«لقد اعتدت النوم على متن الطائرات» هكذا جاءت إجابة خلدون خليفة المبارك، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة «مبادلة للتنمية» عندما سأله جون دفتريوس، معد ومقدم برنامج أسواق الشرق الأوسط في شبكة التلفزيون الإخبارية الأميركية «سي إن إن» عن كيفية تقسيم أوقات عمله بين مشاغله الكثيرة على نحو يجعله محل تقدير وثناء الجميع، واختتم المذيع مقابلته التلفزيونية معلقا بأن إمارة أبوظبي تمر بمرحلة مثيرة برسمها منحني جديد للمستقبل في وقت يجتاز فيه العالم العربي مرحلة تاريخية مفصلية، وانه ليس هناك شك بأن خلدون المبارك سيواصل عمله بجدية، وسيحظى بساعات نوم أقل حتى تظل يده ممسكة بالزناد».
بهذه الإجابة وبهذا التعليق، تبرز ثمة علاقة ارتباط عضوية بين نجاح شركة مبادلة في ترسيخ مكانتها كشركة استثمارية من العيار الثقيل، وتألق مكانة أبوظبي كلاعب رئيسي على الخريطة الاستثمارية العالمية، فبقدر ما أضحت شركة مبادلة تعبيرا عن إحدى القسمات البارزة لوجه أبوظبي الاستثماري، فإنها وبالقدر ذاته، فإنها تعد نتاجا لاتباع إستراتيجية للتنويع الاقتصادي تتميز بالحيوية والنشاط في ارتياد نطاق متسع من مجالات الأعمال التي تحقق مردودا عاليا، وتبشر في الوقت ذاته بجلب فوائد طويلة الأجل للإمارات وللمنطقة، وذلك من زاوية التوظيف والنمو المستدام.
وتزدهر علاقة الارتباط هذه على خلفية امتلاك إمارة أبوظبي 9% من احتياطات النفط المؤكدة على مستوى العالم، و5% من احتياطيات الغاز الطبيعي العالمية، ومن ثم، تعتبر شركة «مبادلة» تجسيدا عمليا للنهج الذي تتبناه إمارة أبوظبي والرامي إلى تعظيم توظيفها لمواردها النفطية لتمويل عمليات الاستحواذ على الأصول الأجنبية والتنويع الاقتصادي.
وتتميز استثمارات شركة مبادلة بخصائص متفردة ومتميزة، يبرز من بينها، أن بعض هذه الاستثمارات قد طرحت في مستهلها علامات استفهام حول مغزاها ومنطقها، ولكن مع تطور صيرورة الأمور، ظهرت هذه الاستثمارات على أنها مهمة ومؤثرة بالنسبة لإمارة أبوظبي.
وتعتبر صفقة شركة مبادلة مع شركة فيراري مثالا على ذلك، ففي يوليو 2005، اشترت شركة مبادلة حصة نسبتها 5% من أسهم شركة فيراري الإيطالية بقيمة 114 مليون يورو (138 مليون دولار)، وبالتالي، أصبحت الشركة أول شركة غير مالية تملك حصصا في الشركة الايطالية، وقد تملكت هذه الحصة من خلال مصرف ميديوبانكا.
ولم يكن بمقدور المراقبين حينذاك التعرف على المكاسب التي يمكن تحقيقها من وراء هذه الصفقة، ولكن بمرور الوقت، ظهرت هذه المكسب الواحدة تلو الأخرى حيث قادت إلى توقيع اتفاقية الرعاية بين الجانبين في يناير 2007، وبعد مرور أسابيع قليلة على هذا الاتفاق،حصلت أبوظبي على الضوء الأخضر لتنظيم سباق الجائزة الكبرى، وهو الحدث الثاني من نوعه في المنطقة، وفي شهر فبراير من العام الماضي، أكد بيرني إيكليستون المروج والمتحكم في سباق «فورمولا واحد» أن أبوظبي ستستضيف سباق الجائزة الكبرى لـ «فورمولا 1» ابتداء من عام 2009 في برنامج قد يتضمن 20 سباقا.
وقد أقرت شركة مبادلة بأن هذا الأمر ما كان أن يحدث من دون الحصول على موطئ قدم في شركة فيراري، وبالتالي، تحولت الصفقة مع فيراري من صفقة مالية سالبة إلى صفقة تدر مكاسب وغنائم على مستوى مختلف.
ويعبر مشروع آخر لمبادلة عن نفس هذا الملمح وهو مشروع دولفين للطاقة الذي يمثل أول شبكة غاز طبيعي عابرة للحدود في دول مجلس التعاون الخليجي، ففي مستهل الأمر، جرى النظر إلى مشروع إقامة خط أنابيب طوله 370 كيلومترا لتصدير الغاز الطبيعي من قطر إلى الإمارات بقدر من التشكك، ولكن شركة مبادلة المالكة لحصة نسبتها 51% من المشروع البالغ قيمته 5 .3 مليارات دولار، مضت قدما في تنفيذ المشروع، وعملت جنبا إلى جنب مع شريكيها الإستراتيجيين وهما شركة توتال الفرنسية وأوكسيدنتال بيترولييم الأميركية والتي امتلكت كل واحدة منهما حصة في المشروع نسبتها 5 .42%، ورغم كل المصاعب التي اعترضت المشروع، بدأ ضخ إمدادات الغاز القطري إلى الإمارات في يوليو2007، ووصل خط الأنابيب إلى كامل طاقته الإنتاجية في الربع الأول من عام 2008 .
وتحرص الشركة على طرق أبواب مجالات الأعمال الجديدة من خلال شراء حصص مؤثرة في شركات عالمية، وهو ما يتجلى بشكل واضح في شراء مبادلة لحصة نسبتها 1 .8% في شركة ادفانست مايكروديفايسز (إيه.ام.دي) الأميركية ثاني أكبر شركة في العالم لصناعة معالجات الكمبيوتر بقيمة تصل إلى 622 مليون دولار، واستحواذها على حصة نسبتها 5 .7% من أسهم مجموعة «كارلايل» ومقرها الولايات المتحدة مقابل 35 .1 مليار دولار، بيد أن مبادلة تبنت نمطا موحدا في عمليات الاستحواذ والاستثمار التي باشرتها بالمنطقة.
سواء فيما يتعلق بشركة أبوظبي لطاقة المستقبل التي تقف وراء مبادرة مدينة مصدر الخضراء، أو فيما يتصل بمشروع إقامة منتجع مع شركة جي.ام ميراج، وتمتلك شركة مبادلة حصة نسبتها 50% في شركة الإمارات للألمنيوم «إيمال» وهي مشروع مشترك بين شركة ألمنيوم دبي «دوبال» وشركة مبادلة للتطوير «مبادلة» والتي تم إنشاؤها بغرض تأسيس أكبر موقع منفرد لإنتاج الألمنيوم في منطقة الطويلة وذلك بالقرب من محطة استقبال الغاز الطبيعي القطري التابع لمشروع دولفين.
وتضع مبادلة عينيها على الصناعات المساعدة لتلبية احتياجات المنطقة، حيث أعلنت مؤخرا عن تأسيس شركة مشركة مع شركة «رولز رويس» لتلبية احتياجات سوق الطيران في الشرق الأوسط بهدف تقديم خدمة صيانة محركات الطائرات دون فكها عن الأجنحة، وذلك من خلال شركة أبوظبي لتقنيات الطيران التي تحتل المرتبة 12 عالميا ضمن أكبر الشركات التي تعمل في مجال خدمات الصيانة والإصلاح والتشغيل. وتتضمن الخدمات التي ستقدمها الشركة الجديدة توفير مجموعة واسعة من خدمات الصيانة المتخصصة بدءا من توليف محركات الطائرات إلى تغيير المحركات واستبدالها بمحركات رولز رويس من عائلة ترنت التي يتم استخدامها في المنطقة.
وعلى نفس المنوال، أعلنت شركة «إير باص» استعدادها لنقل بعض عملياتها إلى المنطقة عبر مجموعة دبي لصناعات الطيران، ولكن الشركة الأم وهي شركة الدفاع الجوي والفضاء الأوروبية وقعت اتفاقا على هامش معرض فارنبورج الجوي مع شركة مبادلة، وستمكن الاتفاقية المجموعة الأوروبية للصناعات الجوية والدفاعية من توسيع قاعدتها في الشرق الأوسط من حيث الموردين والقدرات الإنتاجية، كما تُعتبر الاتفاقية جزءاً هاماً من إستراتيجية مبادلة التجارية للتطوير السريع لقطاع صناعات الطيران في إمارة أبوظبي وجعله مركزاً عالمياً للطيران.
وهكذا، تخطو شركة «مبادلة» بخطي وئيدة نحو تنويع محفظتها الاستثمارية وتعميق علاقات المشاركة مع كبريات الشركات العالمية، وإرساء روابط أعمال وترتيبات قابلة للتطور في المستقبل إلى مصالح تحقق النفع المتبادل، وتفرض هذه المهام ضرورة التحرك على مدار الساعة من موقع لآخر، وهو ما لا يدع الفرصة لخلدون المبارك لأن يخلد إلى الراحة والاستمتاع بقضاء ساعات النوم في منزله.
تألق
جيل جديد من القيادات الشابة
ينتمي خلدون المبارك، وهو في العقد الثالث من عمره، الى جيل جديد من القيادات الشابة التي صارت معلما بارزا للمرحلة الحيوية التي تجتازها الدولة في ارتيادها أفاقا جديدة نحو النمو والتحديث، وقد تمرست هذه القيادات على أساليب التعامل مع اللاعبين العالميين الكبار، ويعكس تألق هذا الجيل التحولات التي تشهدها الدولة على صعيد أساليب مباشرة الأعمال، فعلى الرغم من أن الطرق التقليدية في أداء الأعمال مازالت تعمل بشكل جيد مع شعوب المنطقة، إلا أن المنطقة أصبحت الآن ساحة لمجتمع الأعمال الدولي بما يفرضه ذلك من ضرورة اتباع أحدث المواصفات والمقاييس في مباشرة الأعمال.
ويتقلد خلدون المبارك العديد من المناصب والمسؤوليات، فإلي جانب مسؤولياته كرئيس تنفيذي والعضو المنتدب لشركة «مبادلة للتنمية»، يتولى منصب رئيس جهاز الشؤون التنفيذية بإمارة أبوظبي. كما أنه عضو مجلس إدارة الدار العقارية، ورئيس مجلس إدارة مركز امبريال كوليدج لندن لأمراض السكري، ونائب الرئيس التنفيذي في شركة دولفن للطاقة، كما أنه عضو مجلس إدارة بنك الخليج الأول، وعضو مجلس إدارة مؤسسة الإمارات في أبوظبي، ويتولى كذلك نائب رئيس شركة «بياجيو إيرو» الإيطالية الرائدة في مجال الطيران، وليس من قبيل المفاجأة أن شركة مبادلة تمتلك بشكل جزئي أو كلي جميع هذه الشركات.
تطور
محفظة استثمارية قيمتها 10 مليارات دولار
تماثل نشأة وتطور شركة مبادلة نظيرتها شركة (تيماسيك هولدنجز) الذراع الاستثمارية للحكومة السنغافورية، حيث يتمثل الهدف الرئيسي من وراء تأسيس الشركتين في خلق وتعظيم القيمة لحامل الأسهم علي المدى الطويل، بأن يكون مالكا لمشروعات ناجحة ومستثمرا نشطا، وبقدر ما نجحت الشركة في النهوض بالمسؤوليات المطلوبة منها، فانها وبالقدر ذاته، حقق هذا النجاح وثبات وقفزات دفعت الشركة إلي مصاف الكيانات الضخمة.
وتغطي المحفظة الاستثمارية لشركة مبادلة قطاعات تضم الطيران والطاقة والرعاية الصحية والعقارات والبنية التحتية والخدمات والتكنولوجيا، وتستهدف محفظتها الاستثمارية التي تضم أصولا بقيمة 10 مليارات دولار تحقيق التنمية سواء بشكل مستقل أو من خلال المشاركة مع الشركات الدولية الرائدة، وتنهض استراتيجيتها التجارية على قاعدة من الاستثمارات الكثيفة رأس المال والطويلة الأجل والتي تدر عوائد مالية قوية، وفي وسط كل هذا، تنظر مبادلة إلى نفسها علي أنها قوة محفزة وانعكاس في الوقت ذاته لاستراتيجية التنويع الاقتصادي لإمارة أبوظبي، وصاغت الشركة مسؤولياتها علي أنها تستهدف تأسيس شركات جديدة والاستحواذ علي حصص في الشركات الموجودة داخل الإمارات أو خارجها.
روح التحدي والإصرار
لم تنل تقلبات أسعار النفط العالمية وتفاقم أزمة الائتمان العالمية من قدرة شركة مبادلة للتنمية على مواصلة استراتيجيتها الرامية إلى العثور على الأصول الجيدة في مختلف أرجاء العالم، وتتجلى روح التحدي والإصرار في التصريحات التي أدلى بها خلدون خليفة المبارك، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة «مبادلة للتنمية» لجريدة «هند لسبلات» والتي أكد فيها أنه بالإمكان تقبل تقلبات أسعار النفط والبورصات. ويعكس هذا الإصرار ارتقاء أذرع الإمارات الاستثمارية ضمن قائمة الصناديق الأكثر تأثيراً على أسواق المال العالمية، رغم إدارتها أصولاً تقل كثيراً عن الأصول التي تديرها نظيراتها في الدول المجاورة، ويعود مبعث قوتها إلى جرأتها في عمليات الاستحواذ على الأصول في مختلف أسواق العالم.
بحيث صارت تمتلك محفظة استثمارية تتضمن مختلف فئات الأصول في الأسواق الآسيوية والأميركية والأوروبية، إلى جانب أسواق دول الشرق الأوسط، وهو ما حفز بعض المراقبين على توصيف أداء هذه الصناديق بأنه يتسم بجرأة غير عادية في اقتناص واصطياد الأصول، وهو الأمر الذي وضعها في خانة الصناديق الاستثمارية ذات الشهية المفتوحة على شراء الأصول، بهدف توليد الثروة وتعظيمها، وهو ما يجعلها تنضم إلى قائمة الصناديق الاستثمارية الأكثر نفوذاً وتأثيراً على أسواق المال العالمية خصوصاً فيما يتعلق بحقوق الملكية الخاصة والعقارات والأسهم.
وتمكنت هذه الأذرع الاستثمارية من شراء حصص مؤثرة في الشركات العالمية، بما في ذلك شركة «دايملر كرايسلر» وشركة «تيم وارنر» وبنك «استاندارد شارترد»، كما أنها استثمرت بكثافة في أسواق العقارات في الولايات المتحدة وبريطانيا والشرق الأوسط، إلى جانب استثمارها في الصناديق التي تديرها البيوت الاستشارية العاملة في مجال الاستثمار في حقوق الملكية الخاصة، بما في ذلك «كي كي آر» و«كارليل» و«ثري آي»، وهو ما يدل على تمتعها بقدر عال من الحصانة في مواجهة تقلبات الأسواق، الأمر الذي يجعلها واثقة من قدرتها على مواجهة هذه التحديات.
مجدي عبيد
