الشركات العاملة بدول مجلس التعاون الخليجي أصبحت أكثر إدراكاً لضرورة امتلاك قدرات داخلية في مجال الأبحاث والتطوير لضمان ميزة تنافسية في المستقبل، غير أن هذه الشركات لم تتمكن حتى الآن من ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس.

ويرى ربيع أبو شقرا الشريك في «بوز آند كومباني» أن هذه الشركات لا تزال في مرحلة مبكرة من تطوير قدرات الأبحاث والتطوير وأن القليل منها بدأ في ضخ الأموال نحو أنشطة الأبحاث والتطوير. وأشار إلى أن أياً من الشركات الإقليمية أو المحلية لم تفلح في الوصول إلى قائمة الشركات الألف للابتكار العالمي لاستثناء شركة واحدة فقط وهي شركة سءة والتي استثمرت 4 .0% من مبيعاتها لعام 2007 في أنشطة الأبحاث والتطوير، وهى نسبة أقل بكثير من متوسط نسبة 7 .3% من المبيعات والتي أنفقتها الشركات في قائمة الشركات الألف للابتكار العالمي في نفس العام. وقال إن الأزمة المالية العالمية الحالية ستؤثر في حجم الإنفاق على الأبحاث والتطوير، وكذلك على إمكانية تمويل تطوير المنتج، موضحاً أن الشركات ستتمكن من إيجاد طريقة لمواصلة الإنفاق على الأبحاث والتطوير لرفع مستوى تميزها عن الشركات الأخرى وتحقيق ميزة تنافسية أكثر قوة.

وأوضح أن دراسة بوز أند كومباني خلصت إلى أنّ أكثر الشركات إنفاقاً على البحوث والتطوير قد عزّزت استثماراتها في هذا المجال بمعدل حوالي نصف تريليون دولار أميركي في العام الماضي.

إذ تنفق الشركات الأميركية على البحوث والتطوير خارج الولايات المتحدة أكثر ممّا تنفق فيها، وأن 40% من الإنفاق الإجمالي على البحوث والتطوير في الولايات المتحدة تنفقه شركات أجنبية بسبب تسابق الشركات للحصول على المواهب وعولمة الأسواق الجديدة لتخفيف كلفة اليد العاملة.

وقد أظهر التحليل السنوي الرابع لبوز أند كومباني الذي تناول أكبر ألف شركة عالمية منفقة على البحوث والتطوير، أن هذه الشركات لا تزال تستثمر بشكل ملحوظ في مجال البحوث والتطوير، حيث أنفقت 492 مليار دولار في 2007، بارتفاع نسبته 10% مقارنة بالعام الماضي، وارتفاع ملحوظ عن معدل النمو التراكمي منذ العام 1999 والذي يبلغ 7 .6%.

أكبر 10 شركات منفقة على البحوث والتطوير في العام 2007 هي بالترتيب من أكبرها إلى أصغرها هي: تويوتا، جنرال موتورز، بفيزرز، نوكيا، جونسون آند جونسون، فورد، ميكروسوفت، روش هولدينغ، سامسونغ للالكترونيات، غلاكسو سميثكلين.

وارتفع معدل الإنفاق على البحوث والتطوير في 8 من أصل 10 قطاعات صناعية تمت مراقبتها، مع انخفاض في معدلات النمو في قطاع الصحة والاستهلاك لهذا العام. حققت صناعة البرمجيات والإنترنت أعلى مستويات في الإنفاق على البحوث والتطوير كنسبة مبيعات (6 .13%) وتلتها الرعاية الصحية (3 .13%)، والكمبيوتر والالكترونيات (0 .7%). وسجل قطاع المواد الكيميائية والطاقة أدنى مستويات إنفاق على البحوث والتطوير، بتسجيله 1% فقط.

وقد قامت غالبية هذه الشركات (91%) بنشاطات متعددة في مجال البحوث والتطوير في عدّة بلدان خارج الدول التي تضمّ مراكزها الرئيسية.

وقالت الدراسة إن شركة عالمية متعددة الجنسية ومتوسطّة الحجم تنفق 45% من إجمالي أموالها المُنفقة على البحوث والتطوير في بلدها الأم، فيما تُستثمر غالبية هذه الأموال في بلدان أخرى بهدف الاستفادة من مهارات البحوث والتطوير المتخصصة، ومن القرب من الأسواق جديدة والمقاربات المحلية.

وعلى غرار السنوات الماضية، لم تثبت أيّ إحصاءات أنّ زيادة الإنفاق على البحوث والتطوير من شأنها أن تضمن نتائج أفضل.

ولكن ثبت أنّ الشركات التي استثمرت أكثر من 60% من أموالها المخصّصة للبحوث والتطوير خارج بلدانها الأم خلال السنوات الثلاث الماضية، سجّلت أداءً أفضل من حيث إجمالي عائدات المساهمين، والهامش التشغيلي، ونمو حصتها في السوق، والعائدات على الأصول.

كما حققت الشركات التي تستثمر في موارد البحوث والتطوير خارج حدود بلدها الأم، بمعدلات أكثر ارتفاعاً من معدل مبيعاتها في الخارج، نمواً في السوق طوال السنوات الثلاث الأخيرة بزيادة 50% عن مستويات النمو الذي سجلته الشركات التي استثمرت بمعدلات أدنى.

والجديد في دراسة هذا العام هو التحليل المعمق للتوزيع الجغرافي لأموال البحوث والتطوير ل184 شركة من بين الشركات الابتكارية الألف الأولى، ما يمثل 351 مليار دولار من نفقات البحوث والتطوير في العام 2007، وهو مبلغ يناهز 71% من إجمالي الشركات الابتكارية الألف الأولى و57% من إجمالي الإنفاق على البحوث والتطوير في القطاع الخاص، وقد شملت هذه العينة نشاطات البحوث والتطوير التي قامت بها هذه الشركات في أكثر من 3400 منشأة بحوث وهندسة في حوالي 47 بلداً.

استنتاجات

يتدفق الاستثمار في الابتكار والأبحاث العديد من الدول يتدفق في كلا الاتجاهين، فقد أظهر تحليل مجموعة الشركات ال184 أنّه على الرغم من أنّ الشركات القائمة في الولايات المتحدة تنفق 1 .80 مليار دولار على البحوث والتطوير في بلدان أخرى، إلاّ أنّ شركات قائمة في بلدان أخرى أنفقت 6 .42 مليارات دولار على البحوث والتطوير في الولايات المتحدة.

بتعبير آخر، فإن 40% من الأموال التي تنفق على البحوث والتطوير في الولايات المتحدة يتم إنفاقها من قبل شركات قائمة في بلدان أخرى. ومن بين الدول الأخرى التي تشهد حركة استثمار باتجاهين في مجال البحوث والتطوير: ألمانيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، واليابان.

تلقت الولايات المتحدة الأميركية أعلى نسبة مبالغ مخصصة للبحوث والتطوير من شركات أجنبية في مجال تطوير المنتجات. ومع ذلك، فقد احتلّت كلّ من الصين والهند المرتبة الأولى بين «مستوردي» الإنفاق على البحوث والتطوير، بتلقّيهما 7 .24 و9 .12 مليار دولار من الشركات ال184 المعنية بالتحليل.

فيما أنفق هذان البلدان على البحوث والتطوير خارج حدودهما أقلّ من المبالغ المذكورة. ومن بين المتلقّين الأوائل لنفقات الشركات الأجنبية على البحوث والتطوير: كندا، وإسرائيل، والمملكة المتحدة.

إنّ الحصول على اليد العاملة المنخفضة الكلفة لم يعد سبباًّ رئيسياً لنقل البحوث والتطوير إلى خارج البلد الأم. فإنّ المعدلات المنخفضة لتكلفة القوى العاملة في قطاع الهندسة تفسّر فقط ثلث حالات الانتقال إلى منشآت للبحوث والتطوير في الخارج، مع ارتفاع تكاليف اليد العاملة في العديد من الدول.

حيث كانت هذه التكلفة متدنية عادة. وبحسب التحليل، لا يزال هناك بعض الأموال التي يمكن ادّخارها عبر الحصول على تكلفة أكثر انخفاضاً لليد العاملة ـ الشركات التي استثمرت أكثر من 10% من أموالها في الدول، حيث التكلفة متدنية مثل الصين والهند قد حصلت على نتائج أفضل بنسبة 25% على مستوى نمو المبيعات خلال ثلاث سنوات، وبنسبة 67% على مستوى نمو السوق خلال ثلاث سنوات.

ويقول أبو شقرا: «لم تعد الشركات التي تبحث عن الاستثمار في الخارج تركّز فقط على تخفيض تكلفة اليد العاملة. فالشركات العالمية تحتاج أكثر فأكثر إلى الحصول على خدمات مهندسين وعلماء موهوبين من كل أرجاء العالم، والمقارنات المحلية لتطوير منتجات جديدة بصورة أفضل».

ويضيف: «هم في طور تصميم نطاق تواجد دولي للبحوث والتطوير يشمل الأسواق النامية، والمهارات الأساسية، وتوفير التكاليف. هذه العناصر هي الركائز الأساسية لتحقيق أداء مربح».

وبنسبة 40% خلال ثلاث سنوات نسبة إلى نمو حصتها في السوق. ويعلّق أبو شقرا: «من شأن النطاق المركَّز للبحوث والتطوير أن يؤدي إلى تحسين التنسيق بين المواقع، ويركّز مهارات الشركة على محاور البحوث والتطوير المستفيدة من وفورات الحجم.

أمّا الشركات التي تتمتع باستراتيجيات محاور بحوث وتطوير مشتتة، فإنها تعاني من «مشكلات تنفيذية». وأظهرت هذه الدراسة أنّ حوالي نصف الشركات التي شتتت موارد البحوث والتطوير عالمياً لم تحقق الفوائد المتوقعة.

ولا تزال الشركات القائمة في الهند والصين صغيرة نسبيّاً في مجال البحوث والتطوير ولكنها تنمو بسرعة. وعلى الرغم من كون هذه الشركات صغيرة الحجم في مجال البحوث والتطوير على الصعيد العالمي، حيث تشارك بنسبة 1% فقط من إجمالي نفقات الشركات الابتكارية الألف الأولى، غير أنّها زادت نفقاتها على البحوث والتطوير بنسبة 22%، متخطية إجمالي معدل النمو السنوي العالمي التراكمي بنسبة 6 .5%. كما زادت أوروبا نفقاتها بنسبة 12%، فرفعت حصّتها في الإنفاق على البحوث والتطوير إلى 31%.

وسجلت أميركا الشمالية معدل نمو أكثر انخفاضاً بإنفاقها نسبة 9%، لكنها ما زالت تحافظ على أكبر حصّة في الإنفاق على البحوث والتطوير بين الشركات الابتكارية الألف الأولى بنسبة تعادل 42%.

وشكّلت نفقات جميع الشركات المتمركزة في أميركا الشمالية، وأوروبا، واليابان 95% من إنفاق الشركات الابتكارية الألف الأولى، وهي نسبة لم تتغير منذ العام الماضي. وتركّز ثلثي النفقات على البحوث والتطوير في العام 2007 على ثلاثة قطاعات صناعية: الكمبيوتر والإلكترونيات (29%)، الصحة (22%)، والسيارات (16%). ويعكس عمل هذه القطاعات في مجال البحوث والتطوير تحديات مختلفة في ما يتعلّق بالإدارة والمنافسة.

وفي قطاع الكمبيوتر والالكترونيات، يحرّك عامل الحصول على خدمات اليد العاملة الموهوبة النشاط العالمي للبحوث والتطوير، حيث يمكن استخدام نسبة مهمة من البحوث في منتجات للبيع في أيّ سوق كان. يتأتي 70% من نفقات القطاع على البحوث والتطوير من شركات قائمة في دولتين فقط ـ الولايات المتحدة الأميركية واليابان ـ غير أنّ 40% فقط من هذه النفقات تُصرَف هناك. أمّا الباقي فيتوزّع على أكثر من 20 دولة مختلفة.

وفي القطاع الصحي، يتمّ تخصيص حوالي 30% من نفقات البحوث والتطوير للأبحاث، و70% لتطوير المنتجات، كما يتمّ إنفاق ثلثي أموال تطوير المنتجات في أسواق ناشئة بهدف توظيف مشاركين في التجارب السريرية بطريقة غير مكلفة. أمّا نشاط البحوث فقد سجّل بعض التراجع من حيث التواجد في الأسواق الناشئة. ففي العام 2007، تمّ تخصيص حوالي 95% من نشاطات البحوث والتطوير لاكتشاف الأدوية في الولايات المتحدة، وأوروبا، واليابان.

فيما تركّز 83% من الإنفاق على البحوث والتطوير في صناعة السيارات في ثلاثة بلدان ـ الولايات المتحدة الأميركية، ألمانيا، واليابان ـ فإنّ 60% فقط من هذه النفقات قد صُرف في هذه الدول. وبحسب أبو شقرا، «إنّ الرغبة في تحديد الجهود التصميمية في أسواق صناعة السيارات الناشئة والنامية بشكلٍ سريع مثل الصين وأوروبا الشرقية، تحرّك تنوّع البحوث والتطوير في هذه الصناعة».

%13.6

ارتفع معدل الإنفاق على البحوث والتطوير في 8 من أصل 10 قطاعات صناعية مع انخفاض في معدلات النمو في قطاع الصحة والاستهلاك لهذا العام. وحققت صناعة البرمجيات والانترنت أعلى مستويات في الإنفاق على البحوث والتطوير كنسبة مبيعات 13.6% وتلتها الرعاية الصحية 3 .13% والالكترونيات 0 .7%.

ارتفاع مبيعات الشركات الابتكارية الألف الأولى

تراوح الإنفاق على البحوث والتطوير بين الشركات الابتكارية الأولى الألف بين 4 .8 مليارات دولار أنفقته الشركة الأولى شُ؟ُُّف و4 .53 مليون دولار أنفقته الشركة صاحبة الترتيب الألف Dongbu Hiteck Co Ltd. (الكورية)، وهذا النطاق الواسع يفسر لماذا تشكّل الشركات المئة الأولى 63% من إجمالي نفقات الشركات الابتكارية الألف الأولى على البحوث والتطوير.

وازدادت مبيعات الشركات الابتكارية الألف الأولى بنسبة 12% زيادة وقد وصلت إلى 2 .13 تريليون دولار في العام 2007، أي أسرع بنقطتين مئويتين من النفقات على البحوث والتطوير في العام 2007، ولكن هذا يمثّل بحدّ ذاته انخفاضاً في نفقات البحوث والتطوير كنسبة مبيعات.

الهند والصين إلى الأمام

لا تزال الشركات القائمة في الهند والصين صغيرة نسبيّاً في مجال البحوث والتطوير ولكنها تنمو بسرعة. وعلى الرغم من كون هذه الشركات صغيرة الحجم في مجال البحوث والتطوير على الصعيد العالمي، حيث تشارك بنسبة 1% فقط من إجمالي نفقات الشركات الابتكارية الألف الأولى، غير أنّها زادت نفقاتها على البحوث والتطوير بنسبة 22%، متخطية إجمالي معدل النمو السنوي العالمي التراكمي بنسبة 6 .5%. كما زادت أوروبا نفقاتها بنسبة 12%، فرفعت حصّتها في الإنفاق على البحوث والتطوير إلى 31%. وسجلت أميركا الشمالية معدل نمو أكثر انخفاضاً بإنفاقها نسبة 9%، لكنها ما زالت تحافظ على أكبر حصّة في الإنفاق على البحوث.

شركاتنا ومسيرة الإبداع والوعي

ليس مفاجئاً أن تكون أكبر 10 شركات منفقة على البحوث والتطوير في 2007 هي بالترتيب: تويوتا وجنرال موتورز وفايزر ونوكيا وجونسون آند جونسون وفورد وميكروسوفت وروش هولدينغ وسامسونغ للالكترونيات وغلاكسو سميثكلين، بإجمالي 492 مليار دولار أنفقت في 2007 بارتفاع نسبته 10% مقارنة بالعام السابق.

لكن المفاجأة المؤلمة جداً أن تغيب شركاتنا الوطنية والإقليمية عن قائمة أكثر 1000 شركة إنفاقاً في العالم على الأبحاث والتطوير، ما عدا (سابك) السعودية التي استثمرت 4 .0% من مبيعاتها لعام 2007 في أنشطة الأبحاث والتطوير، وهو أيضاً دون المستوى العالمي.

إن الحقيقية الوحيدة التي يمكن استنتاجها أننا لا نزال شعوباً مستهلكة ومهمشة بل غائبة عن الوعي تماماً، ولكن هذه المرة بكامل إرادتنا، إلا أن الحجج دائماً جاهزة في جعبتنا: (لم تثبت أي إحصاءات أن زيادة الإنفاق على البحوث والتطوير من شأنها أن تضمن نتائج أفضل).

صحيح أن الشركات القائمة في الهند والصين صغيرة نسبياً في البحوث والتطوير، إذ تشارك بنسبة 1% فقط من إجمالي نفقات الشركات الابتكارية الألف الأولى، لكنها تنمو بسرعة وزادت نفقاتها على البحوث والتطوير بنسبة 22% متخطية إجمالي معدل النمو السنوي العالمي التراكمي بنسبة 6 .5%.

وتركز ثلثي النفقات على البحوث والتطوير في 2007 على ثلاثة قطاعات صناعية: الكمبيوتر والالكترونيات (29%) والصحة (22%) والسيارات (16%) ويعكس عمل هذه القطاعات في مجال البحوث والتطوير تحديات مختلفة في ما يتعلق بالإدارة والمنافسة.

إن مبلغ 351 مليار دولار من نفقات البحوث والتطوير في 2007 يناهز 71% من إجمالي الشركات الابتكارية الألف الأولى و57% من إجمالي الإنفاق على البحوث والتطوير في القطاع الخاص.

ومن المفيد القول إن 40% من الأموال التي تنفق على البحوث والتطوير في الولايات المتحدة يتم إنفاقها من قبل شركات قائمة في بلدان أخرى، ومن بين الدول التي تشهد حركة استثمار باتجاهين في البحوث: ألمانيا وبريطانيا وفرنسا واليابان.

محمد بيضا

mbayda@albayan.ae