى أي حال أعارت شركة «غازبروم» الروسية اهتماما كبيرا إلى هذه البلدان أثناء زيارة خريستينكو للجزائر. ومؤخرا تعالت النداءات إلى تأسيس «أوبك الغازية» بصوت أعلى من ذي قبل. ويرجع السبب الرئيسي لهذه الظاهرة إلى التذمر المتزايد من سياسة الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة.

وتستهدف إستراتيجية الاتحاد الأوروبي الحالية التي تمثل مصالح البلدان المستهلكة للغاز تفتيت صف منتجيه، أو بعبارة أخرى إيجاد الظروف التي تمكن المستهلكين من إملاء الأسعار على الموردين.

ومن البديهي أن إنشاء التكتل مع إيران والجزائر سيكون تحديا صريحا للغرب من قبل روسيا وليس في مجال الطاقة وحده. ومع ذلك فإن تحقيق مثل هذا التحالف في المستقبل أمر ممكن تماما فمؤخرا توقعت شركة الخدمات الاستشارية «برايس ووتر هاوز كوبيرز» PwC أن تنشأ منظمة دولية تجمع مصدري الغاز الطبيعي بغض النظر عما يقوله السياسيون ورؤساء شركات الغاز.

وفي رأي خبراء الشركة فإن نمو الصادرات من الغاز المسال الذي سترتفع حصته في سوق الغاز الطبيعي العالمية التي ستسيطر عليها خمس دول ـ روسيا وقطر والجزائر وماليزيا واندونيسيا ـ إلى حوالي 38% بحلول عام 2020 هو الذي سيدفع إلى إنشاء «أوبك الغاز».

تنسيق

وكان ضخ الغاز الطبيعي إلى المستهلكين عبر خطوط الأنابيب عقبة رئيسية على طريق التنسيق بين منتجي الغاز بخصوص تحديد أسعار الغاز حتى الآن لأن المنتج لا يستطيع تسويق إنتاجه بعيدا عن مسار خط الأنابيب الذي يربطه بمستهلك محدد.

أما في حال تحويل الغاز الطبيعي إلى سوائل فإنه بإمكان المنتج نقل إنتاجه إلى أي جهة بمشيئته بطريق البحر. وبالتالي فإن نمو سوق الغاز المسال قد يجعل الاتفاق بين منتج الغاز والمستهلك على الأسعار في خبر كان، فيما يمكن للمنتجين ومن ضمنهم روسيا أن يتفقوا على أسعار بيع الغاز إلى المستهلكين.

وبالنسبة لروسيا يرجح بعض الخبراء أن تكون لاعبا ضعيفا في سوق الغاز المسال، فوفقا لتقدير أولي فإن كلفة تحويل الغاز المستخرج من باطن الأرض في شمال روسيا إلى سوائل تبلغ نحو 84 دولارا لألف متر مكعب في حين قد يكون هذا المبلغ كافيا لمنتجي الغاز الآخرين لنقل الغاز المسال إلى أميركا الشمالية وإعادته إلى حالته الطبيعية هناك. ومن هنا فإن أوروبا ستبقى أهم شارٍ للغاز الطبيعي الروسي ويتم التعامل بين مصدّر الغاز الروسي «غاز بروم» والمستهلكين الأوروبيين على أساس عقود طويلة الأجل.

وجدير بالذكر أن رئيس شركة الغاز الروسية الرئيسية «غاز بروم» ألكسي ميلر أبلغ مؤتمرا دوليا عقد في أمستردام في الصيف الماضي أن العقود الطويلة المدى لتوريد الغاز عبر خطوط الأنابيب كانت وستظل تلعب الدور الرئيسي في سوق الغاز. وأشار إلى أن خصوصية سوق الغاز هي أن الغاز لا يستخرج من باطن الأرض إلا بعد أن يتم إيجاد من سيشتريه.

مهام «أوبك للغاز» سيتصدر سلم أولوياتها إذا ما شكلت طبقا للخبراء مواجهة تكتل المستهلكين الذين يريدون شراء الغاز بأسعار الجملة من دون السماح للمصدرين بدخول سوق أوروبا لتجارة المفرق لكي يقبض الوسطاء الأوروبيون لا منتجو الغاز على الجزء الأكبر من الفوارق بين أسعار المفرق وأسعار الجملة. والأمر المفهوم أن أوروبا تنظر إلى «أوبك للغاز» كوسيلة سياسية تمكن البلدان المنتجة للغاز من فرض إرادتها على البلدان المستهلكة.

الاستهلاك الأوروبي

وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع الاستهلاك الأوروبي للغاز إلى 700 مليار متر مكعب من الغاز في السنة بحلول عام 2030. ويستورد الاتحاد الأوروبي 40% من احتياجاته الحالية من الغاز الطبيعي من الخارج. ويشكل الغاز الروسي أكثر من 32% من إجمالي الواردات الأوروبية من الغاز.

وتجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن لروسيا أن تجد لها مصلحة في رفع أسعار الغاز لأن المستهلكين الروس يشترون 70 بالمئة من إنتاج روسيا من الغاز الآن. وهنا يكمن الفارق الأساسي بين منظمة البلدان المصدرة للنفط وأي منظمة مستقبليه للبلدان المصدرة للغاز، فأعضاء «أوبك» الأساسيون يستهلكون فقط نزرا يسيرا من إنتاجهم من النفط.

ويرى معارضو انضمام روسيا إلى منظمة «الغاز» إلى أن روسيا سوف تضطر إلى تخفيض صادراتها من الغاز إلى بلدان الاتحاد الأوروبي إذا أصبحت عضوا في المنظمة الخاصة بالبلدان المصدرة للغاز، أي أن ذلك سيؤدي إلى انخفاض في إيراداتها التصديرية.

ومن جانبهم يقول مناصرو انضمام روسيا إلى تكتل للغاز إن الاتحاد الأوروبي أصبح تكتلا يضم مشتري الغاز الروسي وهو ما يتطلب تنسيقا بين روسيا وغيرها من البلدان المصدرة للغاز. أما بنسبة لجيران روسيا الجنوبيين فإن أنصار «أوبك للغاز» يرون أن من مصلحة روسيا إيجاد قواسم اقتصادية مشتركة مع جيران من هذا النوع بالدخول في تعاون اقتصادي معهم بهذه الصورة أو بأخرى بعيدا عن المجال السياسي.

2007

أول من طرح فكرة إنشاء منظمة دولية للتعاون في ميدان الغاز المرشد الأعلى لإيران آية الله علي خامنئي في لقاء مع سكرتير مجلس الأمن الروسي ايغور ايفانوف في طهران في التاسع والعشرين من شهر يناير 2007 فروسيا وإيران تمتلكان نصف احتياطي الغاز الطبيعي العالمي.

%18

احتياطات ايران من الغاز تبلغ 28 تريليون متر مكعب ما يوازي 18%

من الاحتياطي العالمي وتصدر 1% وتعيد 40% من الكميات المستخرجة

إلى باطن الأرض للمحافظة على الضغط في طبقات النفطا

لغاز سيتفوق على النفط بحلول 2025

أظهر تقرير لشركة «شل» النفطية أن منطقة الشرق الأوسط تحتضن أكثر من 60% من احتياطات النفط العالمية و40% من احتياطات الغاز العالمية وتحتل المنطقة موقعاً إستراتيجياً في وسط الطريق بين أسواق الغاز الرئيسية في حوض الأطلنطي وآسيا الباسيفيك.

وأوضح تقرير شل أنه المتوقع أن يعادل الطلب على الغاز من منطقة الشرق الأوسط الطلب على الغاز من أوروبا بحلول عام 2015، ويعتبر الغاز مصدر طاقة أنظف من النفط، كما أنه أكثر وفرة وغزارة من النفط، ويقول التقرير أنه طبقاً للميول والتوجهات الحالية يمكن الحكم بأن الغاز سوف يتفوق على النفط من حيث الأهمية كمصدر للطاقة العالمية بحلول عام 2025.

قطر لاعب رئيسي في قطاع الطاقة

تتصدر قطر الدول العربية من حيث حجم احتياطات الغاز الطبيعي، وتمتلك ثالث أكبر مخزون عالمي من الغاز، كما تمتلك أيضا اكبر حقل غاز غير مصاحب في العالم.

وخلال السنوات الخمسة عشر الأخيرة، دخلت قطر في العديد من الشراكات والمشروعات المشتركة والإنتاج المشترك من خلال اتفاقيات في قطاع النفط والغاز، وبالرغم من بدايتها المعتدلة كدولة صغيرة منتجة للنفط، فإن قطر الآن تعتبر لاعبا رئيسيا في قطاع الطاقة على مستوى العالم.وبدأت قطر في إنتاج الغاز الطبيعي المسال في عام 1997 فيما تنتج قطر حالياً نحو 20 مليون طن من الغاز المسال في السنة، ومن المتوقع أن يصل الإنتاج إلى 77 مليون طن بحلول عام .