أطلقت عليه صحف اقتصادية عالمية لقب «قيصر الصناديق الاستثمارية». إنه بيتر هالوران، المدير التنفيذي لمجموعة «فاروز المالية»، الذي ظل لسنوات مسؤولا عن ضخ ملايين الدولارات في مشاريع الطاقة والغاز والعقار والسياحة والتجزئة وغيرها في السوق الروسي، وقف أمام «البوابة» في مركز دبي المالي العالمي والتقط صورة تذكارية مع فريقه بمناسبة افتتاح مقر الشركة الجديد في المركز.
وفي الوقت الذي تشير فيه التقارير إلى خروج الرساميل من السوق الروسي، في موازاة تطمينات معاكسة تصدر عن المسؤولين الروس وفي طليعتهم الرئيس السابق فلاديمير بوتين بشأن متانة روسيا في مواجهة الأزمة.. في هذا الوقت لا يزال هالوران متفائلا بمقدرات السوق الروسي، ولكنه مقتنع أن وجوده في دبي، في هذا التوقيت، فرصة لتنويع رقعة استثمارات عملائه وربما جذب عملاء جدد.
ولكن ما مدى جدية التوقعات التي تتحدث عن إمكانية تدفق السيولة العربية خلال الفترة المقبلة إلى الأسواق الروسية بعد هروبها من الأسواق الأميركية والأوروبية المتعثرة؟
يجيب هالوران: «لا يمكننا إلا أن نتوقع مسيرة تباطؤ في السوق الروسي مردها انخفاض أسعار الطاقة، لكن متى ما عادت الأسعار إلى الارتفاع، سيشكل هذا السوق مجددا فرصة مغرية للاستثمارات العربية التي تعي جيدا صناعة النفط والغاز وهي ضالعة فيها».
ويبدو كلام صاحب أحد أكبر الصناديق الاستثمارية الأجنبية في روسيا (الشركة أميركية المنشأ)، منطقيا، حتى لو عارضت التصريحات الروسية هذا الواقع. ولا ننسى تأكيدات الشهر الماضي أنه «تشير الأرقام الأخيرة إلى انه ليس هناك حصيلة صافية لخروج أموال من روسيا خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة.
أن حركتي تدفق الأموال وخروجها متوازنتان»، ردا على تأكيدات تشير إلى أن حجم الأموال التي خرجت من روسيا وصل إلى 33 مليار دولار خلال شهري أغسطس وسبتمبر وحدهما. فرغم تسلحاتها، باحتياطها الكبير من البترودولارات، فإن البورصة الروسية شهدت انهيارات تاريخية في الفترة الأخيرة إذ فقدت أسهمها حوالي 75% من قيمتها منذ مايو الماضي.
وقد أودعت الحكومة الروسية في الفترة الماضية، جزءا كبيرا من أرباحها البترولية في صندوقين للاستقرار، بلغ مجموع أموالهما 190 مليار دولار في مطلع هذا الشهر.
وتفترض الميزانية الروسية أن سعر برميل البترول تقريبا 70 دولارا، وتذهب الأرباح التي تفوق هذا المبلغ إلى هذين الصندوقين المسميين بصندوقي الادخار.
كما نجح الكرملين أيضاً في الأعوام الأخيرة في إحكام السيطرة على العديد من الأنابيب التي تنقل البترول والغاز في المنطقة، وهو إنجاز سيستمر على الرغم من انخفاض الأسعار. وقد بدأ الكرملين في الاستفادة من صندوقي الاستقرار من أجل دعم الصناعة المصرفية والبورصة، التي تكبدت خسائر هائلة بسبب الأزمة المالية العالمية، وهبطت بمقدار يفوق الثلثين منذ مايو الماضي.
وربما تنقذ الحكومة أيضاً العديد من أقطاب الصناعة الروس الذين مروا بمرحلة ازدهار مع ارتفاع أسعار الموارد الطبيعية، ولكنهم يعانون من خسائر فادحة الآن.
ومن الممكن أن تلقى هذه الخطط، مجتمعة مع هبوط أرباح البترول والغاز، صعوبات على الكرملين أن ينفذ خطط تحديث البنية التحتية القديمة للبلاد، من الطرق السريعة إلى المدارس، مع الاستمرار في تعزيز مطامع روسية في الخارج.
في ظل هذا الوضع، يبدو السؤال مشروعا عن حجم الاستثمارات العربية في الأسواق الروسية ووضعها وما إذا كان يغلب عليها طابع «صناديق الملكية الخاصة» أو الصناديق السيادية فيها: «لقد أجرينا محادثات في دبي خلال هذه الفترة وأعرب كثير من المستثمرين العرب عن رغبتهم بضخ أموال في صناديقنا، كما أنه تربطنا شراكات عقارية يتواجد فيها مستثمرون محليون لانجاز مشاريع عقارية في موسكو بقيمة 3 مليارات دولار أميركي».
وفي هذا السياق، يبرز مشروع صندوق الاستثمارات الروسي الإسلامي الذي سبق لسرجي كراسنوغور، القنصل العام لروسيا الاتحادية بدبي، أن تحدث عنه لـ «البيان الاقتصادي» معربا عن إمكانية إنشاء صندوق الاستثمارات الروسي الإسلامي، يزيد من حظوظه أن روسيا مراقب في جامعة الدول العربية وفي منظمة المؤتمر الإسلامي.
عن فائدة هذا الصندوق يقول هالوران: «هذا الصندوق سيكون من شأنه في حال تنفيذ فكرته أن يزيل كافة العوائق والمفاهيم الخاطئة التي تظلل ذهنية المستثمر العربي تجاه السوق الروسي. هكذا صندوق من شأنه أن يريح المستثمر العربي بشكل أفضل».
ويتخوف الخبراء من أن الإجراءات التي قامت بها الحكومة الروسية في الفترة الماضية من أجل ضمان حماية سوقها تحمل في طياتها زيادة سيطرة الدولة على اقتصاد البلاد، الأمر الذي قد لا يكون مريحا بالضرورة بالنسبة إلى «المستثمر الأجنبي»، رغم تأكيد السلطات الرسمية أن هذا التحول سيكون ذا صفة انتقالية.
فقد بدأ مؤخرا تنفيذ خطة مساعدة تقدر قيمتها بنحو 200 مليار دولار وذلك عبر منح قروض ضخمة لعدد من كبار النافذين مثل أوليغ ديريسباسكا أغنى أغنياء روسيا، الذي حصل على مساعدة لمجموعته «روسال» الناشطة في مجال الألمنيوم. وتحاول عشرات الشركات أن تحصل على حصة من الـ 50 مليار دولار التي قررت الحكومة صرفها لمساعدة الشركات التي ترزح تحت الديون في محاولة للحيلولة دون قيام بنوك أجنبية بحجز أصولها.
ووافقت الحكومة أيضاً على سحب ما يصل إلى 10 مليارات يورو من أحد صناديقها السيادية لدعم سوق الأوراق المالية التي طالتها الأزمة إضافة إلى فضائح الشركات والحرب في جورجيا التي سبقتها (بحيث خسرت 67 في المئة منذ بداية العام).
ورفعت الحكومة أيضاً سقف ضمان ودائع الأفراد إلى 700 ألف روبل (20 ألف يورو)، وتتمثل بقية الإجراءات بصورة أساسية في تقديم مساعدات مالية إلى القطاع المصرفي الذي يعيش أزمة سيولة.
وأشار خبراء أن السبب الذي جعل الحكومة تقدم مساعدات إلى الأثرياء فقط متجاهلة المواطنين العاديين، قد يعود إلى مسألة «بالأمن القومي» لأن هناك تخوفا من «سيطرة أياد أجنبية على أصول مجموعات استراتيجية ومنتجين كبار للمواد الأولية».
ومعلوم أن الموازنة الروسية تقوم في حدود 40 في المئة منها على ما تجنيه مبيعات هذه المواد الأولية. ولكن، هل سيتحمس المستثمر العربي فعلا إلى مزيد من الاستثمارات العقارية في السوق الروسي؟ بعض الدراسات الحديثة أشارت إلى أن إيجار المكاتب في موسكو يمكن أن يحقق ارتفاعاً في أسعاره بنسبة 20% خلال 2008.
وكانت دراسة أخرى قد كشفت أن مدينة موسكو يمكن أن تتقدم على باريس ولندن في عوائد الاستثمار في سوق العقارات في نهاية العام. علما ان موسكو كانت تحتل قبل عام المرتبة ال18 بين المدن الأوروبية ال27 التي ترتفع فيها عوائد الاستثمار.
ولكن مهلا، كان ذلك قبل انبلاج «فجر الأزمة» بشهور. يقول هالوران: «لا أتوقع أن تستمر معدلات النمو على هذه الشاكلة، بل على العكس، فأسعار إيجارات المكاتب مرشحة للانخفاض بسبب الأزمة».
دبي ـ إبراهيم توتونجي
