خرجت القوى الاقتصادية الصاعدة من قمة مالية تاريخية أمس وقد اكتسبت زخما وتشجيعا بفعل دورها الجديد في إصلاح الاقتصاد العالمي.

فقد أذنت قمة واشنطن ببروز أول قمة على الإطلاق لقادة مجموعة العشرين وهي كتلة تجمع بين دول العالم الصناعية الكبرى وبعض الدول صاحبة الاقتصاديات الأعلى نموا ومنها الصين والهند والبرازيل.

وأوضح الإعلان النهائي لمجموعة العشرين أن المجموعة الجديدة الموسعة ستلعب دورا مركزيا في إصلاح النظام المالي العالمي على مدى السنوات القادمة ولم يورد ذكرا لدور للمجموعات الأصغر، مجموعة السبع أو الثماني - في إشارة إلى أن الاقتصاديات البازغة ستحافظ على مقعدها على مائدة صياغة السياسات في المستقبل القريب.

تحدث عدد كبير من القادة عن مولد نظام عالمي جديد يستمد أهمية خاصة من حقيقة انبثاقه عن تجمع في الولايات المتحدة، فمضيف القمة هو الرئيس الأميركي المنتهية ولايته جورج بوش الذي تعرض للانتقادات لأنه لم يمد يده للمجتمع الدولي طوال فترة ولايته تقريبا.

وقال الرئيس البرازيلي لويز اناسيو لولا دا سيلفا بعد القمة «انه ليوم تاريخي. إنني أغادر القمة وأنا على يقين من أن الجغرافيا السياسية للعالم قد صار لها بعدا جديدا».

اتفق زعماء المجموعة السبت على مبادئ لإصلاحات كبرى تتعلق بكيفية مراقبة وتنظيم عمل المؤسسات المالية. وقد تلقى وزراء مالية مجموعة العشرين توجيهات بوضع هذه المبادئ في اطر محددة خلال الشهور المقبلة التي ستعقبها قمة أخرى في ابريل.

ولا ريب أن كثيرا من الدول النامية لديها ما يدعوها للحبور. فالأزمة المالية التي تهدد الاقتصاد العالمي ليست من صنعها. بل من صنع شركات مالية في الدول الغنية تحملت مخاطر لا داعي لها في سوق العقارات

الأميركي.

ويتنبأ صندوق النقد الدولي بحدوث كساد في غالبية الاقتصاديات المتقدمة عام 2009. وقد دلفت منطقة اليورو التي تضم 15 بلدا هذا الأسبوع رسميا إلى حالة ركود ومن المرجح أن تتبعها الولايات المتحدة.

وهذا يعني أن الاقتصاديات البازغة في آسيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية ستكون هي على الأرجح الأعمدة الأساسية للنمو الاقتصادي العام المقبل. فالاقتصاد الصيني على الرغم من تباطؤه قليلا سينمو بنسبة 5,8 في المئة العام القادم بحسب التكهنات. كما أن الاقتصاد الهندي سينمو بنسبة تتراوح بين 7- 5,7 في المئة.

وقال دومنيك ستراوس - كان المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي «قمة اليوم ذات أهمية كبرى تسمدها من قيمة الحضور وثمة نظام اقتصادي عالمي جديد في طور التشكل وهو يتميز بقدر أكبر من الديناميكية والاتساع على نحو غير مسبوق».

بيد انه في حين أن مجموعة العشرين تمثل مجموعة أوسع من المصالح مقارنة بما كان عليه الحال في أزمات سابقة فإن ثمة منظمات للإغاثة تعيب عليها فشلها في التعرف على آراء دول العالم الأكثر فقرا.

وقال جاواين كريبكي من مؤسسة اوكسفام الدولية إن القمة الاقتصادية أنتجت خطة عمل لكن الاتفاق شمل 20 بلدا فقط. ولم يشارك عدد كبير من الدول الأشد فقرا والأكثر عرضة للخطر في تلك القمة على الرغم من أنها ربما ستكون هي الخاسر الأكبر من التراجع الاقتصادي».

وكان البنك الدولي قد حذر من عودة مئات الملايين من البشر إلى دائرة الفقر ولاسيما في أفريقيا الذين سيعانون تهديدا ثلاثيا لاقتصادياتهم من الأزمة الائتمانية وارتفاع أسعار المواد الغذائية وزيادة كلفة الطاقة.

وقال رئيس البنك الدولي روبرت زوليك «لا ينبغي تجاهل الدول النامية. إننا لن نحل هذه الأزمة أو نضع حلولا مستدامة لها بقبول عالم من طبقتين».

وقد تعهد قادة مجموعة العشرين بالاستمرار في التزاماتهم تجاه فقراء العالم كما تعهدوا بعدم وضع عراقيل جديدة أمام التجارة في مواجهة التراجع الاقتصادي.

بيد أن واحدة من المشكلات الأساسية للدول النامية- وهو التمثيل في المؤسسات المالية الدولية- ستتطلب وقتا أطول لحلها. وقد قررت مجموعة العشرين منح الدول البازغة صوتا أكبر في صندوق النقد والبنك الدوليين

ومنتدى الاستقرار المالي التي تهيمن عليها جميعا بصورة واسعة الولايات المتحدة وأوروبا.

ومما لاشك فيه أن سرعة مسار هذه الإصلاحات ستكون العلامة الفارقة فيما إذا كان النظام العالمي الجديد قد وجد ليبقى.

(د ب أ)