بلغت قيمة الديون المترتبة على الأميركيين خلال السنوات العشر الأخيرة ثمانية تريليونات دولار بزيادة 137 في المئة أي مثلي الزيادة التي طرأت على حجم الاقتصاد. وبلغ الحجم الإجمالي للديون 14 تريليون دولار ليصبح مساويا تقريبا لإجمالي الناتج السنوي للاقتصاد.
وانسدت سبل الاقتراض أمام المستهلكين الأميركيين الذين اعتادوا شراء كل شيء من الوحدات السكنية إلى البقالة بأموال مقترضة وسيكلف سداد الفواتير أكبر اقتصاد في العالم وشركاءه التجاريين ثمنا غاليا. وأصبحت مسألة القروض الاستهلاكية تشكل هاجساً كبيراً لدى صناع السياسات الاقتصادية. وكشف انهيار سوق الإسكان عن مدى اعتماد الأميركيين على ارتفاع قيم العقارات السكنية في تمويل الإنفاق وتعويض مدخراتهم التقليدية التي أنفقوها. فخلال فترة الازدهار العقاري التي استمرت خمس سنوات وانتهت في أواخر عام 2006 نمت ثروات الأسر وزادت مبيعات تجارة التجزئة بسرعة أكبر من نمو الدخل وفي الوقت نفسه تناقصت المدخرات.
لكن مع اتجاه البنوك لتقليص إمكانية الحصول على الرهون العقارية وقروض السيارات وبطاقات الائتمان بدأ المستهلكون يغيرون عاداتهم في الإنفاق بسرعة لا تستطيع الشركات أن تكيف أوضاعها وفقا لها بالسرعة الكافية. فالبنوك التي كانت تقدم لعملائها بطاقات الائتمان بكل ترحاب خلال فترة الرخاء بدأت تتجه لخفض سقوف الائتمان بل وتخصص مليارات الدولارات لتغطية الخسائر بعد أن بدأ عملاؤها يتخلفون عن السداد. وأطلقت شركات السيارات الأميركية التحذيرات من حالة أشبه بانهيار الطلب لان المشترين أصبحوا عاجزين عن الحصول على قروض أو غير راغبين فيها. وتتأهب المتاجر لأسوأ مبيعات في موسم الأعياد منذ 18 عاما على الأقل.
وتشعر ميريديث ويتني المحللة بشركة أوبنهايمر وشركاه والتي كانت بين من نبهوا البنوك في البداية إلى ضرورة زيادة مخصصات تغطية خسائر الرهون العقارية بالقلق من أن يؤدي تقليص حدود الائتمان إلى فرض قيود شديدة على المستهلكين الذي بدأوا يتصرفون بحذر بما يطيل أمد دائرة مفرغة من خسائر البنوك والتراجع الاقتصادي.
وقالت ويتني في قمة رويترز للتمويل العالمي والتي عقدت في نيويورك مؤخرا «إذا فقدت وظيفتك أو مرضت أو حدث أي أمر طارئ فهذا هو سندك الأخير». وأضافت «إذا حدث فجأة أن فقدت هذا الملاذ الأخير أو انه انكمش بدرجة كبيرة وهو ما سوف يحدث فكل شيء حولك يتغير وتصبح أكثر حذرا كمستهلك. ربما تكون على ما يرام تماما في كل ناحية أخرى من نواحي حياتك لكن خفض حدك الائتماني يغير كل توقعاتك».
الأوراق المدعومة
رغم تنامي عبء الدين ضخ المستثمرون من مختلف أنحاء العالم أموالا في الأوراق المالية المدعومة برهون عقارية ومتحصلات بطاقات الائتمان طوال معظم سنوات العقد الحالي الأمر الذي كان عاملا في بقاء تكاليف الاقتراض منخفضة.
وبفضل الائتمان السهل ظل المستهكلون الأميركيون يزيدون إنفاقهم طوال فترة الازدهار العقاري بل وتجاوزوا بكل سهولة نمو الأجور. وفتحت متاجر التجزئة مئات من المتاجر الجديدة لشغل مراكز التسوق الجديدة التي بنيت خصيصا للاستفادة من الطفرة الاقتصادية. وزادت الواردات الأمر الذي أدى إلى ارتفاع احتياطيات الدول المصدرة مثل الصين.
وانكمشت مدخرات الأسر الأميركية لتقترب من الصفر. وبدأ كل ذلك يتغير مع تنامي مخاوف العالم من تقديم المزيد من الائتمان للأميركيين الذين تجاوزوا إمكانياتهم. ومع تزايد حالات التخلف عن السداد تواجه البنوك الآن صعوبة في إيجاد مشترين جدد لأي استثمارات ترتبط باقتراض الأسر الأميركية.
ومن المرجح ألا يتحقق الهدف من قرار وزارة الخزانة الأميركية الأسبوع الماضي باستخدام بعض من صفقة الإنقاذ التي بلغ حجمها 700 مليار دولار لدعم إقراض المستهلكين وذلك إلى أن يثق المستثمرون أن الأميركيين يمثلون مخاطرة ائتمانية معقولة. وهذا يعني تقليص الدين البالغ 14 تريليون دولار. لكن ليس هناك اتفاق في الآراء على الحجم الذي يجب أن تقترضه الأسر الأميركية.
تراجع المدخرات
الشيء الواضح هو أن نسبة ما يدخره الأميركيين من دخلهم تقلصت باطراد خلال الثلاثين عاما الأخيرة من حوالي عشرة في المئة إلى نحو الصفر وأن هذا الاتجاه يتغير. ويعتقد الأميركيون أن معدل الادخار سيرتفع إلى حوالي خمسة في المئة في السنتين القادمتين.
وبناء على الدخل الحالي للأسر فان هذا سيمثل تقليص إنفاق المستهلكين بنحو 500 مليار دولار أو ما يعادل في المتوسط مبيعات التجزئة لنحو ستة أسابيع. وأشد ما يبعث على القلق بشأن الاقتصاد أن هذا التحول يحدث بسرعة كبيرة.
فقد خفضت الأسر إنفاقها كما أن البنوك التي تخشى أن يقبل أصحاب الادخار على سحب ودائعهم تضيق الخناق أكثر فأكثر على الائتمان. وسواء كان الأمر يتعلق بتراجع الطلب على السيارات اليابانية أو الأثاث الصيني أو الملبوسات من أميركا الوسطى فان تباطؤ إنفاق الأميركيين يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي. وقد تعهدت الصين بتطبيق خطة لتحفيز الاقتصاد قيمتها 586 مليار دولار لدعم النمو مع تراجع الصادرات.
كذلك فان أوروبا انزلقت إلى ركود اقتصادي كما أن القوى الاقتصادية الصاعدة التي كانت بمنأى عن الأزمة المصرفية بدأت تعاني من تباطؤ النمو.
مستقبل أسوأ
ربما يكون العام المقبل أسوأ حالا. إذ تتوقع مؤسسة فيتش ريتنجز للتصنيفات الائتمانية خسائر أكبر في بطاقات الائتمان عام 2009 ربما تصل إلى مستويات قياسية.
وتحاول المؤسسات المصدرة لبطاقات الائتمان تقليص الخسائر كلما أمكن. ويقول جوزيف بيوليو محلل قطاع التجزئة لدى شركة مورننجستار في شيكاجو «ترون الكثير من الضربات الوقائية من جانب البنوك». ويضيف «ترون البنوك تخفض سقوف البطاقات الائتمانية وتسهيلات الائتمان للمساكن بصفة عامة.
وترون شركات بطاقات الائتمان تغلق الحسابات غير المستخدمة لانها لا تريد لاحد أن يستخدم الحد الاقصى لبطاقة لم يستخدمها خلال عامين».
ونمت ديون بطاقات الائتمان بمعدل سنوي متواضع بلغ 2 .1 في المئة خلال سبتمبر لتصل الى 4 .971 مليار دولار بانخفاض شديد من نسبة 4 .7 في المئة التي سجلت خلال عام 2007 وذلك وفقا لبيانات مجلس الاحتياطي الاتحادي. وأظهر مسح للمجلس أن البنوك شددت معايير الاقراض في الاشهر الثلاثة الاخيرة.
وقال كيرتس أرنولد أحد المدافعين عن حقوق المستهلك ومؤسس شركة كارد ريتنجز دوت كوم «جرت العادة أنه اذا كنت حيا ترزق وتقدمت بطلب للحصول على بطاقة ائتمان فستحصل على خط ائتمان بقيمة عشرة الاف دولار. تلك الايام ولت منذ زمن. انها دائرة من الصعب الخروج منها. فمع نضوب الائتمان يتباطأ إنفاق المستهلكين الذي يرغم الشركات على التخلي عن أعداد أكبر من العاملين وتتخلف أعداد أكبر من الناس عن سداد التزاماتها».
موقف الوظائف
يتوقف مدى تدهور الوضع على حجم الخسائر في الوظائف مع انزلاق الاقتصاد الأميركي إلى ركود ربما يكون الأعمق منذ منتصف السبعينات.
وإذا ارتفع معدل البطالة نقطتين مئويتين أخريين إلى 5 .8 في المئة مثلما يتوقع عدد كبير من الخبراء الاقتصاديين فهذا سيعني أن ثلاثة ملايين اخرين سيصبحون عاطلين عن العمل وسيواجهون على الأرجح صعوبات في سداد فواتير بطاقات الائتمان والرهون العقارية.
وعانت شركات تجارة التجزئة الكثير بالفعل. وقدمت عدة سلاسل كبرى للمتاجر طلبات لإشهار إفلاسها من بينها شركة سركيوت سيتي ستورز ثاني أكبر شركة لمتاجر الالكترونيات.
كما أن مشروعات بناء المراكز التجارية بسبيلها للانخفاض بنسبة 37 في المئة هذا العام. بل ان الشركات التي يبدو أنها ستنجو من الازمة لم تسلم تماما من تداعياتها. فقد قال براد اندرسون الرئيس التنفيذي لشركة بست باي أكبر منافسي سركيوت سيتي ستورز ان شركته لم تتمكن ببساطة من الاستجابة بالسرعة الكافية للتحولات السريعة في سلوك المستهلكين خلال الشهرين الأخيرين.
استهلاك الطاقة
دفعت الأزمة الأميركيين للاقتصاد في استهلاك الطاقة بشكل كبير وهو الأمر الذي دفع مبيعات السيارات لتسجيل أدنى مستوى لها منذ عقود. وكانت إدارة الطاقة الأميركية قد أعلنت في وقت سابق أن استهلاك الولايات المتحدة من النفط سيتراجع بين 400 و500 ألف برميل يوميا في حال دخول اقتصادها في حالة انكماش. وقال التقرير إن الانكماش يؤثر بشكل مباشر على الطلب الداخلي للمنتجات النفطية.
وأضافت أن هذا الأمر سيتمثل عمليا بانخفاض في استهلاك الذهب الأسود.
وبلغ متوسط استهلاك الأميركيين خلال الفترة الأخيرة 06 .20 مليون برميل من المنتجات النفطية. وتبعاً لذلك فقد انخفض أيضاً الطلب على المحروقات بكافة أنواعها.
ولم تشر الإدارة إلى انعكاسات تراجع محتمل في نمو الطلب على المحروقات على أسعار النفط.
لكن متوسط أسعار الوقود تراجعت بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة مقارنة مع سعرها قبل عام.
مرحلة
تحولات كبيرة
بدا واضحاً أن المجتمع الأميركي يمر بمرحلة تحول كبيرة بسبب التداعيات التي وقعت على اقتصاد بلاده جراء الأزمة المالية الأخيرة. وإضافة إلى الأنماط الاستهلاكية حدثت تحولات ملحوظة في العديد من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.
ويقول الخبراء إن الآثار الكاملة للأزمة لن تظهر إلا بعد مرور عدة سنوات تكون خلالها كافة الأنماط والمعايير الجديدة قد ظهرت بشكل أكثر وضوحاً. ويعكف العديد من الباحثين والخبراء في القطاعين الاقتصادي والاجتماعي على وضع تصورات مستقبلية للشكل الجديد الذي يمكن أن يكون عليه المجتمع الأميركي خلال الفترة المقبل.
وعلى الرغم من الاختلافات الأيديولوجية بين شرائح المجتمع الأميركي إلا أن الواضح هو أن الأزمة الحالية أدت إلى فقدان الثقة في النظام الرأسمالي البحت.


